واقع المسلمين بين قانون الغاب الأمريكي.. والرؤية القرآنية للصراع

صادق البهكلي

في زمن تتصاعد فيه القضايا العالمية الشائكة، وتتفاقم أزمات الأمن والاستقرار، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى لا تعتمد على القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، بل على “قانون الغاب” الذي يقوم على القوة والهيمنة والنهب المنظم. فبدلاً من أن تكون أمريكا راعية للأمن والسلام الدوليين، تحولت إلى أكبر مهدد لسيادة الدول واستقرار الشعوب، ساعية لنهب ثروات الأمم الضعيفة تحت مبررات واهية وأكاذيب مفضوحة.

الأمثلة الواقعية تتكاثر يوماً بعد يوم: في فنزويلا، شهد العالم في يناير 2026 عملية اختطاف غير مسبوقة للرئيس مادورو وزوجته، نقلتهما القوات الأمريكية إلى نيويورك بتهم ملفقة، وأعلن ترامب بكل وقاحة أن “الولايات المتحدة ستدير البلاد”، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية. وفي العراق، غزت أمريكا البلاد عام 2003 بحجة “أسلحة الدمار الشامل” التي لم توجد أبداً، مما أسفر عن مقتل مليون عراقي وتدمير بنية دولة عريقة. وفي أفغانستان، احتلال دام عقدين انتهى بهزيمة مذلة وتسليم البلاد للفوضى. وفي غزة، تواطؤ أمريكي كامل مع الكيان الصهيوني في إبادة جماعية راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تهرول الأنظمة العربية للانطواء تحت هذه المظلة الأمريكية الموبوءة؟ مظلة لا توفر حماية لأحد سوى المصالح الأمريكية ومشاريع الهيمنة الغربية. ألم تكتف هذه الأنظمة بالإهانات اليومية التي يوزعها ترامب على وسائل التواصل الاجتماعية، حيث يصف الدول العربية بـ”الأبقار الحلوب” ويطالبها علناً بدفع المليارات مقابل “حماية وهمية”؟ أليست هذه الإهانات المتكررة كافية لإفاقة هذه الأنظمة من غفلتها؟

الرؤية القرآنية تكشف حقيقة أهل الكتاب

في خضم هذا الواقع المرير، وأمام حملات الخداع الإعلامي المنظم الذي يسمم العقول ويزيف الحقائق، يبقى القرآن الكريم هو البوصلة الحقيقية التي تكشف طبيعة الصراع وتفضح أهداف الأعداء. فالله سبحانه وتعالى لا يخدعنا، بل يقدم لنا الحقائق واضحة جلية في كتابه العزيز.

يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]. هذه الآية الكريمة تمثل قانوناً إلهياً ثابتاً يحكم طبيعة العلاقة بين المسلمين وأعدائهم من اليهود والنصارى. إنها ليست مجرد آية تاريخية، بل أول قاعدة في فهم الصراع الوجودي، حيث تضع حداً فاصلاً بين “المناورة السياسية” و”الذوبان في الآخر”. ففي عالم اليوم، لم يعد مفهوم “المِلّة” يقتصر على البعد الديني فحسب، بل امتد ليشمل “المِلّة السياسية” والقيم الليبرالية التي تفرضها القوى الكبرى كشرط أساسي للقبول الدولي.

وقبل أن ندخل في سياق الحديث عن الآية القرآنية يجدر بنا الإشارة إلى كلام شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي في محاضرة [سورة آل عمران ـ الدرس الأول] حول فهم معنى قول الله:(({وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ}(آل عمران: من الآية101) وهي حقائق وأعلام، ولهذا سميت آيات، هي أعلام على حقائق، حقائق من الهدى، حقائق من واقع الحياة، حقائق من مستقبل الغيب، حقائق في كل ما تحكيه)). ولهذا نجد مصداق الآية الكريمة {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} في واقع الحياة كم يا تنازلات قدمها العرب لأمريكا وإسرائيل وكم يا معاهدات وكم يا إتفاقيات وفي المقابل لم يقبلوا يريدون اليوم شرق أوسط جديد يهيمن عليه العدو الإسرائيلي، الآية القرآنية تؤكد أن السعي وراء إرضاء اليهود والنصارى عبر تقديم التنازلات المستمرة هو “سراب “؛ ذلك أن منطق هؤلاء لا يعترف بالأنصاف، بل يطلب التبعية الكاملة للهوية والأجندة. لذا، وجدنا أن الدول التي حاولت “تبييض صفحتها” أمام القوى المهيمنة عبر التخلي عن ثوابتها، وجدت نفسها في نهاية المطاف فاقدةً لسيادتها دون أن تنال الرضا المنشود، من هذه الدول على سبيل المثال ليبيا لقد قدمت تنازلات وتخلت عن ملفها النووي وقدمت تعويضها لما يسمى ضحايا الطائرة المنكوبة في لوكربي ولإنها القضية وفي الأخير تم القضاء على النظام الليبي وتفكيك الدولة الليبية ونهب ثرواتها النفطية الهائلة وكذلك المثال في السودان وفي فلسطين وحاليا في لبنان وسوريا، إن القرآن الكريم يقدم قواعد تُعلمنا أن القوة تُحترم، والتبعية تُستغل، وأن “الهوية المستقلة” هي العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها في سوق المصالح الدولية .

في محاضرة [الدرس السابع من دروس رمضان] يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) حول هذه الآية الكريمة: “الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: (({وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) اهتمام كبير بشكل أنه كيف يعمل يرضى عنه الآخرون عسى أن يستجيبوا..

الآية تكشف بأنه كان مهتماً جداً فيما يتعلق أيضاً باليهود، فيما يتعلق بالنصارى أنه حريص على هدايتهم متأسف جداً لماذا لم يهتدوا..

هنا يقول لـه: هذه فئة لن ترضى عنك أبداً باعتبار واقعها وما هي عليه لن ترضى عنك أنت، وعندما يقول: {لَنْ تَرْضَى عَنْكَ} فبالأولى لن ترضى عنا نحن لماذا؟ لأن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) باعتبار أخلاقه، حرصه، سلامة نفسيته، تعامله الحسن، وده بأن يهتدي الكل، رحمته بالكل أليس هذا الإنسان هو أقرب إلى أن يرضى عنه أي طرف من الأطراف..

إذاً من منا فيه الجاذبية التي في رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) والتي كانت أدعى لأن يرضوا عنه من أي واحد منا؟ إذاً فنحن لن يرضوا عنا نهائياً، فإذا كان هناك من يمكن أن يرضوا عنه فهو محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) لعلو أخلاقه وطيب نفسه ورحمته وحرصه على هداية الجميع ولا يحمل روحا عدائية شخصية على الإطلاق، عداء شخصي على الإطلاق)).

ويقول حول نفس الآية الكريمة في محاضرة [ يوم القدس العالمي]: ((أنت يا محمد الذي هم يعرفون أنك نبي كما يعرفون أبناءهم، فكيف يرضون عن أمتك، وهم لم يرضوا عنك {لن تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} حتى تدين بدينهم، وتصبح يهودياً مثلهم. وهم قالوا: بأنهم غير مستعدين أن يدعوا أحداً أن يكون يهودياً. ليس هناك من يصلح من العرب أن يحظى بمكانة أن يصبح يهودياً، لكن يريدون أن يضلوا الناس)).

وهذا ليس خاصاً بالنبي وحده، بل هو حكم عام يشمل كل من اتبعه من المسلمين. فمهما قدمت لهم من تنازلات، ومهما سعيت لإرضائهم، لن يرضوا عنك إلا إذا اتبعت ملتهم بالكامل، أي تخليت عن دينك وهويتك وانسلخت من قيمك”.

وفي محاضرته [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى] يوجه كلامه لمن ينطلقون لتولي اليهود والنصارى: (( عليهم أن يفهموا بأن قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(البقرة: من الآية120) أنها حقيقة، أنها حقيقة لن يرضوا عن الرئيس، لن يرضوا عن الحكومة، لن يرضوا عن أي مسؤول)).

ثم يضيف مخاطبا الشعوب العربية : ((لنعود إلى أنفسنا نحن كمواطنين, كمواطنين مسلمين مؤمنين نؤمن بقول الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(البقرة: من الآية120) لنقل لأنفسنا إذا ما كنا نميل إلى السكوت، ونقول لأولئك الذين يطلبون منا أن نسكت: أن هؤلاء لا يرضيهم سكوتنا بل يشجعهم سكوتنا، لن يتوقفوا عند حد إذا كنا ساكتين)).

الواقع يشهد بصدق القرآن

ما تشهده الساحة العربية اليوم من استرضاء محموم للإدارة الأمريكية والغرب هو تطبيق عملي لما حذر منه القرآن. الأنظمة العربية تقدم تنازلاً تلو الآخر: التطبيع مع الكيان الصهيوني، فتح الأجواء والموانئ للقوات الأمريكية، شراء الأسلحة بمليارات الدولارات، تمويل المشاريع الأمريكية، بل والمشاركة في حروبها ضد شعوب المنطقة؛ لكن هل أرضى ذلك أمريكا؟ بالطبع لا. ترامب يطالب بالمزيد، يهين قادة هذه الدول علناً، يصفهم بأقذع الأوصاف، ويعتبرهم “أبقاراً حلوباً” يجب استنزافها حتى آخر قطرة. والسبب بسيط: لأن رضا أمريكا واليهود والنصارى – كما أخبرنا القرآن – لن يتحقق إلا باتباع ملتهم بالكامل، أي التخلي التام عن الهوية الإسلامية والانسلاخ الكامل من القيم والمبادئ.

“انظروا إلى الواقع، كم قدمت الأنظمة العربية من تنازلات؟ هل رضيت عنها أمريكا؟ كلما قدمت تنازلاً طالبوا بالمزيد، وكلما أذللت نفسك ازدادوا استهانة بك. هذا هو قانون الله في خلقه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. فلماذا نصر على تكرار نفس الخطأ؟ لماذا نصر على السير في طريق أخبرنا الله أنه لن يوصلنا إلى رضاهم؟”.

لو أن هناك عودة للرؤية القرآنية لكان الواقع مختلف الم يقول الله سبحانه وتعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة:75)  .

فكيف نطمع في أن هؤلاء سيقبلون بنا فنصدقهم ونتقرب إليهم وقد كانوا على هذا النحو:{يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }(آل عمران:من الآية 21) يعني أنها قضية هامة يجب أن تفهم بأنه هؤلاء ليسوا بالشكل الذي تطمع فيه فيكون طمعك فيه بالشكل الذي يجعلك تقدم تنازلات تتنافى مع ما يجب أن تكون عليه من التسليم لله ، واقتناع بمن هم متبعون لك في طريق التسليم لله أعني هذه القضية قد يحصل فيها أخطاء كبيرة ، هذه قضية هامة أن تعرف الطرف الآخر .

أمريكا مصاصة دماء الشعوب.. لا بانية الأمم

من الخرافات التي يروجها الإعلام الغربي والأمريكي أن أمريكا “بنت” اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وأنها قادرة على بناء الأمم وتطويرها، لكن الحقيقة مختلفة تماماً، أمريكا لم تبن اليابان وألمانيا، بل كانت هذه الدول تمتلك بنية تحتية صناعية وتكنولوجية متقدمة، وقدرات بشرية عالية، واستفادت من خطة مارشال لأغراض جيوسياسية تتعلق بمواجهة الاتحاد السوفييتي، لا من باب الإحسان.

في المقابل، انظروا إلى الدول التي تدخلت فيها أمريكا في العالم العربي والإسلامي: العراق دُمر بالكامل، أفغانستان غرقت في الفوضى، ليبيا تحولت إلى دويلات متصارعة، الصومال واليمن وسوريا… القائمة تطول. أمريكا لا تبني، بل تدمر وتنهب وتسرق الثروات.

يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي: ((هذه هي تقطع أي تفكير من هذا النوع بأنه:  سهل نتقبلهم،  هم هؤلاء يقدمون خدمات،  ومشاريع وربما يفكون عنا الطغيان،  وربما تتحسن وضعيتنا،  وربما،  وربما،  وأشياء من هذه!الله يقول هنا: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(البقرة: من الآية120)  هذا تهديد ستضرب،  ستضرب الأمة هذه،  أولاً: إن هؤلاء الأعداء ليس لديهم نية على الإطلاق،  ليس لديهم نية أن يرتقوا بالشعوب،  لو كانت النية هذه حاصلة لديهم لكانت السعودية،  ودول الخليج على أرقى مستوى فيما يتعلق بنهضة علمية،  وصناعية،  لكن لا،  هم لا يأتون ليبنوا الأمم إنما يأتون ليمتصوا دماء الشعوب كما عبر عنهم الكثير،  في مقدمتهم [الإمام الخميني] سماهم: مصاصي دماء الشعوب)).

المشكلة أن بعض الأنظمة العربية تتوهم أن التحالف مع أمريكا سيحميها ويطورها. لكن التاريخ والواقع يثبتان عكس ذلك. كل نظام تحالف مع أمريكا ضد شعبه أو ضد أمته، انتهى إلى السقوط والذل. فأمريكا لا تحمي إلا مصالحها، وعندما تنتهي هذه المصالح، تتخلى عن عملائها كما تخلت عن الشاه في إيران وعن مبارك في مصر، وعن الكثير من الأفغانيين لدرجة أنهم أسقطتهم من طائراتها بعد إقلاعها..

خطورة الدعاية اليهودية  

ويحذر السيد حسين (رضوان الله عليه) من خطورة الدعاية اليهودية وخطورة تقبلها والانخداع بها يقول في محاضرة [ الدرس السابع من دروس رمضان] : (( هذه القضية خطيرة تيئِّس الناس تماماً، فلا يقبلون أي ترويج دعائي لتقبل أمريكا وإسرائيل ومن يدور في فلكهم على الإطلاق لأن معناها تهديد إلهي {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إذا أنت تجد أنه يهدد النبي،  فالتهديد لك وللأمة هذه بالأولى،  بمعنى أنها قضية خطيرة لن يداهن فيها ويجامل فيها نبيه الذي اصطفاه وأكمله وهو يعرف بحسن نواياه،  لن يتبع أهواءهم هكذا اعتباطاً، قد يكون مع حسن نية: إما من أجل نسلم شرهم مثلاً،  أو من أجل عسى أن يصلحوا،  أو من أجل أشياء من هذه)) .

ويضيف (رضوان الله عليه): ((إذاً فإذا كان مثل الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) لو حصل منه ما هو اتباع لأهوائهم فسيعرض نفسه لخطورة بالغة جداً، والآية توحي بأنه سيأتي شيء من جهة الله، أعني: شيء من جهة الله هو يضرب، يضربه، وفي الأخير لا يكون له لا ولي ولا نصير في أن يدفع عنه ما يأتي من جهة الله. إذا كان الرسول نفسه هكذا لو حصل منه فكيف بالناس، فكيف بالآخرين؟ أليس مقام الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) عند الله أعظم من مقام مجموع هذه الأمة بكلها؟.

إذاً فهذا التهديد خطير جداً لو يتأمله الناس، لو يتفهمه الحكام، لو يتفهمه الكثير من المثقفين، الكثير من زعماء الأحزاب؛ لأنها تؤدي إلى خطورة بالغة جداً لأن الله قد قطع هنا المسألة: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى}(البقرة: من الآية120) إذاً أعلمك، أليس هنا قد أعلمك؟ لأن هذا علم جاءك من عند الله بالنسبة لهذه القضية، لم يبق محاولات: أن تجري وراء أهوائهم على أساس أن تبحث في استرضاء حتى ولو كان عندك حسن نية، سواء بالنسبة للدين أن تكسبهم ليدينوا بما أنت عليه، أو من أجل مصلحة لأمة معينة، أو مصلحة وطنية كما يتشدقون بها الآن الكثير من الحكام: أنه فقط من أجل الحفاظ على المصلحة العامة للوطن.

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(البقرة: من الآية120) لا يوجد ولي ولا نصير يدفع عنك سواء فيما يأتي عليك من الله سبحانه وتعالى كعقوبات إلهية، ولا فيما يأتي من جانب العدو نفسه من شر، لا يوجد ولي ولا نصير معهم إلا أن يرجعوا إلى الله ويدينوا بقطع، يقطعوا قطعاً بأن هذه قضية لا شك فيها، ويبنوا كل أمورهم، كل تعاملهم مع الآخر على أساس {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(البقرة: من الآية120).))

فعندما تتبع أهواء اليهود والنصارى، فإنك تخسر حماية الله ونصرته، وماذا ستستفيد من رضا أمريكا إذا فقدت رضا الله؟ ماذا ستستفيد من حماية أمريكا الوهمية إذا فقدت حماية الله الحقيقية؟ الله هو القوي العزيز، وأمريكا مهما بلغت من قوة فهي ضعيفة أمام قدرة الله إن الأهواء التي يدعوننا إليها ليست إلا طريقاً للاستعباد والإذلال، يريدوننا أن نتخلى عن قيمنا، عن جهادنا، عن كرامتنا، وأن نصبح أتباعاً لهم، نسير خلفهم أينما ساروا. وهذا هو الذل بعينه، الله يريد لنا العزة والكرامة، وهم يريدون لنا الذل والمهانة”.

وعن خطر التضليل اليهودي يقول السيد حسين: (([لكن اليهود] قد يصلون بالناس، قد يصل الناس إلى درجة أنهم ينطقون بالمبررات الوهمية، ويتشبثون بها، أليس هذا يدل على أن الأمة قد وصلت إلى ضلال رهيب جداً، حتى أصبحت تبحث عن مبررات ترددها على أفواهها، وعلى مسامع بعضها بعض؛ ليقتل الزعماء من يأمرون بالقسط من الناس، أو يشردونهم، أو يسجنونهم، تحت عنوان: إرهابي، سيضرب مصالحنا؛ لأنه قد أصبحت مصالحنا الوهمية، مصالح وهمية هي المقياس، هي المعيار الذي يجعلنا نقف مع هذا، أو مع هذا، والذي يجعلنا في الواقع – وهي مصالح وهمية، وكلها كلام – يجعلنا في الأخير لا نعدُّ أيَّ قائم بالقسط من الناس ذو قيمة إذا كان سيتعارض معها، ولو كان محمد بن عبد الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، أو علي بن أبي طالب، أو الأئمة من أهل البيت)).

أهمية العودة إلى القرآن ككتاب هداية وطريق نجاة

في ظل هذا الواقع المعقد، وأمام هذا الخداع الإعلامي المنظم، يبقى القرآن الكريم هو المنهج الوحيد الذي يقدم لنا رؤية صحيحة وواضحة لطبيعة الصراع. الآية الكريمة {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ليست مجرد آية للتلاوة، بل هي قانون إلهي يجب أن يحكم سياساتنا وعلاقاتنا الدولية.

إن على الأنظمة العربية أن تفيق من غفلتها، وأن تدرك أن الانخداع بالمظلة الأمريكية لن يجلب إلا المزيد من الإذلال والاستنزاف، التاريخ والواقع يشهدان بذلك، كل من تحالف مع أمريكا ضد شعبه أو أمته، دفع الثمن غالياً.

الحل الحقيقي يكمن في العودة إلى القرآن، إلى منهج الله الذي يحفظ العزة والكرامة. كما يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي: ((لن يحمينا من أعدائنا إلا العودة إلى القرآن الكريم، لن يبقي العلاقة قائمة بيننا وبين ديننا إلا القرآن الكريم، لا يمكن أن يدفع عنا أيضاً إلا القرآن الكريم إذا ما عدنا إليه. )) ويقول أيضا: (نحن من فهمنا من خلال القرآن – وهو ما يجب أن يُفهم دائماً بالرجوع إلى القرآن وبالرجوع إلى الأحداث، ونحن أيضاً من نستطيع أن نفهم مصالحنا، ونفهم سلامتنا – إنه إذا لم يسلم ديننا فلا سلامة لنا، لا أمن لنا، لا كرامة لنا).

إن الوعي بحقيقة الصراع، وفهم طبيعة العدو، والإدراك العميق لمخططاته، هو الخطوة الأولى نحو التحرر من قيوده. والقرآن الكريم يقدم لنا هذا الوعي كاملاً، واضحاً، جلياً. فهل من مدكر؟

إن المظلة الأمريكية والصهيونية التي تهرول إليها بعض الأنظمة العربية ليست إلا سراباً يحسبه الظمآن ماءً. وقانون الغاب الأمريكي الذي يحكم العالم اليوم لن يدوم، فسنة الله في خلقه أن الظالمين مهما علوا فمصيرهم إلى الزوال. والعزة الحقيقية، والنصر الحقيقي، لا يكون إلا بالله وبالتمسك بمنهجه القويم ولو أن لديهم كما يقول ـ شهيد القرآن (رضوان الله عليه): (لو أن لديهم رؤية قرآنية لعرفوا كيف يتصرفون من البداية مع اليهود، لكن لا يوجد رؤية قرآنية لذلك تراهم في الأخير يكون تصرفهم قوي مع الحركات المجاهدة لليهود، الواعية، الفاهمة لنفسية اليهود وطبيعتهم).

وفي ختام هذا التقرير نختم بما قاله السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) في محاضرة [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى]:

((إذا كنا ننطلق في محاربة اليهود والنصارى على وفق الحقائق الإلهية فإنه العمل الصحيح والموقف الثابت الذي ينسجم مع الواقع، والذي يدفع عن الناس الكثير، الكثير من خطرهم، والكثير من شرهم فيصبح شرهم بالنسبة لنا على النحو الذي ذكره الله في القرآن: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} (آل عمران:111).

أما إذا لم نرجع إلى القرآن وإذا لم نتأمل الآيات في الآفاق وفي أنفسنا من خلال التغيرات التي تطرأ على يد الإنسان في هذه الآفاق فإن معنى ذلك أنهم سيضربوننا وسيقهروننا وبالتالي لا نستطيع أن نعمل شيئاً ضدهم، كما وجدنا عليه الآخرين.

إذاً فلنضع نصب أعيننا في هذه المرحلة هي الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل، عن أهل الكتاب، عن اليهود في نظرتهم إلينا، في نظرتهم إلى ديننا، فلنعتبرها حقائق، ثم لننظر إلى الواقع نفسه وعندها سترى الشواهد الكثيرة، عندها حينئذٍ سيزداد الناس بصيرة وهم في ميدان العمل، حينئذ لا يستطيع أحد أن يوقفهم، ولا يستطيع أحد أن يؤثر عليهم لا بدعايته ولا بفتاواه، ولا بأن يقرأ عليهم آيات من القرآن، أو أن يقرأ عليهم أحاديث من سنة الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)؛ لأنه حينئذٍ ستصبح بصيرتك نافذة وقوية)).

وصدق الله القائل ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ..

قد يعجبك ايضا