هيهاتَ أن تموت الحقيقة.. كيف هزمت عاشوراء محاولات الطمس؟
رهيب التبعي
تُطلّ ذكرى عاشوراء في كُـلّ عام لتتجاوز حدود كونها مُجَـرّد محطة زمنية في التقويم الهجري، أَو حدثًا عابرًا في طيات التاريخ الإسلامي.
إنها تمثل تفكيرًا نقديًّا مُستمرًّا، ومحطةً فكرية ودينية محورية في وجدان الأُمَّــة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي وترسم معالم الهُوية الأخلاقية والإنسانية.
ومع ذلك، يلاحظ المتابع للمشهد المعرفي تباينًا لافتًا في مستوى الوعي بعمق هذه الذكرى بين المجتمعات الإسلامية.
ويعود هذا التباين، في جانب كبير منه، إلى محاولات التغييب الممنهج لهذه الحقبة التاريخية المفصلية من المناهج التعليمية والفضاءات العامة في حقب سياسية مختلفة.
لقد استشعرت أنظمةٌ سياسية متعاقبة خطورة الثقافة الحسينية على عروشها، فصوّرتها تارة على أنها مبالغات عقائدية، وتارة أُخرى كبوابة للفتن المجتمعية، مما أَدَّى إلى طمس معالمها لدى فئات واسعة حُرِمت من قراءة التاريخ برؤية موضوعية متحرّرة.
ولعل التحول الفكري والسياسي الذي شهده العراق بعد عقود من القمع والكبت تحت قبضة النظام البائد، يمثل النموذج الأبرز على التحرّر المعرفي.
ذلك التحول كان إشراقة إلهية وإحياءً لمفاهيم إنسانية غُيبت قصرًا عن وعي الأجيال.
لقد أعاد هذا التحرّر لـ “كربلاء” مركزيتها الفكرية، مبرهنًا على أن الحرية الدينية هي أَسَاس الاستقرار الفكري للشعوب.
إن قراءة عاشوراء بعين البصيرة تؤكّـد أن استحضار هذه الذكرى لا يستهدف معاقبة أحد على ماضٍ قد مضى وانقضى، فالمنطق الثأري الضيق يتنافى مع شموخ القضية.
إنما الغاية هي استلهام الدروس الخالدة في الدفاع عن الحق، والوقوف في وجه الظلم، والتمسك بالمقدسات.
ستبقى كربلاء مدرسةً فكريةً تفيضُ بمكارم الأخلاق، وتعلّم البشرية معاني العزة والكرامة.
أما أُولئك الذين يحاولون اختزال هذه الذكرى في إطار فئوي ضيق، أَو يسخرون من إحيائها بدعوى أنها تقليب لصفحات ماضٍ بلي، فإنهم يعكسون عمقَ تأثرهم بثقافة التجهيل وطمس الحقائق.
هؤلاء يتغافلون عَمْدًا عن قصة كربلاء وما حوته من مظلومية لآل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على يد الطغيان الأموي، ويتناسَون الكلمةَ الفَصْلَ والإعلان الدستوري للنهضة الحسينية عندما قال الإمام الحسين (عليه السلام): “والله ما خرجتُ أشرًا ولا بطرًا ولا مفسِدًا ولا ظالِمًا، لكن خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي رسول الله”.
إن محاولات دفن الحقيقة وبث ثقافة النسيان قد باءت بالفشل أمام صخرة الواقع المتجدد.
وتأتي “زيارة الأربعين” المليونية في كُـلّ عام كأكبر برهان حيوي على ذلك؛ حَيثُ تتحوّل هذه التظاهرةُ البشرية الفريدة إلى رسالة عالمية عابرة للقارات، تؤكّـد أن النهجَ الحسيني أقوى من كُـلّ محاولات الطغاة، وأن كلمة الحق المتجذرة في النفوس المؤمنة لا تموت.
إن تضحية الحسين ستبقى الدرس الإنساني الأبدي الذي يتردّد صداه في وجه كُـلّ طغيان: أن الحق ينتصر دائمًا وإن طال الحصار.