أحزان النشيد الجمهوري
✍️ / جميل الكامل
في اليمن، لم تعد المأساة في تعدّد الخصومات، بل في وحدة المتناقضات.
جمهوريون بالراية، ملكيون بالأوامر.
سياديون في الخطب، أوصياء في الممارسة.
يقفون للنشيد الوطني، ثم يجلسون في حضرة الوصيّ، ويطلبون منه — بصوتٍ خفيض — أن يعيدهم إلى كراسي الحكم، ولو أعادهم محمولين على أجنحة طائرات احتلاله.
تناقضات صارخة تدع الحليم حيرانًا.
يصدح النشيد الوطني كل حين في الجزء المحتل من الوطن: «لن ترى الدنيا على أرضي وصيًّا».
فتنكّس الكلمات رأسها خجلًا.
إذ يشهد (الشطر) الذي هم فيه أن هذا (الشطر) ليس فيهم.
أيّ وصايةٍ ترى يقصدها هذا الشطر العظيم، والتي لا يراها هؤلاء؟
أحين يقرّر اليمني مصيره بنفسه؟
أم حين تُدار أرضه، ويتلقّى نخبته وقاداته قراراتهم من عاصمةٍ أخرى، ويُستدعى الأجنبي ليحسم خلاف الإخوة بالحديد والنار؟
يتحدثون عن الجمهورية، ثم يهرعون إلى ملكية نصّبت نفسها — أو نصّبوها هم على أنفسهم — وصيًّا، وكأنهم ما زالوا قُصّرًا، وليس لهم أهلية شرعية لاتخاذ القرار!!
يستجلبون الاحتلال إلى وطنهم، ويلتقون معه ليتحاوروا ويناقشوا كيفية تحرير المحرَّر منه فعليًّا من الاحتلال.
يتحدثون في كل لقاء عن تحرير صنعاء، وهم غارقون إلى آذانهم في الاحتلال.
ويتهمونها بالهيمنة، وهي اليمنية قيادةً ودولةً وقرارًا، تُتَّهَم بالاحتلال والهيمنة، بينما يعيشون هم تحت هيمنةٍ صريحة، وقرارٍ مُصادَر، وسماءٍ مُستباحة.
حاولت كثيرًا البحث عن مسمّى وتوصيف لوضعهم، فلم أجد سوى الهيمنة والوصاية والاحتلال.
ويتحدثون عن السيادة!!
أيُّ سيادةٍ تلك التي تحتاج وصيًّا دائمًا؟!!
اليوم، تُدعى مكوّنات الجنوب إلى «حوار» في الرياض.
يا لسخرية المشهد!
الغازي يدعو ضحاياه إلى مائدة، يدعوهم لا ليسمع آلامهم، بل ليختار منهم من سيضمن له حصته، ويحافظ على مصالحه بعيدًا عن شريكه الذي اختلف معه.
حوارٌ لا يُبحث فيه عن مستقبل اليمن، بل عن كيفية فصلِه فعليًّا، وتوزيعِه عمليًّا، وتثبيتِه كمنطقةِ نفوذٍ دائم.
يقول لهم اليوم: تعالوا نتحاور… أيّكم أصلح لي؟ أيّكم أقدر على تنفيذ تطلعاتي؟ أيّكم أوفى لوعودي، لا لوطنه ووحدته؟
وهنا أسأل — بسخريةٍ مُرّة وعتابٍ موجِع — هل تظنون أن الغازي يهتم بكم؟
الغازي — أيها السادة — لا يرى فيكم إلا أدوات.
لتنفيذ مصلحته أولًا،
ثم مصلحته ثانيًا،
ثم مصلحته ثالثًا.
وإن تبقّى له وقتٌ أو فائض اهتمام، صرفه لتحقيق أحلام وكلائه وأدواته، لا أحلام الشعب، وعلى الأرض التي استوطنها،
والتي يتطلع إليها منذ زمنٍ بعيد.
تفرحون اليوم بخلافات الرعاة: هذا مع السعودية، وذاك مع الإمارات.
كأن تبدّل القيد حرية، وكأن تغيير الوصيّ سيادة.
لا أحد من هؤلاء اختلف لأجلكم، ولا تصالح إلا عليكم.
الصراع ليس على كرامة اليمن، بل على من ينال النصيب الأوفر من تقاسمه.
وأنتم — في أحسن الأحوال — تفاصيل في محضر القسمة.
الحقيقة هي ما سيسجله التاريخ للأجيال وفقًا للقاعدة القرآنية التي يقول الله فيها:
(ويحقّ الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون).
وسينقل التاريخ للأجيال أنه، وفي زحمة هذه المفارقات،
كانت في الجهة الأخرى صنعاء — بكل ما يُقال عنها — واقفةً لنشيدها الجمهوري قولًا ومعنى.
تقف للعلم حقيقةً لا استعراضًا، التزامًا لا تواري خلفه طامعًا يملي عليها متى تقف ومتى تتحرك.
لا وصيّ فوق قرارها، ولا أوامر من خلف الحدود.
ولو دبّت الروح في العلم، لبادلها التحية؛ لأنها لم تُدخله تحت عباءة أحد، ولم ترفعه في حضرة محتل.
وكمواطنٍ يمنيٍّ تربّى على حب وطنه، أتساءل بلسان كل محب لبلده، ومتطلعٍ إلى حريته وازدهاره واستقلاله واستقراره:
إلى متى سنظل تحت هذا الارتهان؟
إلى متى نصدّق أن من أنفق الملايين لشرائنا عبر لجنته الخاصة — التي تأسست عام 1962م، أي في نفس العام الذي قامت فيه ثورة 26 سبتمبر — سيمنحنا يومًا حريتنا؟ ويتركنا نستقل بقرارنا؟ ونطوّر بلدنا الذي، لولا تدخله، لكان كغيره من بلدان العالم؟
إلى متى نتصوّر أن من صنع منّا أدوات، سيتركنا نكسر الأدوات ونخرج من تحت عباءته؟
هذا المقال ليس خصومةً سياسية، بل عتاب وطن.
ليس تمجيدًا لطرف، بل محاكمة لتناقض.
ليس شماتة، بل حزنًا على بلدٍ يُباع بأصواتٍ تهتف باسمه.
كما أنه ليس خطاب كراهية وتحريض، بل خطاب إيقاظ.
اليمن لا يُبنى بالوصاية، ولا يُحرَّر بالاستدعاء، ولا تُصان جمهوريته بأوامر ملكية.
ومن لا يستطيع سماع نشيده دون أن يخجل من ممارساته، فليُراجع نفسه قبل أن يُراجع خصومه.
«لن ترى الدنيا على أرضي وصيًّا»
هذا ليس بيتَ شعرٍ يُسمَع أو يُردَّد، بل عهدًا علينا أن نحترمه ونفي به.