هل لا تزال إيران قادرة على المضي بالخيار العسكري؟
تحت ضغط الجولات العسكرية الكثيفة والتقديرات المتضاربة في العلن، تتبلور صورة أكثر تعقيداً للقدرات العسكرية الإيرانية في كواليس أجهزة الاستخبارات الأميركية والاسرائيلية. فخلافاً للخطاب السياسي الذي يميل إلى إعلان “القضاء على القدرات العسكرية الايرانية” والتي أغرق الرئيس الأميركي بها وسائل الاعلام، تشير التقييمات إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بقدرة فعلية على الاستمرار في القتال لوقت إضافي، مستندة إلى ما تبقى من ترسانتها الصاروخية وبنيتها التحتية العسكرية القابلة لإعادة التشغيل.
يعكس تقرير وول ستريت جورنال هذا التباين، فبينما تتحدث تصريحات رسمية في واشنطن عن تدمير واسع للبرنامج الصاروخي الإيراني، تفيد تقديرات استخباراتية بأن آلاف الصواريخ الباليستية ما تزال ضمن المخزون، وأن جزءاً مهماً من منصات الإطلاق تحت الأرض يمكن استعادته أو إصلاحه. بالتالي، فإن صورة الحرب على ضوء هذه المعطيات، توضع في إطار الاستنزاف الطويل أكثر من أنها طريقاً لتحقيق حسم ما.
في الواقع، لا تُقاس القدرة على الاستمرار فقط بعدد الصواريخ المتبقية، بل أيضاً بمرونة البنية العسكرية. فقد أظهرت التجربة أن المنشآت المحصنة تحت الأرض تشكل عاملاً هاماً في الحفاظ على القدرة العملياتية، حتى بعد ضربات جوية مكثفة. وعلى الرغم من التقديرات الاميركية التي تشير إلى أن منصات الإطلاق تعرّضت للضرر أو التعطيل، إلا أنها تقر أيضاً ببقاء نسبة قابلة لإعادة التأهيل، ما يمنح طهران هامشاً زمنياً لإعادة تفعيل جزء من قوتها النارية تدريجياً. كما لا بد من الاشارة إلى أن طبيعة الأهداف التي تختارها لتكون تحت مرمى الصواريخ أو الطائرات المسيرة قليلة الكلفة، هي في الواقع بحجم قنبلة كبيرة لناحية الأضرار التي تحدثها، كتلك المرتبطة بمنشآت الطاقة أو الأنظمة الدفاعية التكنولوجية، والتي تأتي بالتزامن مع اغلاق مضيق هرمز، ما يضاعف الكلفة.
على المستوى الإسرائيلي، تتقاطع التقديرات مع هذا المسار أيضاً. فالمعطيات الأمنية ترى أن إيران فقدت جزءاً من مخزونها الصاروخي، مع احتفاظها بما يزيد عن ألف صاروخ متوسط المدى على الأقل. واذا سلمنا بصحة هذه التقديرات، فإن هذا الرقم، في سياق حرب استنزاف، لا يُعد هامشياً، خاصة إذا ترافق مع قدرة على إعادة الإنتاج أو إعادة التفعيل.
في موازاة الصواريخ، تبرز الطائرات المسيّرة كعنصر فاعل في إطالة أمد المواجهة. ورغم تراجع قدراتها نتيجة الاستهداف المباشر لمواقع الإنتاج، فإن الكلفة المنخفضة وسهولة التصنيع النسبي تمنحها قابلية سريعة للتعويض. في حين تضع التقديرات الغربية احتمال حصول إيران على دعم تقني خارجي ضمن السيناريوهات المرجحة، ما يعزز قدرتها على إعادة بناء هذا القطاع خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ينعكس هذا الواقع العسكري مباشرة على المسار السياسي. فالمفاوضات الجارية لا تُقرأ في طهران كبديل عن المواجهة، إنما كمرحلة ضمنها. حيث حملت التصريحات الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة دلالة على أن أي تهدئة تبقى مؤقتة وقابلة للانهيار، وأن العودة إلى القتال تبقى خياراً قائماً في حال فشل المسار الدبلوماسي. هذا الموقف يستند بما لا يترك مجالاً للشك، على معطيات أكيدة بوجود قدرة عسكرية كافية لتحمل جولات إضافية.
في واشنطن، يُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة ضبط الإيقاع، فالإدارة الأميركية تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح قنوات تفاوض. غير أن التقديرات الاستخباراتية تحذر من أن فترة التهدئة قد تتحول إلى مساحة لإعادة بناء القدرات الإيرانية، ما يعيد “إنتاج التهديد” خلال وقت غير بعيد.
أما في تل أبيب، فإن استمرار امتلاك إيران لقدرات صاروخية ومسيّرة، حتى بعد الضربات، يعني أن أي جولة مقبلة ستبقى مكلفة. الأنظمة الدفاعية قادرة على اعتراض نسبة من الهجمات، غير أن استدامة هذا النمط من الاشتباك تفرض عبئاً اقتصادياً وعسكرياً متصاعداً، خاصة في ظل استخدام إيران لوسائل منخفضة الكلفة لإحداث تأثير تراكمي.
في هذا السياق، تكتسب فكرة “الاستمرار” بعداً استراتيجياً. فإيران لا تحتاج إلى استعادة كامل قدراتها السابقة للدخول في جولة جديدة، إذ يكفي الحفاظ على حد أدنى من القوة القادرة على إيلام الخصم وفرض معادلة ردع نسبية. هذا “الحد الأدنى”، وفق التقديرات المتداولة، ما زال متوافراً.
الخنادق