اعترافات العملاء تكشف المستور.. تجنيد متعدد الجنسيات وأدوات استخبارات لاختراق الجبهة اليمنية

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

في واحدة من أخطر القضايا الأمنية التي تكشف حجم الحرب الخفية على اليمن، أزاحت اعترافات عدد من عناصر شبكة تجسسية الستار عن بنية استخباراتية معقدة، أدارتها غرف عمليات مشتركة ضمت المخابرات السعودية والبريطانية والأمريكية، واستهدفت اختراق الجبهة الداخلية اليمنية، وجمع معلومات عسكرية وأمنية وسياسية حساسة، في سياق مشروع أوسع هدفه إضعاف اليمن وثنيه عن موقفه المساند لغزة ومعركة البحر الأحمر.

الاعترافات التي نشرتها وزارة الداخلية في صنعاء لا تقدم فقط تفاصيل عن أفراد تم تجنيدهم، بل تكشف عن أساليب استقطاب متعددة الجنسيات، وبرامج تشغيل استخباراتي عابر للحدود، وأدوات تقنية متطورة، استُخدمت لاختراق المجتمع والدولة من الداخل، عبر شبكة امتدت من عمّان إلى القاهرة والرياض، مرورًا بالمجالس الاجتماعية والعلاقات الشخصية داخل اليمن.

وتؤكد العملية الأمنية النوعية “ومكرُ أولئك هو يبور” أن الحرب على اليمن لم تعد مقتصرة على الغارات أو المواجهة العسكرية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على التجسس المنظم، والحرب الناعمة، ومحاولات تفكيك البنية الوطنية من الداخل.

 عملية “ومكرُ أولئك هو يبور”.. سقوط شبكة استخبارات متعددة الجنسيات

مثلت العملية الأمنية التي أعلنتها وزارة الداخلية نقطة تحول نوعية في مسار المواجهة الأمنية، بعدما نجحت في تفكيك شبكة تجسس مرتبطة بغرفة استخبارات مشتركة تعمل من الأراضي السعودية، وتضم تنسيقًا بين المخابرات السعودية والبريطانية والأمريكية، إلى جانب ارتباطات مباشرة بعناصر محلية وعسكرية.

هذا الإنجاز الأمني كشف أن اليمن كان يواجه مشروعًا استخباراتيًا متكاملًا، يركز على جمع الإحداثيات، وتحديد المنشآت الحيوية، ورصد القيادات، ومتابعة التطورات العسكرية في البحر الأحمر، بهدف توفير بنك أهداف مباشر للعدو.

 عبدا لرحمن عادل.. من مؤسسات مدنية إلى جاسوس مزروع داخل الجبهة

تبرز اعترافات عبد الرحمن عادل محسن باعتبارها واحدة من أخطر حلقات القضية، إذ تكشف كيف تم استقطابه منذ عام 2022 عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم نقله إلى الأردن للقاء ضابط سعودي يُدعى “فهد”، وضابط بريطاني يُدعى “ديفيد”، قبل أن يتوسع تشغيله لاحقًا عبر القاهرة وشخصيات أجنبية أخرى.

خضع عبد الرحمن لبرنامج تجنيد استخباراتي واضح المعالم، هدفه الأساسي زرعه داخل أوساط أنصار الله، مع تكليفه بجمع معلومات عن:

ـ البحرية اليمنية

ـ القوة الصاروخية

ـ ورش التصنيع العسكري

ـ القيادات العسكرية والسياسية

ـ العمليات البحرية في البحر الأحمر

كما حصل على معدات تجسس متطورة، بينها أجهزة تصوير وتسجيل مخفية، وسيارة مزودة بوسائل تعقب، واستخدم المجالس الاجتماعية والعلاقات الشخصية كأدوات رئيسية لجمع البيانات.

الأخطر أنه أقر برفع معلومات عن نحو 65 هدفًا، شملت مواقع حساسة وتفاصيل عن الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة.

عماد شايع.. الاختراق عبر الغطاء القبلي والإداري

تكشف اعترافات عماد شايع محمد عز الدين عن نموذج مختلف من الاختراق، حيث استُخدمت صفته الاجتماعية والإدارية كشيخ قبلي ومدير محلي للوصول إلى المعلومات.

تم ربطه بضباط سعوديين عبر وسطاء من قوات الساحل الغربي، وكُلّف برصد:

مقرات القيادة والسيطرة

تحركات القيادات

الاجتماعات الرسمية

القوة الصاروخية

الأوضاع الاقتصادية والسياسية

اعتمد عماد على بناء شبكات من الأشخاص “الموثوقين” واستغلال جلسات القات والعلاقات غير الرسمية لاستخلاص المعلومات، ما يكشف اعتماد الاستخبارات المعادية على البيئة الاجتماعية اليمنية كمساحة اختراق.

فاروق راجح.. خلية منظمة داخل الغطاء الاجتماعي

أما فاروق راجح، الضابط السابق، فقد كشف عن نموذج الخلايا المنظمة، حيث عمل ضمن فريق من سبعة عناصر، تحت إشراف مباشر من ضباط سعوديين، وبتمويل شهري كبير.

اعتمدت الخلية على:

حضور الأعراس والمجالس

النشاط التوعوي والاجتماعي كغطاء

رفع معلومات شبه يومية

رصد المطارات والتحركات العسكرية

نقل إحداثيات مخازن ومواقع عسكرية

وتكشف اعترافاته عن وجود برامج تشغيل احترافية، شملت هواتف سرية، وتطبيقات مخفية، وتقارير أسبوعية، وخططًا لتصعيد شخصيات معينة لتكون “رجال المرحلة” في سيناريوهات مستقبلية.

أساليب التجسس.. حرب ناعمة بأدوات بشرية وتقنية

أظهرت الاعترافات أن العدو اعتمد على ثلاثة مسارات رئيسية في جمع المعلومات:

1ـ الاختراق الاجتماعي

من خلال المجالس، والمناسبات، وجلسات القات، والعلاقات العامة.

2ـ الاختراق الوظيفي

بناء علاقات مع موظفين حكوميين أو أقاربهم للحصول على معلومات حساسة.

3  ـ التجنيد المباشر

استقطاب عناصر قادرة على الوصول إلى معلومات عسكرية أو أمنية أو سياسية، ثم تدريبها وتشغيلها بأجهزة متطورة.

أهداف استراتيجية تتجاوز التجسس التقليدي

لم يكن الهدف مجرد جمع معلومات، بل كان جزءًا من مشروع أوسع شمل:

ـ إضعاف الجبهة الداخلية

ـ استهداف المنشآت

ـ تعطيل معركة البحر الأحمر

ـ ثني اليمن عن إسناد غزة

ـ صناعة فوضى داخلية عبر الاختراق والتخريب

دلالات خطيرة.. الحرب الاستخباراتية على اليمن

تكشف هذه القضية أن الحرب على اليمن ليست عسكرية فقط، بل استخباراتية مركبة، تستخدم فيها قوى إقليمية ودولية أدوات التجنيد والاختراق الناعم.

كما تؤكد أن المعركة باتت تشمل المجتمع نفسه، ما يجعل الوعي الأمني الشعبي ضرورة وطنية، خصوصًا مع اعتماد العدو على العلاقات الاجتماعية والمجالس العامة كقنوات اختراق.

ختاما: تكشف اعترافات هذه الشبكة أن اليمن كان أمام واحدة من أخطر محاولات الاختراق الاستخباراتي المنظم، حيث تداخلت الأدوار السعودية والبريطانية والأمريكية في مشروع هدفه تقويض الداخل اليمني، وضرب قدراته العسكرية، والتأثير على موقفه الإقليمي في دعم غزة.

غير أن نجاح العملية الأمنية “ومكرُ أولئك هو يبور” في تفكيك هذه الشبكة يبرز حجم اليقظة الأمنية، ويؤكد أن معركة السيادة اليوم لم تعد تقتصر على مواجهة الطائرات والصواريخ، بل تمتد إلى مواجهة الجواسيس، والعملاء، والحرب الناعمة التي تستهدف العقول والمجتمعات قبل الجبهات.

إنها معركة وعي بقدر ما هي معركة أمن، ومعركة شعب بقدر ما هي معركة أجهزة.

قد يعجبك ايضا