استشهاد الإمام علي (عليه السلام) أول نكبات الأمة وعلامةُ الانحراف التاريخي

يمثل الإمام علي عليه السلام الرجل الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من حيث موقعه الإيماني والمعرفي ومكانته ودوره في الإسلام وعلاقته بالأمة وهذا ما يؤكده حديث رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)) أو من حيث تعلقانا به كقائد وقدوة لذلك تعتبر فاجعة استشهاده أكبر نكبات الأمة على الاطلاق، وخسارة رهيبة في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخها؛ حيث استغل أعداء الأمة الفراغ الكبير بعد رحيل الإمام علي-عليه السلام- فكانت النتيجة كارثية في واقع الأمة، انتشر الضلال، وعمَّ الظلم والجور والملك العضوض.

أهمية الإمام علي عليه السلام في واقع الأمة

تتلخص أهمية الإمام علي عليه السلام في جانبين مهمين ورئيسيين:

الأول: أنه يقدم النموذج الأصيل والحقيقي والسليم الذي لا تشوبه شائبة عن الإسلام، وعن الشخصية المسلمة ، والذي يتطابق حتماً مع المعايير والمواصفات القرآنية، فهو جسَّد قيم الإسلام ومبادئه، وحمل روحية هذا الدين وأثره في فكره، وفي وعيه، وفي ثقافته، وفي مبادئه، وفي أخلاقه، وفي سلوكه، وفي أعماله، وفي مواقفه؛ فكان بحقٍ قرآناً ناطقاً، وإيماناً متجسداً يمشي على الأرض، وهذا من أهم ما نحتاج إليه في واقعنا كأمةٍ مسلمة خاصة وقد أضحى لهذه الأمة ارتباطات بكثير من الرموز والشخصيات التي تقدَّم على أنها تمثَّل الإسلام، فيما الكثير منها شخصيات مزيفة، وتشوبها شوائب كثيرة، وهذا يترك تأثيراً سيئاً على الناس في ارتباطهم بمثل هذا النوع من القدوات؛ فينعكس ذلك سلباً فيما يأخذونه عنها من الشوائب المحسوبة على أنها من لُبِّ الإسلام ومن جوهر الإيمان، ثم تقدم على أنها من القيم الأساسية للإسلام؛ فيعظم الالتباس، ويحصل الخلل.

الجانب الثاني: أنه يمثل حلقة الوصل والامتداد الأصيل بالرسول -صلوات الله عليه وعلى آله-: لأنه ما بعد رسول الله كثر المتكلمون باسم الدين ممن لم تتوافق أقوالهم مع القرآن الكريم ولم تتطابق فيما بينهم، مما عمق الفرقة والاختلاف في الدين بين أوساط الأمة، وهنا كان لا بد من معالم للحق، فكان أول هذه المعالم: هو الإمام علي عليه السلام، وهذا ما ركز الرسول صلى الله عليه وعلى آله على توضيحه للأمة، كقوله (عليٌ مع القرآن، والقرآن مع علي)، لأنه يعلم أن الأمة ستختلف على تأويله، على مفاهيمه، على معانيه، على مصاديق آياته، ولذلك أكد على هذا التلازم وهذا الاقتران بين الإمام علي وبين القرآن ليقول للناس أن الإمام علي وحده هو الذي يمتلك تقديم الحق، لأنه وحده من يعرفه حق معرفته سواء على مستوى العقائد، والتشريع، أو على مستوى التفاصيل والمفاهيم، أو على مستوى المواقف فعلي هو الباب الذي نأتي منه، وهو حلقة الوصل الذي تربطنا بالحق بشكلٍ موثوقٍ ونقيٍ، بدون أي شائبة فهو بوابة الهدى (أنا مدينة العلم، وعليٌ بابها).

الإمام علي قسيم النار والجنة

الإمام علي عليه السلام بحبه بتولية باتباعه بالاقتداء والتأسي به هو علامة فارقة بين المؤمن الملخص لربه ونبيه ودينه الذي يسعى لنيل رضى الله سبحانه وتعالى فحسب وبين المنافق الظلوم الذي يتخذ من الدين مركبا لمآرب أخرى فالأول يحب الإمام علي ويتبعه لأنه يرى فيه النموذج الراقي والنقي للمؤمن المتقي والثاني يبغضه لأنه يرى في الإمام علي وما يمثله ويجسده من قيم الدين حائلا وسدا منيعا بينه وبين رغباته وأهوائه فهو ينظر له من منظار العداوة ولذلك قال له رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)؛ وهذه من أهم العلامات الفارقة في واقع الأمة سابقا ولاحقا وإلى أن تقوم الساعة سيبقى حب الإمام علي عليه السلام إيمانا وبغضه نفاقا.

الإمام علي مفتاح الولاء لله ورسوله

(أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فهذا عليٌ مولاه، اللهم والِّ من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، هذا الحديث المتواتر الصحيح المشهور عند جميع المسلمين يؤكد بما لاريب فيه على أنه لامنذ على الإطلاق إلى التولي لله ورسوله إلا من خلال هذا الباب فكما أن الإمام علي عليه السلام باب مدينة علم الرسول فهو كذلك باب التولي لرسول الله ليصح توليك لله وهذا ليس إعجاباً شخصياً بالإمام علي من قبل رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- الذي قال الله سبحانه وتعالى  عنه : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[النجم: 3-4]، وإنما لحقيقة ماعليه الإمام علي من كما إيماني ومنزلة رفيعة عند الله المسألة هي في غاية الأهمية.

ما يجب أن نرسخه من خلال هذه الذكرى

ما يجب أن نرسخه وأن نركز عليه؛ في هذه الذكرى هو ترسيخ الولاء والمحبة للإمام علي عليه السلام في أنفسنا، في واقعنا، في علاقتنا الإيمانية، وأيضاً في أبنائنا وفي مجتمعاتنا، وذلك من خلال العناية بتعليم جيلنا ومجتمعنا ما قاله الرسول -صلوات الله عليه وعلى آله وسلم- عن الإمام علي، وتعريفهم بسيرة الإمام علي دون الاكتراث للإرهاب الثقافي الذي يأتي من مبغضي الإمام علي والذين يكفيهم سوءاً أن بغضهم له، وعداوتهم له، واستياءهم منه، وعدم ارتياحهم للإمام علي شاهد على نفاقهم، وعلى خذلانهم، وعلى انحرافهم.

الله اصطفى القيادة والرسول هيئ الساحة

المنهج والقيادة شرطان أساسيان متلازمان لصلاح الأمة وفلاحها وقد تكفل الله -سبحانه وتعالى- بهذين الشرطين فأنزل المنهج (القرآن الكريم) وحفظه واصطفى القيادة وأهلها على مستوى عال جدا من الرقي والكمال ودفع الأمة نحوها مبينا لها مؤهلات هذه القيادة وفي مقدمتها الرحمة بها، والصلة الوثيقة بالله -سبحانه وتعالى- وشدة الخوف منه، والقدرة الفائقة على الصبر والتحمل، والتأكيد على أنها قيادة تدلك على الحق، وتوصلك إلى الجنة، وكلها شروط أساسية في القيادة الربانية الحقيقية قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً *  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً *  إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً *  وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) [الإنسان آية12] كما أن الرسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله- ربى الأمة ووضع لها منهجية بالشكل الذي تخلق في أوساطها ساحة للعظماء بعد أن طهر عاصمة دولة الإسلام من فساد اليهود ورجسهم وكبل أيدي المنافقين بالمستوى الذي صاروا لا يمثلون أية خطورة على الإسلام وقطع دابر الشرك من الجزيرة العربية وأحدث نقلة نوعية بالأمة فبناها بنية جهادية قوية كانت كفيلة بإزاحة ظلام الشرك وضلالة الفساد عن كاهل الأرض لو التزمت الأمة بأمر ربها وتوجيهات نبيها بكلها لكن القوم سقط في أيديهم فغلبت عليهم شهوة السلطة وران على قلوبهم طمع التسلط فأدارت ظهرها عما فيه خيرها وصلاحها وعزتها واتجهت رغبة ورهبة نحو الانقلابيين كما هو شأنها اليوم وفي سقيفة بني ساعدة ولدت مأساة الأمة ليكون استشهاد القرآن الناطق هو علامة الضلال والانحراف.   

قد يعجبك ايضا