الحرب على إيران تضع الصناعات العسكرية الأمريكية أمام اختبار حقيقي
تضع الحرب التي تخوضها إدارة دونالد ترامب ضد إيران قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية أمام اختبار معقد يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليمس جوهر موقع الولايات المتحدة كمورّد أول للسلاح في العالم. فالتداخل بين متطلبات العمليات القتالية الجارية والالتزامات التعاقدية مع الحلفاء يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين القدرة الإنتاجية والطلب المتراكم، وهو ما ينعكس تدريجياً على ثقة الشركاء الدوليين.
تشير التقديرات التي نشرتها صحيفة فورين بوليسي إلى أن وتيرة استهلاك الذخائر في الحرب فاقت الحسابات المسبقة، ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى إعادة توجيه الإمدادات المخصصة للتصدير نحو الجبهات النشطة. هذه الأولوية العسكرية الفورية أدت إلى تعطيل شحنات قائمة وتأجيل عقود تسليم، بما يشمل دولاً منخرطة سياسياً وعسكرياً في دعم واشنطن.
نظام المبيعات العسكرية الخارجية، الذي يُعد أحد أهم أدوات النفوذ الأمريكي، يقوم على مرونة قانونية تسمح بإعادة تخصيص الموارد وفق الأولويات الاستراتيجية. غير أن استخدام هذه المرونة في سياق حرب طويلة يضعف من قيمة العقود بوصفها ضمانة زمنية، ويحوّلها إلى التزام مشروط بالظروف. هذه النقطة تحديداً تثير قلق العواصم الأوروبية التي رفعت إنفاقها الدفاعي خلال السنوات الأخيرة واعتمدت بشكل واسع على التكنولوجيا الأمريكية.
تجربة إستونيا مثلاً تعكس هذا التحول. الدولة التي تخصص نسبة مرتفعة من ناتجها المحلي للدفاع وتتموضع ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي وجدت نفسها أمام تأجيل في استلام معدات كانت جزءاً من خططها لتعزيز الردع. الأمر لا يقتصر على حالة واحدة، إذ تواجه دول أخرى تأخيرات مماثلة، ما يضع خطط التحديث العسكري الأوروبي في حالة ارتباك.
في السياق نفسه، لجأت سويسرا إلى تجميد مدفوعات مرتبطة بأنظمة باتريوت نتيجة تأخر التسليم. هذه الخطوة تعكس تراجعاً في الثقة بقدرة المورد الأمريكي على الالتزام بالجداول الزمنية. كما أن سابقة تعليق شحنات إلى أوكرانيا ضمن أولويات مرحلية عززت الانطباع بأن الاعتبارات العملياتية الأمريكية قد تتقدم على أي التزام آخر.
التداعيات لا تقف عند حدود التأخير، إنما تمتد إلى إعادة تقييم أوسع لسلاسل التوريد الدفاعية. حيث تجد الدول الأوروبية، التي ضاعفت مشترياتها من السلاح الأمريكي خلال العقد الأخير، نفسها اليوم أمام سؤال يتعلق بمدى أمان الاعتماد الأحادي على واشنطن. هذا السؤال يفتح الباب أمام تسريع برامج التصنيع المحلي، وتوسيع الشراكات مع مزودين آخرين، سواء داخل أوروبا أو خارجها.
من زاوية أخرى، يضع هذا التحول الولايات المتحدة أمام تحد معقد. اذ أن استمرار الحرب بوتيرتها الحالية يعني استنزافاً إضافياً للمخزونات، ما يفرض ضغطاً متواصلاً على القدرة الإنتاجية. رفع الإنتاج يتطلب وقتاً واستثمارات وسلاسل توريد مستقرة، وهي عناصر لا تتوافر بالسرعة التي تتطلبها الحرب. في المقابل، أي تراجع في الالتزام تجاه الحلفاء ينعكس مباشرة على النفوذ السياسي والعسكري الذي راكمته واشنطن عبر عقود.
تاريخياً، استندت هيمنة الولايات المتحدة في سوق السلاح إلى مزيج من التفوق التكنولوجي والموثوقية في التسليم. العامل الثاني يواجه اليوم اختباراً فعلياً. الحلفاء لا يشككون في جودة السلاح الأمريكي، لكنهم يعيدون النظر في إمكانية الاعتماد عليه ضمن جداول زمنية دقيقة.
تكشف الحرب ضد إيران حدود القدرة الأمريكية على إدارة التزامات عسكرية وصناعية عالمية في آن واحد. هذا التحدي بات يرتبط بصورة الولايات المتحدة كشريك يمكن التعويل عليه في الظروف الحرجة. استمرار هذا المسار سيدفع مزيداً من الدول إلى تنويع مصادر التسليح، وهو تحول قد لا يظهر أثره الكامل على المدى القصير، لكنه يعيد رسم خريطة سوق السلاح العالمي ويقلّص تدريجياً هامش التفوق الأمريكي فيه.