هندسة التصعيد الأمريكي في اليمن.. كيف تعيد واشنطن تدوير الحرب من بوابة الجنوب؟

ـ هندسة التصعيد الأمريكي في اليمن: إدارة الصراع بدل إنهائه

ـ الجنوب ساحة إعادة التدوير: ماذا تريد واشنطن من حضرموت والمهرة؟

ـ بين الإمارات والسعودية: خلافات الحلفاء تحت المظلة الأمريكية

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

بعد سنوات من العدوان والحصار التي أنهكت اليمن وأعادت تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، يعود شبح التصعيد ليخيّم مجددًا على المشهد، وخصوصًا في جنوب وشرق البلاد.

فبينما تتحدث واشنطن في خطابها الدبلوماسي عن “الاستقرار” و“خفض التصعيد”، تكشف الوقائع السياسية والميدانية عن مسار مختلف يقوم على إدارة الصراع لا إنهائه، وإعادة تدوير الحرب بأدوات محلية وإقليمية.

الاتصال الهاتفي الأخير بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره الإماراتي عبد الله بن زايد، وما تزامن معه من تحركات عسكرية وتوترات ميدانية، يعكس بوضوح ملامح مرحلة جديدة من “هندسة التصعيد” في اليمن، حيث يتحول جنوب اليمن إلى ساحة اختبار جديدة لسياسات واشنطن بعد فشل خياراتها السابقة.

واشنطن والعودة إلى خيار الضغط العسكري

لا يمكن قراءة التطورات المتسارعة في جنوب وشرق اليمن بمعزل عن التحول في الموقف الأمريكي تجاه ملف الحرب.

فبعد فترة من التهدئة النسبية، بدأت مؤشرات التصعيد تعود تدريجيًا إلى الواجهة، في ظل قناعة أمريكية بأن مسار التفاوض وحده لم يعد كافيًا لفرض هيمنتها على مواني وساحل الممرات البحرية والثروات اليمنية.

الاتصال الأمريكي الإماراتي جاء ليؤكد هذا التوجه، إذ بدا وكأنه إعادة ضبط لإيقاع الحلفاء، تمهيدًا لمرحلة تصعيدية جديدة تُدار بأدوات غير مباشرة.

الخطاب الأمريكي المعلن يركز على “الاستقرار” و“مكافحة التهديدات”، لكنه في جوهره يقوم على إعادة هندسة الصراع بما يضمن استمرار الضغط على القيادة اليمنية في صنعاء، دون الانخراط المباشر في حرب مفتوحة.

هذه المقاربة تعكس استراتيجية “الحرب بالوكالة”، التي ترى فيها واشنطن خيارًا أقل كلفة سياسيًا، وأكثر مرونة في إدارة التوازنات الإقليمية.

الجنوب اليمني.. من قضية محلية إلى منصة صراع

يُظهر سلوك ما يسمي بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي” خلال الأشهر الأخيرة تحوّلًا واضحًا في دوره ووظيفته، فبعد أن كان يقدم نفسه كطرف محلي يسعى لتحقيق مطالب سياسية جنوبية، بات يتحرك اليوم كأداة ضمن مشروع إقليمي دولي أوسع.

التوسع في حضرموت والمهرة لا يرتبط فقط بالسيطرة الجغرافية، بل بإعادة تشكيل ميزان القوة في الجنوب، بما يسمح باستخدامه كمنصة ضغط عسكري وسياسي ضد القيادة اليمنية في صنعاء.

الخطاب الأمني الذي يتبناه “المجلس” لتبرير تحركاته يخفي في طياته استعدادًا لمرحلة تصعيدية، تؤكدها التحركات الميدانية في أبين والضالع، ورفع مستوى الجاهزية في مناطق التماس.

أن هذا الدور لا يمكن فصله عن الغطاء السياسي الدولي الذي توفره واشنطن، عبر دعم غير معلن لكنه فعّال، يجعل من “المجلس الانتقالي” أداة وظيفية ضمن استراتيجية أمريكية أشمل.

إدارة الخلافات بين الحلفاء.. سياسة أمريكية ثابتة

أحد أبرز ملامح الدور الأمريكي في اليمن يتمثل في تعامله البراغماتي مع الخلافات بين حلفائه. فالتباينات بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن ليست جديدة، لكنها تُدار أمريكيًا بطريقة تمنع انفجارها الكامل، وفي الوقت ذاته تسمح بتوظيفها لخدمة الهدف الأساسي: إعادة توجيه الصراع نحو صنعاء.

الضغط السعودي على “المجلس الانتقالي” للانسحاب من حضرموت والمهرة يقابله تساهل أمريكي واضح مع الوجود الإماراتي، ما يشير إلى انحياز محسوب لمصلحة الطرف الأكثر استعدادًا للتصعيد.

في هذا السياق، يُفهم الاتصال بين روبيو وبن زايد كرسالة دعم للدور الإماراتي في المرحلة المقبلة، مع السعي لمنع الخلافات البينية من تعطيل المسار التصعيدي.

التصعيد كبديل عن التسوية الشاملة

تعامل الولايات المتحدة مع الملف اليمني يقوم على فرضية أن الصراع، طالما بقي تحت السيطرة، يمكن أن يكون أداة لتحقيق توازنات تخدم مصالحها.

لذلك، لم تُظهر واشنطن حماسة حقيقية لتسوية شاملة، واكتفت بدعم مسارات تفاوضية مؤقتة تهدف إلى خفض التصعيد لا إنهائه.

الاجتماعات المتكررة للسفير الأمريكي مع “أعضاء المجلس الرئاسي” الموالي لتحالف العدوان تعكس هذا المنطق، حيث يتم الدفع نحو توحيد الجهود العسكرية بدل البحث عن حلول سياسية جذرية.

الإصرار على أن “المعركة يجب أن تكون مع صنعاء” يكشف عن رهان أمريكي على أن الضغط العسكري قد يفرض لاحقًا معادلات تفاوضية أفضل، متجاهلًا تعقيدات الواقع اليمني ودروس السنوات الماضية.

مخاطر إعادة إشعال الجبهات

رغم الرهان الأمريكي على أن إعادة إشعال الجبهات قد تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا، إلا أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة.

فالتجربة اليمنية أثبتت أن الحلول العسكرية لم تُنتج حسمًا، بل عمّقت الانقسامات وأضعفت الفصائل والميليشيات الموالية للمحتل الخارجي.

أي تصعيد جديد سيعني مزيدًا من الاستنزاف لحلفاء واشنطن، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات دولية تقلل من قدرتها على إدارة صراعات طويلة الأمد.

ومن زاوية أوسع، يتجاهل هذا الرهان التحولات التي طرأت على ميزان القوة، حيث باتت القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء تمتلك أدوات ردع تجعل كلفة الحرب أعلى بكثير من السابق.

الإمارات والسعودية.. أدوار متباينة في مشروع واحد

تلعب الإمارات دورًا محوريًا في مشروع تفتيت اليمن، مستغلة “المجلس الانتقالي” كذراع عسكرية وسياسية.. توسعها في حضرموت والمهرة لا يرتبط بالأمن، بل بالسيطرة على الجغرافيا والثروات وفرض واقع تقسيمي بالقوة.

في المقابل، تجد السعودية نفسها عالقة في مأزق استراتيجي، بعد فشل الحرب في تحقيق أهدافها، وتآكل نفوذها داخل تحالف العدوان.

فشل الضغوط السعودية لإجبار المرتزقة الإماراتيين على الانسحاب يكشف حجم الإرباك، فيما يعكس تحليق الطيران السعودي فوق حضرموت حالة ارتباك أكثر من كونه استعراض قو، هذا الواقع يؤكد أن القرار لم يعد بيد الرياض، بل بات مرتهنًا للمسار الذي ترسمه واشنطن.

توحيد المرتزقة.. خيار أخير بعد الفشل

محاولة توحيد المرتزقة الموالين للاحتلال السعودي والإماراتي ليست سوى إعادة إنتاج لرهان فشل مرارًا، فالانقسامات البنيوية، وتضارب المصالح، وغياب المشروع الوطني، تجعل من أي وحدة بينهم وحدة هشة وقسرية، ومع ذلك، تدفع واشنطن بهذا الخيار كملاذ أخير لتعويض خسائرها السياسية والعسكرية.

هذا وتكشف التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة لا تزال تراهن على إدارة الصراع بدل حله، مستخدمة أدوات محلية وإقليمية فقدت شرعيتها، فالجنوب اليمني يُعاد توظيفه كساحة تصعيد، لا كقضية وطنية، في إطار مشروع يهدد وحدة اليمن واستقرار المنطقة.

غير أن الواقع يؤكد أن اليمن لا يمكن إخضاعه عبر المرتزقة أو الصفقات الهاتفية، وأن أي سلام حقيقي لن يولد من رحم الهيمنة، بل من الاعتراف بإرادة اليمنيين وسيادتهم الكاملة.

قد يعجبك ايضا