إذا هدد شمخاني بضرب إسرائيل فاستمعوا إليه

إذا هدد شمخاني بضرب إسرائيل فاستمعوا إليه.. إيران حسمت أمرها وربما لن تبدأ الحرب ولكنها هي التي ستنهيها.. وترامب يلجأ للوسيط التركي للبحث عن مخرج.. فهل يجده عند أردوغان وكيف؟

عبد الباري عطوان

كل هذا التحشيد العسكري الأمريكي لتوجيه ضربة عسكرية قوية لإيران يأتي في إطار “الحرب النفسية” لإرهابها والضغط عليها للعودة إلى مائدة المفاوضات استسلاما ورضوخا للشروط الامريكية، وأبرزها التخلي عن منظوماتها الصاروخية المتطورة، ووقف كل عمليات تخصيب اليورانيوم بشكل نهائي، ولكن هذا الابتزاز، وهذه الحرب النفسية لم ولن تعطي النتائج المطلوبة.

إرسال الرئيس ترامب حاملات الطائرات مصحوبة بالبوارج تكتيك عسكري لإرهاب الأعداء عفى عليه الزمن، ولم يعد مفيدا ضد قوى اقليمية عظمى مثل إيران خطت خطوات طويلة على طريق الاكتفاء العسكري الذاتي وتطوير صناعات صاروخية ومسيّرات دفاعية وهجومية متطورة، علاوة على غواصات، الصمود 45 عاما في مواجهة العقوبات، وأكثر من ثلاث محاولات لتغيير النظام.

من المؤكد ان إيران لا تريد حربا، ولكنها سترد قطعا بكل ما تملك من إمكانيات عسكرية، وهي كثيرة، على أي عدوان أمريكي إسرائيلي يستهدفها، فالسلاح الاقوى الذي يملكه الإيرانيون هو النفس الطويل والقدرة على خوض حرب شاملة، وطويلة الأمد، الامر الذي يتعارض كليا مع العقيدة الأمريكية الجديدة التي يمكن اختصارها في ثلاث كلمات “سريعة.. قصيرة.. نظيفة”، والنظافة هنا تعني تجنب أي خسائر بشرية أو مادية.

بينما كان الرئيس ترامب يصعّد ضغوطه وتهديداته لإيران لحثها على القبول بالعودة إلى المفاوضات، مؤكدا اكثر من مرة أن الوقت لتوجيه الضربة ينفد وساعة الصفر باتت وشيكة، يخرج علينا اللواء امير حاتمي القائد العام للجيش الإيراني بتصريح، وهو المقل جدا في التصريحات، يؤكد إلحاق أكثر من الف مسيّرة جديدة بسلاح القوى الجوية، لمهاجمة اهداف برية وبحرية أمريكية، ثابتة او متحركة، بما في ذلك حاملات الطائرات والبوارج البحرية.

لكن التصريح الأهم والأخطر في رأينا أطلقه الجنرال علي شمخاني (عربي سني) المستشار المقرب للإمام السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وقال فيه “إن الرد الإيراني على أي عدوان أمريكي، سواء كان موسعا او بضربة محدودة، سيكون بقصف تل أبيب الكبرى، لأنه يعني بداية الحرب الشاملة”.

نقول إن هذا التصريح خطير لأنه جاء بإيعاز السيد خامئني، ويمثل استراتيجية إيرانية جرى الاتفاق على تفاصيلها في إطار اجتماعات للنخبة الحاكمة ومؤسساتها الروحية والسياسية والعسكرية والتشريعية، طوال الأسابيع الماضية وعلى أعلى المستويات.

إيران لن تتصدى لهذا العدوان الإسرائيلي وحيدة، بل ستحظى بدعم حلفائها في المنطقة، بالإضافة إلى الشرفاء في العالمين العربي والإسلامي، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

أولا: اعلن الشيخ نعيم قاسم أمين عام “حزب الله” ان المقاومة الإسلامية لن تكون محايدة في حال أي عدوان أمريكي، وستقف في خندق إيران، والولي الفقيه، ولمحّ السيد نواف الموسوي أحد أبرز قادة الحزب إلى انه لا يستبعد مطلقا المشاركة بالحرب عندما أجاب عما اذا كان الحزب سيشارك مباشرة في الحرب “عندما سنصل إلى هذا الجسر سنقرر”.

ثانيا: أصدرت حركة “انصار الله” اليمنية التي قصفت دولة الاحتلال ومدنها الرئيسية المحتلة مثل يافا وحيفا وتل أبيب وبير السبع وام الرشراش (ايلات) تضامنا مع المجاهدين في قطاع غزة والضفة، أصدرت بيانا أكدت فيه أن قواتها وصواريخها لن تسمح باقتراب أي حاملات طائرات او بوارج من مياه البحرين الأحمر والعربي.

ثالثا: أعلن تنظيمان جهاديان عراقيان من أبرز أذرعه الحشد الشعبي العراقي خوض الحرب للتصدي لأي عدوان أمريكي إسرائيلي، والوقوف في خندق إيران في مواجهته، والأول جاء من قبل كتائب “حزب الله” في العراق التي دعت إلى الاستعداد لحرب شاملة إلى جانب إيران التي وقفت طوال الأربعة عقود الماضية إلى جانب المستضعفين، وانتصرت لقضايا الامة، دون تمييز مذهبي او عرقي، حسب بيانها الرسمي، اما السيد اكرم الكعبي امين عام حركة “النجباء” فقد أعلن ان “شعب العراق لن يقف متفرجا في أي حرب تشنها أمريكا على إيران”.

أمريكا ستبدأ هذه الحرب لمصلحة ونيابة عن “إسرائيل” المذعورة والمرعوبة من القدرات العسكرية الإيرانية، وصواريخ “حزب الله” وحركة “انصار الله”، والامر نفسه ينطبق على  العديد من الدول العربية التي ستدفع ثمنها من أمنها واستقرارها وبناها التحتية، ونحن نتحدث هنا عن تلك الدول الي تتواجد فيها قواعد أمريكية التي ستكون هدفا مؤكدا للرد الإيراني، مثل البحرين وقطر والامارات والأردن والكويت، وقد احسنت المملكة العربية السعودية صنعا عندما أعلنت، وبكل وضوح، انها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام أجوائها او أراضيها في أي عدوان على إيران، ومن المؤسف ان العديد من الدول الأخرى المذكورة آنفا، لم تتخذ موقفا مماثلا، والتزمت الصمت، ربما لأنها لا تملك القرار لمنع الطائرات من الانطلاق من القواعد فيها نحو إيران.

ما زلنا لا نستبعد ان يتراجع الرئيس ترامب عن تهديداته في اللحظة الأخيرة، ليس لأنه “جبان” فقط، وانما خوفا من النتائج، وربما يأتي هذا التراجع بطلب مباشر من “إسرائيل” التي استجدته لتأجيل الضربة قبل أسبوعين خوفا من الدمار الضخم، بشريا وماديا، من جراء الرد الإيراني الحتمي المتوقع.

ترامب يجلس الآن بجانب الهاتف انتظارا لمكالمة هاتفية سواء من إيران، او الوسطاء الجدد، وآخرهم تركيا أردوغان، تقول: إن إيران قبلت بالمفاوضات، ولكن بشروطها، والخطوة الأولى التجاوب لطلبها بوقف التهديدات، وإصدار امر لحاملات الطائرات ولبوارجها بالعودة إلى الأماكن التي قدمت منها.

القوات المسلحة الإيرانية ليس أمامها أي خيار غير خوض هذه الحرب، ولكنها هي التي ستقرر نهايتها، لأنها ليست في أضعف أوقاتها مثلما يدعي ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، وانما لأنها في رأي الكثير من المحللين في أقوى أوقاتها، خاصة بعد ان قضت على الاحتجاجات التي حرضت عليها أمريكا وإسرائيل عبر جيش من عملائها، كما صمدت في حرب الـ 12 يوما، فثمن الاستسلام أكبر كثيرا جدا من ثمن الصمود والقتال دفاعا عن الكرامة والسيادة، والشجاع يستشهد مرة واحدة، اما الجبان فيموت مئة مرة.. والأيام بيننا.

قد يعجبك ايضا