ميناء بربرة في قلب الصراع.. كيف تحولت التحركات الإماراتية إلى بوابة نفوذ للكيان الصهيوني على تخوم باب المندب؟
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تتزايد المؤشرات على أن التحركات الإماراتية في الموانئ والمنشآت الاستراتيجية المطلة على مضيق باب المندب لم تعد تقتصر على الأبعاد الاقتصادية المعلنة، بل باتت تحمل أبعادًا جيوسياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.
وفي مقدمة هذه التحركات يبرز ميناء بربرة في أرض الصومال الانفصالية، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور نشاط لوجستي وعسكري متنامٍ، وسط تساؤلات متزايدة حول الجهات المستفيدة من هذا التوسع والأهداف الكامنة وراءه.
ومع تصاعد الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر عقب التطورات الإقليمية الأخيرة، برزت مؤشرات على تقاطع المصالح الإماراتية والإسرائيلية في هذه المنطقة الحساسة، بما يفتح المجال أمام الكيان الصهيوني لتعزيز حضوره بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فبينما توفر أبوظبي الغطاء اللوجستي والاستثماري والبنية التحتية اللازمة، تبدو تل أبيب المستفيد الأكبر من إعادة تشكيل موازين النفوذ على تخوم باب المندب، بما يمنحها فرصًا جديدة للتأثير في أمن الملاحة الدولية ومراقبة خطوط التجارة والطاقة.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي تؤديه الإمارات في تمهيد الطريق أمام التمدد الإسرائيلي في القرن الإفريقي، وكيف تحولت مشاريع الموانئ والاستثمارات البحرية إلى أدوات نفوذ تخدم أجندات تتجاوز الاقتصاد إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للبحر الأحمر، في منطقة باتت تمثل إحدى أكثر ساحات الصراع الإقليمي والدولي حساسية وأهمية.
أظهرت صور الأقمار الصناعية وسجلات حركة الملاحة البحرية خلال الأشهر الأخيرة نمطاً متكرراً من الرحلات البحرية بين ميناء الفجيرة الإماراتي وميناء بربرة العسكري. فقد رُصدت في الخامس من يونيو سفينة شحن داخل القسم العسكري من الميناء، بعد رحلة انطلقت من الفجيرة أواخر مايو، قبل أن تغادر بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من وصولها.
كما أظهرت بيانات التتبع البحري أن السفينة نفذت عدة رحلات مماثلة خلال مارس ومايو ويونيو، فيما وصلت سفينة شحن ثانية من الفجيرة في الرابع من يونيو وغادرت بعد فترة قصيرة من تفريغ حمولتها.
ولا تكمن أهمية هذه الرحلات في تكرارها فحسب، بل في طبيعة السفن المستخدمة، إذ لا تنتمي إلى فئة سفن الحاويات التجارية التقليدية، بل إلى سفن الشحن الثقيل القادرة على نقل المعدات الهندسية الكبيرة والمركبات والأنظمة اللوجستية والعسكرية.
ورغم عدم الإعلان رسمياً عن محتوى هذه الشحنات، فإن سرعة التفريغ وتكرار الرحلات يشيران إلى وجود عمليات لوجستية متخصصة تتجاوز النشاط التجاري المعتاد.
يتزامن هذا النشاط البحري مع تغييرات لافتة في البنية التحتية العسكرية داخل بربرة، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن إنشاء حظائر جديدة للطائرات، وتوسيع مرافق الدعم اللوجستي، وإضافة منشآت تشغيلية جديدة بالقرب من القاعدة الجوية والميناء العسكري.
ويعكس هذا التوسع استثماراً طويل الأمد في تعزيز القدرات التشغيلية للموقع، خصوصاً أن وتيرة النشاط الحالية تختلف بشكل واضح عن السنوات السابقة التي كانت تشهد حركة محدودة نسبياً داخل الميناء العسكري.
كما أن تزامن وصول الشحنات الإماراتية مع مشاريع التوسعة يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن العلاقة المباشرة بين هذه الشحنات وبين تطوير المنشآت العسكرية، وما إذا كانت تشكل جزءاً من مشروع استراتيجي أوسع يستهدف تعزيز الحضور الإماراتي في المنطقة.
تحتل أرض الصومال موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية على الساحل الجنوبي لخليج عدن، بين جيبوتي وإثيوبيا، وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها تأثيراً على حركة التجارة الدولية والطاقة.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز ميناء بربرة بوصفه أحد أهم الموانئ المطلة على خليج عدن، ليس فقط كمنفذ اقتصادي حيوي، بل كنقطة ارتكاز استراتيجية تتيح مراقبة وتأثيراً مباشرين على حركة الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس.
وتدرك الإمارات الأهمية الاستثنائية لهذا الموقع، خاصة بعد التحديات التي واجهتها مشاريعها السابقة في بعض موانئ المنطقة، الأمر الذي جعل من بربرة خياراً محورياً ضمن استراتيجيتها الرامية إلى بناء شبكة نفوذ بحري خدمة للكيان الصهيوني تمتد من الخليج العربي إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الميناء باعتباره مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل كمنصة جيوسياسية تمنح أبوظبي قدرة أكبر على التأثير في الملفات المرتبطة باليمن والبحر الأحمر والسودان وإثيوبيا، فضلاً عن تعزيز موقعها في المنافسة الإقليمية على إدارة الممرات التجارية الحيوية.
تأتي هذه التحركات في وقت ازدادت فيه أهمية البحر الأحمر والقرن الإفريقي نتيجة الأزمات الإقليمية المتلاحقة، واضطرابات الملاحة الدولية، وتصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على تأمين موطئ قدم قرب الممرات البحرية الاستراتيجية.
وخلال السنوات الماضية، عززت الإمارات خدمة للكيان حضورها في عدد من الموانئ والمنشآت اللوجستية في المنطقة تحت عناوين استثمارية وتجارية، إلا أن مراقبين يرون أن هذه المشاريع تحمل أبعاداً تتجاوز الاقتصاد، إذ يمكن توظيفها كأدوات نفوذ سياسي وأمني وعسكري، خاصة في البيئات الجيوسياسية المضطربة.
وفي هذا الإطار، يعيد الخط البحري المتكرر بين الفجيرة وبربرة طرح تساؤلات حول ما إذا كانت أبوظبي تعمل على ترسيخ بنية تحتية استراتيجية طويلة الأمد تسمح لها بلعب دور أكبر في معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
لا تقتصر أهمية أرض الصومال على الحسابات الإماراتية فحسب، بل تمتد إلى الكيان الإسرائيلي الذي ينظر إلى المنطقة باعتبارها فرصة استراتيجية لتعزيز حضوره قرب باب المندب والبحر الأحمر.
ففي ظل التحديات الأمنية التي برزت عقب الحرب على غزة وما رافقها أسناد يمني بحظر الملاحة الإسرائيلية والمتوجهة للكيان عبر البحر الأحمر، برزت الحاجة لدى “تل أبيب” إلى البحث عن مواقع جديدة تمنحها قدرة أكبر على ردع القوات اليمنية والسيطرة على خطوط الإمداد البحرية.
ومن هذا المنظور، يمثل ميناء بربرة نقطة جذب استراتيجية، إذ يحفز العدو الإسرائيلي بالسيطرة بشكل مباشرة لتكون على مقربة من السواحل اليمنية ومضيق باب المندب، بما يتيح تعزيز المراقبة البحرية وتطوير ترتيبات عسكرية وأمنية تسهم في حماية المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
كما تنظر “تل أبيب” إلى أرض الصومال باعتبارها مدخلاً أوسع لتعزيز حضورها داخل القرن الإفريقي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح تنافس دولي متصاعد بفعل موقعه الجغرافي وأهميته في أمن التجارة العالمية.
ختاما: تكشف الشحنات المتكررة بين الفجيرة وبربرة، وما يرافقها من توسع في المنشآت العسكرية والبنية التحتية اللوجستية، عن تحولات متسارعة للكيان الصهيوني عبر الإمارات تشهدها واحدة من أهم النقاط الجيوسياسية المطلة على باب المندب.
وبينما لا تزال طبيعة الشحنات وأهدافها الحقيقية غير معلنة، فإن المؤشرات المتوافرة تؤكد أن بربرة لم تعد مجرد ميناء تجاري على ساحل البحر الأحمر، بل تحولت إلى محور رئيسي في معركة النفوذ، والذي يسعي الكيان الصهيوني للسيطرة ليكون على مقربة من البحر الأحمر والقرن الإفريقي.