أمن لبنان من أمن مضيق هرمز
في خضمّ العدوان الصهيوأمريكي المركّب، الذي استهدف الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة، برزت طهران بوصفها لاعبًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة صياغة قواعد الاشتباك والردع الإقليميين. فباستخدامها الذكي والحاسم لورقة مضيق هرمز، لم تكتفِ إيران بفرض معادلة ردع جديدة خاصة بها، بل نجحت في تحويل هذا الشريان الحيوي إلى أداة ضغط فعّالة أوقفت مسار العدوان على لبنان، وأجبرت خصومها على القبول بوقف إطلاق النار، بالتزامن مع مسار التهدئة الإقليمي.
ففي قلب هذه المعادلة، تحوّل لبنان إلى جزء عضوي من منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة مباشرة بمضيق هرمز. إذ بات أمن لبنان، بفعل ترابط الجبهات ووحدة ساحات محور المقاومة، عنصرًا ملازمًا لأمن الملاحة في المضيق، بحيث أصبح أي خرق لوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني ينعكس تلقائيًا على استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا الترابط الاستراتيجي العميق، الذي يختصر انتقال المنطقة من مرحلة الفصل بين الجبهات إلى مرحلة وحدة الساحات، كشف عنه بوضوح رئيس مجلس الشورى الإسلامي الدكتور محمد باقر قاليباف، في حديثه التلفزيوني الأخير، مسلطًا الضوء على كيف تحوّلت شروط وقف إطلاق النار، وقواعد إدارة مضيق هرمز، إلى أدوات متكاملة في فرض توازن ردع جديد، وإيقاف العدوان على لبنان ضمن سياق إقليمي أشمل.
ففي حوار تلفزيوني مع الشعب، كشف رئيس مجلس الشورى الإسلامي العميد محمد باقر قاليباف، بعض التفاصيل حول هذه المعادلة الاستراتيجية ودورها في إيقاف العدوان على لبنان، حيث قال:
_أحد بنود شروطنا العشرة كان أن يشمل وقف إطلاق النار حزب الله أيضًا.
_منذ سنوات طويلة يخوض حزب الله حربًا مع الكيان الصهيوني، لكن الحرب الأخيرة خاضها حزب الله دعمًا للجمهورية الإسلامية، وقد جاء محور المقاومة لمساندة إيران، لذلك كان يجب أن يشمل وقف إطلاق النار أيضًا حزب الله، وكان ذلك من شروط إيران لوقف إطلاق النار في المنطقة.
_تغريدة رئيس وزراء باكستان عندما دعا إلى وقف إطلاق النار أكدت أن لبنان مشمول أيضًا بهذا الاتفاق. وعندما توجهنا إلى باكستان تم الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان، لكنه لم يُنفذ بشكل صحيح. كما أنني في تغريدة نشرتها قلت إن الولايات المتحدة ملزمة بإكمال وتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وكانوا هم أيضًا يطلبون منا أنه إذا تحقق وقف إطلاق النار في لبنان أن يتم تطبيع حركة المرور في مضيق هرمز.
_أؤكد أننا دائمًا كنا نسعى إلى عودة حركة المرور في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي، ونحن ما زلنا كذلك. وإذا كان هناك توقف حالي، فهو بسبب عدم تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل في لبنان.
تفاصيل جديدة حول مشروع قانون إدارة مضيق هرمز
وكشف رئيس لجنة الإعمار في مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية في إيران، تفاصيل جديدة لمشروع قانون إدارة مضيق هرمز، الذي من المفترض مناقشته خلال الفترة المقبلة داخل المجلس. وهي تفاصيل تشير بوضوح الى البعد الإقليمي لإدارة المضيق مستقبلاً:
1)يُمنع منعاً باتاً مرور أي نوع من السفن أو الشحنات المملوكة أو المرتبطة بالكيان الصهيوني الزائف عبر مضيق هرمز.
2)يُحظر مرور سفن الدول المعادية بناءً على تشخيص المجلس الأعلى للأمن القومي.
3)يُمنع مرور السفن أو الشحنات التابعة للدول التي تقوم بأعمال عدائية ضد جبهة المقاومة.
4)يُسمح لبقية السفن بالمرور بشرط الحصول على ترخيص ودفع رسوم “التوجيه والمراقبة وتأمين الحماية”.
5)يتم دفع كافة الرسوم بالعملة الوطنية الإيرانية الريال.
6)أي دولة شاركت بأي شكل من الأشكال في “الحرب المفروضة”، لن يُسمح لها بالمرور إلا بعد دفع تعويضات عن الخسائر والأضرار التي لحقت بإيران.
7)كل دولة أو شخص حقيقي أو اعتباري يفرض عقوبات أحادية الجانب ضد إيران، أو يقوم بأي إجراء عدائي، سيشمل بقرار حظر المرور من مضيق هرمز.
8)يُحظر مرور أساطيل الدول التي تستخدم مسميات مزيفة بدلاً من اسم “الخليج الفارسي” في وثائقها أو تصريحاتها الرسمية.
9)ستُخصص الموارد المالية الحاصلة من هذه الرسوم لثلاثة مجالات: تعزيز القدرة الدفاعية ومعيشة القوات المسلحة، إعادة إعمار وتطوير البنية التحتية للبلاد، وتأمين معيشة المواطنين.
10)يؤدي عدم الالتزام بهذه القوانين إلى توقيف السفينة المخالفة، وفرض غرامة مالية، ومصادرة 20% من قيمة شحنتها.
أمن لبنان جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الاستراتيجي الشامل
لذلك، فإن ما تكشفه هذه المعطيات، يؤسس لتحوّل بنيوي جيواستراتيجي، في شكل النظام الإقليمي وقواعده الحاكمة. فقد بات واضحًا أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحوّل إلى مركز ثقل في معادلة الردع، تُدار من خلاله توازنات القوة، وتُربط به ساحات الصراع مع أمريكا والكيان المؤقت، من الخليج إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، يبرز لبنان بوصفه حلقة مفصلية في هذه المعادلة الجديدة، حيث لم يعد أمنه شأنًا داخليًا أو حتى إقليميًا محدودًا، بل جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الاستراتيجي الأشمل. إن تثبيت هذا الترابط بين وقف إطلاق النار في لبنان واستقرار الملاحة في مضيق هرمز يعني عمليًا انتقال محور المقاومة إلى مرحلة متقدمة من توحيد الساحات، بحيث يصبح أي تصعيد في نقطة ما تهديدًا مباشرًا لبنية الاستقرار في كامل الإقليم.
الخنادق