محور الجهاد والمقاومة : معادلة ردع جديدة تفكك الوهم الصهيوني
الحقيقة/ صادق البهكلي
المقدمة:
لم يكن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان محاولة يائسة من قبل “الكيان الإسرائيلي” لكسر إرادة المقاومة وإعادة فرض معادلة “الفعل من طرف واحد”. لقد راهن العدو على أن الصمت الإيراني السابق هو علامة ضعف، متناسياً أن “الصبر الاستراتيجي” ليس خوفاً، بل هو اختيار تكتيكي لحساب التوقيت الأنسب للرد.
إلا أن التطورات الأخيرة أثبتت خطأ هذا الحساب بشكل فادح. إن الرد الإيراني الحاسم، والذي جاء في موجتين متتاليتين، لم يكن مجرد “عقاب” على خرق السيادة، بل كان رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن قواعد الاشتباك قد تغيرت جذرياً. بالتوازي مع ذلك، جاء الإعلان النوعي للقوات المسلحة اليمنية (أنصار الله) لتنفيذ عملية في العمق المحتل وإغلاق باب المندب، ليضع المسمار الأخير في نعش نظرية “الحرب المنفصلة”، مؤكداً أن المعركة هي معركة مصير واحدة بجبهات متعددة.
الرد الإيراني: من “الصبر” إلى “الردع النشط” والمستمر
ما يميز الرد الإيراني الأخير، سواء الموجة الأولى أو الثانية، هو التحول النوعي في العقيدة العسكرية. لم يعد الرد مجرد رد فعل عاطفي أو سياسي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية “الردع النشط”.
- التزامن والدقة: الرد الإيراني لم يكن عشوائياً، بل استهدف نقاطاً حساسة تعكس قدرة استخباراتية وعسكرية عالية على اختراق منظومة الدفاع الجوي “القبة الحديدية” التي يفاخر بها العدو.
- استمرارية الرد: الإعلان عن رد ثانٍ أو استمرار الاستهداف يرسل رسالة مفادها أن إيران لا تكتفي بـ “لطم الخد” لمرة واحدة، بل هي مستعدة لحرب استنزاف طويلة الأمد إذا استمر العدو في تصعيده. هذا يكسر السردية الإسرائيلية التي تحاول تصوير الرد الإيراني كحدث منتهٍ يمكن احتواؤه.
- رسالة إلى واشنطن: الرد الإيراني كان موجهاً أيضاً لواشنطن، مفاده أن أي غطاء أمريكي للعدو الإسرائيلي سيكلف الولايات المتحدة مصالحها في المنطقة غالياً، وأن طهران تمتلك مفاتيح تصعيد لا يمكن لواشنطن السيطرة عليها.
البعد اليمني والمعادلة الجديدة
ربما يكون البعد الأكثر خطورة على الكيان الإسرائيلي في هذه المعادلة هو الدور اليمني. إن إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية نوعية في الأراضي المحتلة، بالتزامن مع الرد الإيراني وإغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، يمثل نقلة نوعية في مفهوم “وحدة الساحات”.
- إغلاق باب المندب: هذا الإجراء ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل هو خنق استراتيجي للاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد بشكل كبير على ميناء إيلات. هذا الإغلاق يثبت أن اليمن يمتلك القدرة على تحويل الصراع من كونه “أمنياً” للكيان إلى كونه “وجودياً” واقتصادياً.
- العمق الاستراتيجي: العملية في الأراضي المحتلة من قبل اليمن تثبت أن “وحدة الجبهات” ليست شعاراً إعلامياً، بل هي واقع عملياتي، العدو لم يعد يواجه جيشاً واحداً، بل هو يواجه شبكة مترابطة من القدرات النارية والاستخباراتية التي تحيط به من كل جهاته، هذا التكامل يجعل أي حسابات إسرائيلية للهجوم على لبنان أو إيران محفوفة بمخاطر غير محسوبة العواقب.
مأزق العدو الإسرائيلي …وهروب للأمام
تعيش حكومة الكيان المتطرفة حالة من التخبط الاستراتيجي، ويقف المجرم بنيامين نتنياهو في قلب هذا المأزق. يحاول نتنياهو يائساً جر المنطقة إلى صراع شامل لعدة أسباب:
- الهروب من الاستحقاقات الداخلية: يواجه نتنياهو ضغوطاً هائلة من عائلات الأسرى والمحتجين المطالبين بتنحيته بسبب فشله في تحقيق “أمن” وهمي وفشله في إعادة الأسرى. الحرب هي الوسيلة الوحيدة لديه لتأجيل التحقيقات وإسكات المعارضة.
- استغلال “ورقة ترامب”: يراهن نتنياهو على أن الإدارة الأمريكية القادمة (أو الضغوط الحالية) ستدعمه بشكل أعمى. هو يحاول استدراج ترامب إلى حرب إقليمية لضمان إرث “قوي” ولإرضاء اللوبي الصهيوني المتطرف آملاً أن يقدم ترامب على طبق من ذهب “الحل النهائي” للقضاء على القضية الفلسطينية ومحو المقاومة.
- وهم التفوق: لا يزال العقل الأمني الصهيوني يعيش في وهم أن التفوق التكنولوجي يمكن أن يعوض التفوق الاستراتيجي والأخلاقي للمقاومة، لكن الردود المتتالية أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي أمام الإرادة الصلبة.
الموقف الأمريكي.. بين العجز عن السيطرة والخوف من المجهول
تبدو الولايات المتحدة في موقف حرج للغاية. من ناحية، هي الشريك الاستراتيجي والأب الروحي للكيان الإسرائيلي، ومن ناحية أخرى، هي تدرك أن جر أمريكا إلى حرب مباشرة مع إيران سيعني كارثة استراتيجية قد تطيح بالهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بالكامل ولذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى:
- محاولة الاحتواء الفاشلة: تحاول واشنطن لعب دور “رجل الإطفاء”، لكنها في الواقع تزود الكيان الإسرائيلي بالمفجر. تصريحاتها حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” هي تشجيع مباشر على التصعيد، بينما تحذيراتها لإيران هي مجرد كلام إنشائي لا يردع طهران التي أثبتت فعلاً على الأرض.
- الخوف من الاقتصاد: إغلاق باب المندب بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز والضغوط على الملاحة العالمية تضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط من حلفائها الأوروبيين ومن قطاعات الأعمال الداخلية التي لا تريد ارتفاعاً جديداً في أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد.
لبنان في قلب المعادلة الردع
يحاول العدو الإسرائيلي، بدعم أمريكي، فصل الملف اللبناني عن المعادلة الإقليمية. تسعى تل أبيب إلى فرض واقع جديد يسمح لها بـ “حرية التحرك” في لبنان (قصف واستهداف) دون أن يجر ذلك إلى حرب شاملة، أو محاولة عزل لبنان عن أي اتفاق محتمل بين إيران وأمريكا لضمان بقاء لبنان ساحة مفتوحة للاغتيالات والقصف، في مقابل الموقف الإيراني الرافض حيث ترفض إيران بشدة هذا الطرح. بالنسبة لطهران، الأمن في لبنان جزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي. أي اتفاق لا يضمن وقف العدوان على لبنان واحترام سيادته هو اتفاق مرفوض، إيران تقول بوضوح: لا يمكن توقيع اتفاقية مع أمريكا بينما يستمر العدو الإسرائيلي في استهداف عمق لبنان.
- معادلة الردع الجديدة: لقد أثبتت المقاومة أن أي اعتداء على الضاحية أو الجنوب سيقابل برد لا يحتمل الخطأ. هذه المعادلة الجديدة تجعل محاولة إسرائيل لـ “تطبيع” أمنها عبر القصف المستمر أمراً مستحيلاً و هذا ما حدث بالفعل فقد قصفت إيران قواعد الكيان بعد قصف رمزي للضاحية الجنوبية لبيروت..
الموقف العربي والسلطات اللبنانية.. بين الحرج والفرصة
في هذا المأزق الذي تعيشها الإدارة الأمريكية و عودة حزب الله بمفاجئات صادمة للعدو الإسرائيلي بعد حديث سابق عن إنهاء الحزب و العمل على سحب السلاح الذي بحوزته وتشكيل الكيان ما يسميه الخط الأصفر في جنوب لبنان تلجأ أمريكا لتفعيل أدواتها في لبنان الممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء اللبناني الرافضين لتضمين وقف الأعتداء على لبنان ضمن الاتفاق الإيراني الأمريكي بحجة أن ذلك حق سيادي لبناني لكن في الوقت نفسه هم عاجزين عن الجام الكيان الصهيوني لوقف عدوانه المستمر على لبنان خصوصا في الجنوب وبذلك تجد هذه الحكومة نفسها في موقف دقيق، من ناحية، هناك ضغوط دولية لـ “ضبط” المقاومة، ومن ناحية أخرى، هناك إدراك شعبي ورسمي متزايد أن المقاومة هي الضامن الوحيد لسيادة لبنان وكرامته، وكان من المفترض أن يكون التحرك اللبناني يجب أن يكون مدعوماً بـ “الظهر المقاوم”، حيث أن أي محاولة للتفريط بحق لبنان في الرد على الاعتداءات ستواجه برفض شعبي عارم. الموقف الوطني الصحيح هو التمسك بحق لبنان في الدفاع عن نفسه، وهو ما يتحقق فعلياً عبر التكامل مع المقاومة، وليس عبر الرضوخ للمطالب الأمريكية بتجريده من وسائل الردع و فيما يخص الموقف العربي العام فهو لا يزال يتسم بالتردد والخوف من رد الفعل الأمريكي. ومع ذلك، فإن الحراك الشعبي في العواصم العربية يدعم بشكل كاسح خطوات المقاومة، مما يضع الأنظمة العربية في حرج شديد إذا استمرت في الصمت أمام العدوان على بيروت والضاحية التي تعتبر عمقاً استراتيجياً للأمة.
الخلاصة: المعادلة الجديدة ومستقبل الصراع
إن التطورات الأخيرة ترسم ملامح “معادلة جديدة” في الشرق الأوسط:
- نهاية عصر الإفلات من العقاب: لم يعد بإمكان إسرائيل استهداف عمق لبنان أو إيران دون دفع ثمن باهظ ومباشر.
- وحدة الساحات كواقع: التنسيق بين طهران وبيروت وصنعاء أصبح عضويًا وفعالاً، مما يجعل أي حرب على جبهة واحدة مستحيلة دون اندلاع النار في كل الجبهات.
- فشل الرهان على ترامب: حتى مع وجود إدارة أمريكية قد تكون أكثر تعاطفاً مع اليمين الصهيوني المتطرف، فإن الحقائق على الأرض (صواريخ دقيقة، إغلاق مضايق، قدرات نووية كامنة) ستفرض على أي رئيس أمريكي سياسة احتواء وليس سياسة تفويض مفتوح للحرب.
- صمود لبنان: لبنان، بفضل مقاومته، أثبت أنه ليس “ساحة سهلة”. أي محاولة لاجتياح أو قصف شامل ستقابل بتحول المعركة إلى حرب وجودية للكيان الإسرائيلي نفسه.
التوصية الختامية:
يجب على محور الجهاد و المقاومة الاستمرار في سياسة “التصعيد المدروس” التي تجمع بين الضرب الموجع والحفاظ على زمام المبادرة السياسية. إن دمج الضربة اليمنية في العمق المحتل مع الرد الإيراني هو النموذج الأمثل للمستقبل، حيث يجعل العدو في حالة شلل دائم، لا يستطيع فيها التمييز بين مصدر الخطر الرئيسي، مما يضمن حماية الضاحية وبيروت وكل أراضي المقاومة.