استنزاف النار والتكنولوجيا: كيف أعادت المقاومة اللبنانية تشكيل معادلات المواجهة مع جيش الكيان الصهيوني

ـ العمليات الهجومية للمقاومة اللبنانية ضد جيش العدو: تكتيكات الاستنزاف وكسر التفوق الناري
ـ من مرابض المدفعية إلى أسراب المسيّرات: الاستراتيجية الهجومية للمقاومة في كسر التفوق الإسرائيلي جنوب لبنان

الحقيقة ـ جميل الحاج

تشهد جبهة جنوب لبنان تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على ردود فعل محدودة أو اشتباكات حدودية تقليدية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية هجومية متكاملة تستهدف مراكز الثقل العملياتي للعدو، وفي مقدمتها المدفعية، التجمعات العسكرية، الآليات المدرعة، ومنظومات الإسناد الميداني.

هذا التحول يعكس انتقال المقاومة إلى نمط “الاستنزاف الذكي” الذي يجمع بين الضربات الدقيقة، الابتكار التكنولوجي، وتكتيكات السيطرة المرنة، بما يهدف إلى تقويض التفوق العسكري الإسرائيلي وتحويل وجوده في المناطق الحدودية إلى عبء استراتيجي متصاعد الكلفة.

 استهداف المدفعية الإسرائيلية.. ضرب العمود الفقري للإسناد الناري

تُعد المدفعية الإسرائيلية عنصرًا حاسمًا في العقيدة القتالية البرية للعدو، إذ تعتمد عليها قوات المشاة والمدرعات في التمهيد الناري، توفير الغطاء، وشل دفاعات الخصم قبل أي تقدم بري. ومن هنا، فإن تركيز المقاومة على مرابض المدفعية يمثل استهدافًا مباشرًا لأحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية.

الأهداف العسكرية لهذا النهج:

1 ـ تحييد القوة النارية المساندة:

استهداف مرابض المدفعية يحد من قدرة جيش الاحتلال على توفير غطاء ناري كثيف، ويجبر وحداته البرية على التحرك دون حماية كافية.

2 ـ القصف المضاد وفق معادلة الردع:

تعتمد المقاومة على “المعاملة بالمثل”، بحيث يأتي استهداف مصادر النيران الإسرائيلية ردًا مباشرًا على الاعتداءات ضد القرى والمدنيين اللبنانيين.

3 ـ إنهاك القوات البرية:

عندما تُحرم المدرعات والمشاة من الإسناد المدفعي، تصبح أكثر عرضة لكمائن المقاومة في التضاريس الوعرة، حيث تتراجع فعالية التكنولوجيا الثقيلة.

4ـ إعادة التموضع القسري:

الهجمات الدقيقة تجبر الجيش الإسرائيلي على تفكيك تمركزاته، توزيع بطارياته، وزيادة تدابير الحماية، ما يرفع الكلفة اللوجستية والعملياتية.

 الوسائل العسكرية للمقاومة.. من الصواريخ إلى “أسراب المسيّرات”

أظهرت المواجهة الحالية تطورًا لافتًا في أدوات المقاومة اللبنانية، التي لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ أو القذائف التقليدية، بل أدخلت منظومات هجومية مبتكرة غيّرت قواعد الاشتباك.

أبرز الوسائل المستخدمة:

1ـ المحلقات الانقضاضية (الدرون الانتحاري)

أصبحت هذه الوسيلة أحد أكثر الأسلحة تأثيرًا، نظرًا لقدرتها على:

إصابة الأهداف بدقة عالية

تجاوز التحصينات التقليدية

ضرب الدبابات والآليات من نقاط ضعفها

تقليل المخاطر على المقاتلين

وقد أثبتت فعاليتها في استهداف دبابات “ميركافا” وآليات “هامر”، رغم اعتماد العدو على منظومات دفاعية متطورة.

2ـ تكتيك أسراب المسيّرات

يمثل هذا الأسلوب نقلة عملياتية متقدمة، حيث تُطلق عدة مسيّرات بشكل متزامن لإرباك الدفاعات الجوية للعدو الإسرائيلي، تشتيت الرصد، وضمان وصول بعضها إلى أهدافها.

هذا التكتيك:

يرهق أنظمة الاعتراض

يخلق تشبعًا دفاعيًا

يزيد من احتمالات الإصابة المؤكدة

3 ـ نظام “المحلقة المزدوجة”

من أبرز الابتكارات الحديثة، حيث تُستخدم:

محلقة هجومية للتدمير

محلقة استطلاعية للتوجيه والتوثيق اللحظي

هذا الدمج بين الضرب والتوثيق يمنح المقاومة:

دقة أكبر

تقييمًا مباشرًا للأضرار

تطويرًا مستمرًا للتكتيكات

كسر أسطورة التحصين الإسرائيلي

أحد أهم التحولات هو نجاح المقاومة في اختراق منظومات الحماية الإسرائيلية، بما فيها:

السواتر الشبكية

التحصينات الترابية

منظومة “التروفي” على دبابات ميركافا

فقد صُممت “التروفي” أساسًا للتعامل مع الصواريخ والقذائف المباشرة، لكنها أظهرت قصورًا واضحًا أمام هجمات المحلقات الانقضاضية ذات المسارات غير التقليدية.

“الفخ الاستراتيجي”.. من الصياد إلى الفريسة

مع تصاعد عمليات الاستنزاف للعدو، بدأت الأوساط الإسرائيلية نفسها تتحدث عن “فخ استراتيجي” في جنوب لبنان، يتمثل في معادلة معقدة:

خيار الانسحاب:

اعتراف بالعجز

ضربة لهيبة الردع

تكرار مشهد الانسحاب عام 2000

خيار البقاء والتصعيد:

مزيد من الخسائر

استنزاف بشري ومادي

ضغط داخلي متصاعد

احتمالية توسع الحرب

وبذلك يتحول الوجود العسكري الإسرائيلي إلى عبء أمني وسياسي بدلًا من كونه ورقة قوة.

تفوق “العقل المبتكر” على التفوق التكنولوجي

تكشف المواجهة أن المقاومة اللبنانية انتقلت من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى مرحلة تطويرها وتطويعها محليًا.

فبينما تعتمد الجيوش النظامية غالبًا على شراء الأنظمة الجاهزة، نجحت المقاومة في:

دمج تقنيات متوفرة

تعديلها ميدانيًا

تطوير حلول هجومية منخفضة الكلفة وعالية التأثير

هذا النموذج يجعل الابتكار البشري عنصرًا حاسمًا في كسر الفجوة مع الجيوش الأكثر تسليحًا.

الأثر النفسي والسياسي

لا تقتصر نتائج هذه العمليات على الميدان، بل تمتد إلى:

داخل الكيان:

توسيع مناطق الإنذار

إرباك الجبهة الداخلية

زيادة الضغط على الحكومة

تراجع ثقة المستوطنين بالأمن

إقليميًا:

تعزيز صورة المقاومة كقوة ردع

فرض معادلات اشتباك جديدة

تقويض صورة الجيش الإسرائيلي كقوة لا تُقهر

سابعًا: مستقبل المواجهة

تشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد:

  1. استمرار حرب المسيّرات
  2. تصاعد الضربات الدقيقة ضد مراكز الثقل
  3. محاولات إسرائيلية لضرب سلاسل الإمداد
  4. احتمالات توسيع نطاق الرد

لكن الثابت أن مشروع “الحزام الأمني” الذي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرضه يتحول تدريجيًا إلى “حزام استنزاف” لقواته.

ختاما: تكشف العمليات الهجومية للمقاومة اللبنانية أن المعركة في جنوب لبنان لم تعد مجرد مواجهة حدودية، بل أصبحت ساحة لإعادة تعريف التوازن العسكري، فمن خلال استهداف المدفعية، توظيف المسيّرات الانقضاضية، اعتماد تكتيكات الأسراب، وابتكار أنظمة هجومية مزدوجة، نجحت المقاومة في تقليص فجوة القوة مع جيش متفوق تقنيًا، وفرضت عليه واقعًا ميدانيًا جديدًا عنوانه: الاستنزاف المستمر وكسر المبادرة.

لقد تحولت التكنولوجيا منخفضة الكلفة، حين تُدار بعقل تكتيكي مرن، إلى أداة استراتيجية قادرة على تحويل التفوق العسكري التقليدي إلى نقطة ضعف، وهو ما يجعل جنوب لبنان اليوم نموذجًا حيًا لحرب غير متماثلة تعيد رسم قواعد الصراع في المنطقة.

قد يعجبك ايضا