السيد القائد في ذكرى شهيد القرآن استعادة الثقة بالله كمنطلق لتصحيح المسار ومواجهة التحديات

المشروع القرآني بين الاستضعاف والتمكين

في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، أكّد السيد عبد الملك أن هذه الذكرى ليست مجرد محطة استذكار، بل هي تعبير عن «مقام النصر الذي حقَّقه الله سبحانه وتعالى»، وأن الشهادة كانت ذات أثرٍ عظيم فيما تحقق من نصرٍ واسعٍ للمشروع القرآني المبارك. فمنذ انطلاقته الأولى، واجه هذا المشروع ظروفًا بالغة الصعوبة، وأجواءً من الاستضعاف والمعاناة، وتعرّض لكل أشكال الاستهداف، من القتل والحروب والسجون والحصار، إلى الحملات الإعلامية المضللة، مدعومة بإمكانات هائلة وسندٍ أمريكي وغربي، بهدف وأده في مراحله الأولى. غير أن كل أدوات القمع والحصار فشلت في تحقيق الهدف من قتل شهيد القرآن ؛ بينما فاز هو بأن تكون شهادته في سبيل الله مرتبطةً بأقدس وأسمى مشروع، فكان بحقٍّ شهيد القرآن، بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

لقد تحول الاستضعاف إلى عامل تراكمٍ وبناء، لا إلى نقطة انهيار، فنما المشروع وتعاظم وترسّخ، حتى غدا حاضرًا اليوم «بأقوى من أي مرحلةٍ مضت». وهكذا يتجلى المشروع القرآني بوصفه مصداقًا حيًا للوعد الإلهي، لا خطابًا نظريًا، وشاهدًا عمليًا على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، حيث تحوّلت الشهادة إلى منبع نصر، والاستضعاف إلى طريقٍ للتمكين.

إن ذكرى هذه الذكرى هي بمثابة “محطةٌ للاستلهام والاستفادة من المعالم البارزة في شخصية شهيد القرآن، في مقام الاقتداء، فهو بمشروعه، وأيضاً في المعالم الشخصية، المعالم البارزة لشخصيته، تجسَّدت المبادئ، والقيم، والأخلاق القرآنية، والروحية القرآنية في شخصيته، كما هي محتوى مشروعه القرآني المبارك، فكانت المبادئ القرآنية، والروحية القرآنية، والقيم القرآنية، والأخلاق القرآنية، كانت متجسِّدةً في شخصيته سيرةً وقولاً وفعلاً، وارتقى في كماله الإيماني ارتقاءً عظيماً، فهو من النماذج الراقية جداً، النادرة والتاريخية؛ ولـذلك في مقام الاقتداء، وفي مقام الاستلهام من شخصيته، وما تحلَّى به، وما تجسَّد في واقعه، نستفيد الكثير والكثير”

الثقة بالله أساس الموقف والمسيرة

في تناوله لأول العناوين البارزة في شخصية شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، ركّز السيد عبد الملك في كلمته على أن «الثقة بالله سبحانه وتعالى» تمثّل عنوانًا إيمانيًا في مقدِّمة الأسس التي نحن في أمسّ الحاجة إليها «بطبيعة ما نواجهه في ميدان المسؤولية، ومن تحديات، ومن مخاطر، ومن ضغوط». وقد كان هذا العنوان من أبرز ما تحلّى به شهيد القرآن، حيث «برز هذا العنوان كثيرًا في دروسه وفي محاضراته»، واعتبر أن ما وصلت إليه الأُمّة من «ضعفٍ، وشتاتٍ، ويأسٍ، وهزيمةٍ، وعجزٍ في مواجهة أعدائها» يعود في جوهره إلى «أزمة ثقة بالله سبحانه وتعالى». هذه الأزمة ـ كما أوضح ـ انعكست سلبًا على علاقة الأُمّة بالله، وعلى موقفها من هدى الله، ومن وعده ووعيده، وعلى مستوى مواقفها وحركتها العملية. وفي مقابل ذلك، جسّد شهيد القرآن نموذجًا مختلفًا، إذ «تحرّك من نقطة الصفر، في منتهى ظروف الاستضعاف»، دون سندٍ عسكري أو غطاءٍ سياسي أو دعمٍ مادي، لكن «كانت ثقته بالله كبيرة، كبيرة جدًا، وأمله في الله عظيم». وقد استندت هذه الثقة الواعية إلى الإيمان الصريح بوعد الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، و﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، و﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، مؤكّدًا أن الإشكال ليس في الوعد الإلهي، بل في «ضعف الثقة بالوعد الإلهي». وهكذا، تجلّت الثقة بالله في موقفه، وثباته، ومنهجه، وحركته العملية، حتى لقي الله وهو يحمل هذه الثقة العظيمة، لتغدو سمةً مركزيةً في شخصيته، وأساسًا في مشروعه القرآني ومسيرته الجهادية.

التقوى والشعور العالي بالمسؤولية

ومن المعالم البارزة في شخصية شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، كما أكّد السيد عبد الملك، عنوان التقوى لله سبحانه وتعالى، والشعور العالي بالمسؤولية، باعتبار أن «الشعور العالي بالمسؤولية هو أيضًا متفرِّعٌ عن التقوى». فالقرآن الكريم ـ كما أوضح ـ يركّز على أن يُحيي في الإنسان هذا الشعور، لأن الانتماء للإسلام «هو انتماءٌ إلى مبادئه، وقيمه، وأخلاقه، وشرعه، ونهجه، وفي نفس الوقت انتماءٌ إلى مسؤولية نتحرّك على أساسها في حمل هذا الهدى في واقع الحياة». ومن هنا جاءت عناوين كبرى، كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بوصفها «مسؤوليات مقدَّسة وعظيمة ومشرِّفة لهذه الأُمَّة»، تتحرّك في إطار إقامة القسط والعدل، والتصدي للظلم والطغيان والإجرام. وقد شدّد على أن هذا النهج ليس استثناءً في هذا الزمن، بل هو «امتدادٌ لمسارٍ طويل على امتداد التاريخ، على رأسه وفي طليعته أنبياء الله، وأولياء الله، والمؤمنون الصادقون»، في مقابل خطّ الطغيان والإفساد المرتبط بالشيطان. وفي هذا السياق، استشهد بالخطاب القرآني الصريح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، تأكيدًا على أن التفريط بهذه المسؤوليات يفضي إلى أخطارٍ جسيمة، من سيطرة الطغاة والمفسدين، ومصادرة حرية الناس وكرامتهم ودينهم. وفي مقابل ذلك، جسّد شهيد القرآن نموذج التقوى الحاضرة في الموقف والحركة، فكان استشعاره العالي للمسؤولية دافعًا لأن «يتحرّك بأعلى مستوى يستطيعه من التَّحرُّك»، وأن يعمل على استنهاض الأُمّة، وهو يحمل هذه المسؤولية باعتبارها تكليفًا إلهيًا مقدّسًا لا يقبل التفريط ولا التراجع.

البصيرة والوعي القرآني العالي

ومن أبرز المعالم المتجلية في شخصية شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، البصيرة والوعي العالي جدًا، وهو ـ كما أكّد السيد عبد الملك ـ من أعظم المكتسبات التي يصنعها القرآن الكريم، إذ إن «الثقافة القرآنية كلها مكتسبٌ قرآني يصنع الوعي العالي جدًا لدى الإنسان، والبصيرة الكبيرة». وفي ظل ما تواجهه الأُمّة من «حجم الضلال الرهيب، والتضليل الكبير الذي يمارسه أعداؤها»، تبرز الحاجة الماسّة إلى هذا الوعي، خصوصًا وأن الإضلال ـ كما وصف ـ هو من أخطر الوسائل التي يعتمدها الأعداء للسيطرة على الناس. فقد بيّن بوضوح أن جبهة الشر «جبهة ضلال وإضلال، وفساد وإفساد، وظلم وطغيان»، وهي حقائق أكّدها القرآن الكريم في توصيفه لهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، و﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. وقد أوضح أن الإضلال عندهم «نشاطٌ هائل» يمتلك وسائل وأساليب متعددة، تطوّرت في هذا العصر إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البشرية، ما يجعل مواجهة هذه «الظلمات المتراكمة» بحاجةٍ إلى «نور الله، نور هديه»، وإلى بصيرةٍ عالية ووعيٍ كبير. وفي هذا السياق، شدّد على أن حالة التيه والضياع التي تعيشها قطاعات واسعة من الأُمّة، وتأثّرها بالحرب الناعمة والحرب الصلبة لأعدائها، إنما هي نتيجة مباشرة «للابتعاد عن القرآن الكريم في مقام البصيرة والوعي». ومن هنا تتجلى عظمة الدور الذي أدّاه شهيد القرآن، حيث انعكس هذا الوعي القرآني العالي في كل دروسه ومحاضراته، وفي سعيه الدؤوب إلى «ربط الأُمّة بالقرآن الكريم»، بوصفه المصدر الوحيد القادر على تجلية الحقائق، وكشف زيف التضليل، وتحصين الأُمّة ببصيرةٍ نافذة ترى بها أعداءها وواقعها على حقيقته.

ضرورة المشروع القرآني في مواجهة المشروع المعادي

في حديثه عن مميّزات المشروع القرآني، وضع السيد عبد الملك مسألة ضرورة المشروع في مقدِّمة العناوين، مؤكّدًا أن «ضرورة أن يكون لنا كأُمَّةٍ مسلمة مشروعٌ نتحرَّك على أساسه» لم تعد خيارًا، بل حاجةً مصيرية في مواجهة ما يستهدف الأُمّة. فالأُمّة ـ كما وصف ـ «مستهدفة»، وأخطر ما تواجهه هو الاستهداف اليهودي الصهيوني المتحرّك «في إطار أذرع كبرى في هذا العالم: أمريكا، وإسرائيل، وبريطانيا»، بقوى متمكِّنة تمتلك إمكانات هائلة، وتعمل على اختراق الساحة الإسلامية من الداخل عبر أنظمة وقوى وتيارات «تتحرَّك عسكريًا، وإعلاميًا، وثقافيًا، واقتصاديًا وفق أي مخطط يرسمونه لها». وفي المقابل، أوضح أن الأعداء «يتحرَّكون وفق مشروع، لديهم مشروع له أهداف محدَّدة»، عناوينه المعلنة مثل «إسرائيل الكبرى» و«تغيير الشرق الأوسط»، وهي ـ كما أكّد ـ «ليست نظرية مؤامرة»، بل «مشروع موثَّق، مكتوب، معروف، يُدرَّس في جامعات، ومشهور عالميًا». وخطورة هذا الواقع تتجلّى ـ بحسب كلمته ـ في أن تبقى الأُمّة «بدون أي مشروع»، لأن ذلك يعني أن تُحتوى في مشاريع الأعداء أو تُستهلك في مشاريع فاشلة تخدمهم، من التطبيع إلى الاتجاهات التكفيرية والمشاريع المناطقية والعنصرية. وفي هذا السياق، شدّد على أن الهوية الإسلامية في جوهرها «هوية عظيمة، راسخة، قوية، صلبة»، وأن ثقافة القرآن وهدى الله هي وحدها القادرة على رفع الأُمّة إلى مستوى مواجهة الخطر، وربطها بالله «بمعونته، ونصره، وتأييده»، وهو ما يسعى الأعداء إلى فصله عنها. ومن هنا تتجلّى أهمية المشروع القرآني الذي تحرّك فيه شهيد القرآن، بوصفه مشروعًا «من القرآن الكريم»، أُقيم ليكون في الساحة مشروعٌ يواجه المشروع الصهيوني، ويمنع الفراغ الذي طالما استغلّه الأعداء للهيمنة والسيطرة.

أصالة المشروع القرآني

ومن أبرز ما أكّد عليه السيد عبد الملك في كلمته أن من أعظم مميزات المشروع القرآني أصالته، بل هي ـ كما عبّر ـ «أصالة الأصالة»، إذ «وأيُّ أصالةٍ أعظم وأسمى وأقدس من أن يكون المشروع قرآنياً». فالمشروع القرآني ليس فكرةً مستوردة، ولا رؤيةً مقتبسة من خارج هوية هذه الأُمّة، بل هو مشروعٌ نابعٌ من صميم انتمائها الإسلامي، مرتبطٌ بالقرآن الكريم الذي يشكّل جوهر ثقافتها ومعتقدها وهويتها الجامعة. وفي مقابل ذلك، شهدت الساحة العربية والإسلامية ـ كما أوضح ـ عشرات المشاريع المستوردة في عناوينها ومضامينها ورموزها، دفعت فيها الأُمّة أثمانًا باهظة من دمائها وجهودها وأموالها، ثم «تلاشت تلك المشاريع، ولم تشكِّل أي حصانة للأُمَّة، ولم يكن لها أي ثمرة عظيمة في واقعها». بينما يتميّز المشروع القرآني بأنه مشروع أصيل «من القرآن الكريم، من هوية هذه الأُمّة كأمةٍ مسلمة»، وهو ما يجعله ثابت الأساس، راسخ الجذور، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.

نقاء المشروع القرآني وصفاؤه

ومن المميزات البارزة التي شدّد عليها السيد عبد الملك نقاء المشروع القرآني وصفاؤه، حيث «يتطابق العنوان مع المحتوى»، فلا ازدواجية ولا خداع. فالثقافة القرآنية ـ كما تتجلّى في دروس ومحاضرات شهيد القرآن ـ هدىً خالص، ومفاهيم نقية، وصفاء واضح يدلّ بجلاء على أنها مستمدّة من القرآن الكريم نفسه. وعلى عكس كثير من المشاريع التي تُقدَّم بعناوين جذّابة وشعارات برّاقة، بينما يكون محتواها «مغشوشًا إلى حدٍّ كبير»، فإن المشروع القرآني يقدّم الحقيقة صافية بلا تزييف، ويمنح الإنسان وعيًا نقيًا غير ملوّث بالأهواء أو المصالح أو الإملاءات الخارجية.

قوته المستمدة من قوة الحق

وبيّن السيد عبد الملك أن من أرقى مميزات المشروع القرآني قوته، وهي قوة نابعة من كونه مشروع الحق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فقوته ليست قوة شعارات أو ضجيج، بل «قوة في الحجة، في البرهان، في الشواهد»، إلى حدّ أن الحقائق التي يطرحها تصبح بديهية، واضحة، دامغة، ثابتة، لا تحتاج إلى تكلّف أو تضليل. وهذه القوة الفكرية والمعنوية تجعل المشروع القرآني قادرًا على الصمود والمواجهة، مهما اشتدّت حملات التشويه والعداء.

واقعية المشروع القرآني

وأكد السيد عبد الملك أن المشروع القرآني مشروع واقعي، مرتبط بالواقع وقابل للتطبيق، وليس طرحًا مثاليًا معزولًا عن حياة الناس. فهو مشروع «يتحرّك فيه الجميع»، ويستنهض الطاقات على مستوى الجماهير والنخب معًا، بحيث يجد كل فردٍ موقعه ودوره فيه. وهذه الواقعية هي ما جعلت المشروع حاضرًا في الميدان، لا في الكتب فقط، ومتفاعلًا مع الظروف، لا منفصلًا عنها.

ملامسته المباشرة لهموم الواقع

ولم يكتفِ المشروع القرآني بالواقعية العامة، بل ـ كما أوضح ـ هو ملامسٌ للواقع في أدق تفاصيله: في هموم الناس، ومشاكلهم، ومعاناتهم، وتحدياتهم اليومية. فهو ليس مشروعًا بعيدًا عن آلام المجتمع أو قضاياه المصيرية، بل «يفي بكل المتطلبات التي هي قائمة في واقعنا»، ويقدّم رؤية قرآنية تعالج الواقع بدل الهروب منه أو تجاهله.

حكمته وجدواه في بناء الأُمّة

ومن الصفات الجوهرية التي أبرزها السيد عبد الملك حكمة المشروع القرآني وجدواه، إذ تتجلّى أهميته في تحصين الأُمّة من الداخل: في ولاءاتها، ومواقفها، وتوجّهاتها، ووعيها، وبصيرتها. وهذه الجدوى تظهر بوضوح في مجالات متعدّدة: في البناء العملي للأُمّة، وفي بناء وعيها وروحيتها، وفي فضح مخططات الأعداء وإفشالها. وقد تجلّت هذه الجدوى عمليًا في منتسبي المشروع، الذين «ارتقى بهم من نقطة الصفر إلى مستوى هذا الحضور والفاعلية العالية جدًا»، بما انعكس على وعيهم، وروحيتهم، وتفانيهم، واستبسالهم، وما تحقّق على أرض الواقع من نتائج ملموسة.

مواكبته للمتغيرات والأحداث

وأوضح السيد عبد الملك أن المشروع القرآني مواكب للمتغيرات والأحداث بوضوح، ولم يتحوّل إلى مشروعٍ من الماضي. فكلما عاد الإنسان إلى محاضرات ودروس هذا المشروع «يراها وكأنها لوقتها، لكل مرحلة»، تلبّي متطلبات كل ظرف وزمان. وهذا ـ كما أكّد ـ من بركة القرآن الكريم، الذي يمنح المشروع حيوية دائمة، وقدرة مستمرة على العطاء والتجدد.

القيمة العظيمة للجهد والتضحية في إطار المشروع

ومن الإيجابيات الكبرى للمشروع القرآني ـ كما شدّد السيد عبد الملك ـ القيمة العظيمة للجهد والتضحية في إطاره. فكل ما يُقدَّم من شهداء، أو جهد، أو مال، أو معاناة، هو «في إطار مشروع يصلنا بالله، في سبيل الله»، ما يمنحه بُعدًا إيمانيًا وأخلاقيًا عظيمًا، وأجرًا وثوابًا في الدنيا والآخرة. وهذا ما يجعل التضحية فيه ذات معنى، وذات قيمة، وذات ثمرة، لا تُهدر في مشاريع عبثية أو خاسرة.

تحصينه للإنسان في مواجهة أخطر مشاريع الأعداء

وفي ختام هذه المميزات، أكّد السيد عبد الملك أن المشروع القرآني يواجه أخطر ما يسعى إليه الأعداء: تفريغ الإنسان المسلم من محتواه الإيماني والإنساني والأخلاقي، وتحويله إلى أداة خاضعة تُدار وفق مصالحهم. فالمشروع القرآني يحصّن الإنسان بالوعي والبصيرة والقيم والانتماء الإيماني الراسخ، ويمنعه من أن يكون «دمية طيّعة» تُباع ولاءاتها في مزادات السياسة أو تُخدع بحملات التضليل. ومن هنا ـ كما قال ـ نتحرّك في هذا المشروع «ونحن نعي أهميته، والحاجة إليه، والضرورة له»، لأنه لم يأتِ عبثًا، بل «ليلبّي حاجةً ضروريةً نعيشها في واقعنا».

حالة الوعي في الأُمّة في ظل العدوان المتصاعد

وفي خضمّ التطورات الخطيرة التي تشهدها الساحة الفلسطينية واللبنانية، واستمرار العدوان الإسرائيلي بدعم أمريكي مباشر، عبّر السيد عبد الملك عن أسفه العميق لواقع شريحة واسعة من أبناء الأُمّة الإسلامية، التي لم ترتقِ ـ رغم كل ما جرى ويجري ـ إلى مستوى الوعي بحجم الخطر والتحدّي القائم. وأشار إلى أن حالة الإعراض والانتظار، بل والتقاعس، لا تزال حاضرة لدى كثيرين، بما في ذلك بعض النخب، في وقتٍ تتعرّض فيه الأُمّة لاستهداف شامل ومكشوف.

وأوضح أن بعض الأصوات التي تتخذ مواقف سلبية أو عدائية من المشروع القرآني، تتجاهل عمداً النظر إليه نظرةً موضوعية، من حيث أصالته القرآنية والحاجة الملحّة إليه، مفضّلة الارتهان لدعايات الأعداء وترديد رواياتهم المشوّهة، في وقتٍ تتكشّف فيه حقيقة المشروع الصهيوني على نحو غير مسبوق.

انكشاف العدو في غزة ولبنان والمنطقة

وأكد السيد عبد الملك أن الحُجّة باتت بالغة على الأُمّة، فالعدو واضح في هويته وأهدافه: الأمريكي والإسرائيلي والتوجّه الصهيوني، الذي لا يهدد فلسطين وحدها، بل يستهدف الأُمّة الإسلامية بأسرها، بل ويمثّل خطراً على شعوب العالم كافة. ولفت إلى أن مرحلة العدوان على غزة، الممتدة على مدى عامين، شكّلت ذروة هذا الانكشاف، سواء من حيث التصريحات العلنية حول مشاريع مثل «إسرائيل الكبرى» و«تغيير الشرق الأوسط»، أو من حيث حجم الجرائم المرتكبة.

وبيّن أن جرائم الإبادة الجماعية في غزة، والقتل المتعمّد لعشرات الآلاف من الأطفال والنساء والمدنيين، إضافة إلى الجرائم الواسعة في لبنان، والاستباحة المستمرة لسوريا، شكّلت صدمة عالمية أيقظت الضمير الإنساني حتى لدى شعوب بعيدة جغرافياً وثقافياً عن المنطقة، في حين لا تزال بعض الأنظمة والشعوب في العالم الإسلامي متأخرة عن تحمّل مسؤولياتها تجاه ما يجري.

استمرار الجرائم رغم عناوين الاتفاقات

وشدّد السيد عبد الملك على أن الجرائم الإسرائيلية لم تتوقف، لا في غزة ولا في الضفة الغربية ولا في القدس، حيث تتواصل الانتهاكات اليومية، من القتل والاعتقال إلى تدنيس المسجد الأقصى، ومحاولات السيطرة الكاملة على المسجد الإبراهيمي في الخليل. وأكد أن هذه الجرائم لا يجوز أن تتحوّل إلى مشاهد اعتيادية، لما في ذلك من خطر بالغ على وعي الأُمّة ومسؤوليتها التاريخية.

كما أشار إلى أن العدو الإسرائيلي مستمر في اعتداءاته على لبنان، واستباحته للأراضي السورية، حتى في ظل الإعلان عن مراحل جديدة من الاتفاقات المتعلقة بغزة، حيث يواصل الاحتلال خرق التزاماته، ويفرض حصاراً خانقاً، ويمارس القتل والتدمير بشكلٍ يومي، ما يؤكد أن الخطر لا يزال قائماً، وأن الاحتلال لم ينتهِ، والمؤامرات مستمرة، ولا يجوز الانخداع بعناوين «السلام» التي يروّج لها الأمريكي وحلفاؤه.

الاستهداف الأمريكي‑الإسرائيلي لإيران وأبعاده الإقليمية

وفي سياق حديثه عن اتساع دائرة الاستهداف الأمريكي‑الإسرائيلي للأُمّة، توقّف السيد عبد الملك عند ما جرى في الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكّدًا أن ما حدث لم يكن أحداثًا داخلية عفوية، بل استهدافًا مباشرًا تقف خلفه الولايات المتحدة و”إسرائيل” عبر عصابات إجرامية منظّمة. وأوضح أن هذه العصابات ارتكبت جرائم بشعة بحق الشعب الإيراني، شملت قتل المدنيين ورجال الأمن، وإحراق المساجد، وممارسات إجرامية وحشية كالحرق والذبح، في مشهد يحمل بصمات النهج الأمريكي‑الإسرائيلي المعروف في إدارة الفوضى والخراب.

وأشار إلى أن ارتباط هذه العصابات بالعدو الأمريكي والإسرائيلي كان واضحًا، سواء من خلال التبنّي السياسي والإعلامي، أو عبر التحريض العلني والدعم المباشر، لافتًا إلى أن واشنطن تعتمد تكتيكًا ثابتًا في استهداف شعوب الأُمّة، يقوم على صناعة الأزمات ثم الاستثمار فيها. فمن خلال العقوبات الاقتصادية والحصار الخانق، تسعى إلى إنهاك الشعوب، ثم توظيف المعاناة لإثارة الفوضى عبر أدوات إجرامية، بهدف تحقيق السيطرة والهيمنة.

وبيّن السيد عبد الملك أن هذا المخطط فشل في إيران فشلًا ذريعًا، بفضل اليقظة العالية والوعي العميق لدى الشعب الإيراني، الذي خرج في حشود مليونية عبّرت بوضوح عن هويته الحقيقية، وتمسّكه بثورته ونظامه الإسلامي وخياره التحرّري، ورفضه القاطع للخضوع أو الاستسلام للهيمنة الأمريكية، ما أدى إلى انحسار نشاط العصابات الإجرامية وتلاشي تأثيرها.

امتداد المؤامرات إلى ساحات أخرى

وحذّر السيد عبد الملك من أن الاستهداف الأمريكي‑الإسرائيلي لا يقتصر على إيران، بل يمتد إلى بقية المنطقة، مشيرًا إلى ما يسعى إليه العدو في الصومال، ولا سيما في منطقة “أرض الصومال”، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي المشرف على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب. وأوضح أن الهدف من ذلك هو السيطرة على الممرات المائية الحيوية وتهديد أمن المنطقة بأكملها، في إطار مشروع متكامل يهدف إلى تفكيك الأُمّة، وبعثرتها، وإضعافها خدمةً للمصالح الصهيونية.

التحركات الصهيونية في الصومال وخطورتها على أمن المنطقة

وفي إطار التحركات الصهيونية المتصاعدة في المنطقة، أشار السيد عبد الملك إلى زيارة وزير خارجية كيان الاحتلال إلى مدينة هرجيسا في ما يُعرف بـ«أرض الصومال»، موضحًا أن الزيارة جرت بطريقة سرّية وغير معلنة، واتسمت بدرجة عالية من التخفي. وبيّن أن المسؤول الصهيوني انتقل خفيةً إلى إثيوبيا، ومنها إلى أرض الصومال على متن طائرة أجنبية، قبل أن يُعلن عن الزيارة لاحقًا، ثم غادر بالأسلوب نفسه، وهو ما يعكس حجم القلق والخشية التي تحيط بهذه الخطوة.

وأوضح أن هذا السلوك غير المعتاد في زيارة يُفترض أنها رسمية، يكشف حالة الخوف لدى العدو، لا سيما من الموقف اليمني، في ظل غياب أي ضغط عربي أو إسلامي فاعل يردعه عن مثل هذه التحركات. وأكد أن هذه الزيارة تأتي في سياق مساعٍ صهيونية حثيثة لتعزيز الحضور في القرن الإفريقي، واستغلال بعض الكيانات الهشّة لتحقيق أهداف استراتيجية.

تهديد مباشر لليمن والممرات البحرية

وأكد السيد عبد الملك أن أي تمركز صهيوني في الصومال يشكّل تهديدًا مباشرًا لليمن، ولشعوب المنطقة عمومًا، وخطرًا بالغًا على البحر الأحمر وباب المندب، باعتبارهما من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. ولفت إلى أن خطورة هذا التوجّه لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي والسيادي لدول المنطقة.

وشدّد على أن التعامل مع هذا الخطر لا يمكن أن يقتصر على بيانات الشجب والإدانة، في ظل تجاهل العدو الإسرائيلي التام لمثل هذه المواقف، مؤكدًا أن المرحلة تتطلب مواقف عملية وجادة. وأشار إلى أن هناك متابعة ورصدًا مستمرين لأي تحركات أو محاولات تمركز صهيوني في أرض الصومال، باعتبار ذلك جزءًا من مشروع تهديد أوسع يستهدف المنطقة بأكملها.

الاستعداد للجولة القادمة كخيار لا بديل عنه

كما وجّه السيد عبد الملك ختام كلمته رسالة مباشرة إلى الشعب اليمني، مؤكدًا أن مجمل الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية تشكّل شاهدًا واضحًا على صوابية التوجّه اليمني ومشروعية موقفه وتحركه. وأشار إلى أن ما قدّمه الشعب اليمني من مواقف داعمة للشعب الفلسطيني، وإسناده له في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة، إلى جانب حالة التعبئة العامة ونشر الوعي والاستعداد المستمر، يأتي في سياق قراءة واعية لطبيعة المرحلة وما تحمله من تحديات جسيمة.

وأوضح أن العالم يشهد اليوم تحرّكًا مكشوفًا لطغاة هذا العصر وقواه المستكبرة، التي لم تعد تخفي أطماعها، بل تجاهر علنًا بنيّتها احتلال هذا البلد أو ذاك، والسيطرة على الثروات والمواقع الجغرافية، في مشهد يعكس حالة غير مسبوقة من الوقاحة السياسية والطغيان والعدوان. ولفت إلى أن الخطر على الأُمّة الإسلامية يبقى أكبر وأشد، وإن كان هذا الخطر بطبيعته عالميًا ويهدد شعوبًا كثيرة.

وبيّن السيد عبد الملك أن المرحلة الراهنة تتحرّك تحت عنوان واضح هو «الاستعداد للجولة القادمة»، باعتبار أن الصراع مع العدو الإسرائيلي ومع الولايات المتحدة صراع حتمي، سواء عبر المواجهة المباشرة أو من خلال الأدوات الإقليمية التي تتحرك في إطار الدور الأمريكي وأجندته وأهدافه المعلنة، والتي بات ارتباطها بواشنطن مكشوفًا.

وأشاد في هذا السياق بحالة الحراك الواسع في الداخل اليمني، وما تشهده الساحة من أنشطة تعبئة عامة، ودورات عسكرية، ووقفات قبلية وشعبية، وفعاليات توعوية وثقافية وتعليمية، إضافة إلى الدور الفاعل للعلماء والخطباء والمثقفين، مؤكدًا أن هذا التحرك الشامل يمثّل ركيزة أساسية في بناء الجاهزية على مختلف المستويات.

وأكد أن هذا المسار يستند إلى الارتباط بالقرآن الكريم، وإلى الهداية الإلهية التي تمنح الثبات والبصيرة والتأييد، مشددًا على أن الواقع والمتغيرات والأحداث كلها تشهد على أهمية هذا الخيار وضرورته، باعتباره توجّهًا مبدئيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا وقرآنيًا.

وفي المقابل، حذّر السيد عبد الملك من وهم الارتهان للولايات المتحدة، مؤكدًا أن الارتباط بالأمريكي لا يمنح أي نظام حماية أو وقاية، بل يجعله هشًا ومكشوفًا وقابلًا للاختراق الكامل. ولفت إلى أن تجارب سابقة لزعماء وأنظمة ارتبطت بواشنطن تمثّل دليلًا واضحًا على أن الولايات المتحدة تتخلّى عن أدواتها بسهولة عندما ترى أن مصالحها تقتضي ذلك، دون أي اعتبار للتحالفات أو الشعارات.

وأشار إلى أن كل من يتحرك في إطار الأجندة الأمريكية أو الصهيونية، أو يتآمر على أُمّته وشعبه، إنما يسير في طريق الخسارة الحتمية، مؤكدًا أن هذه الحقيقة ثابتة قرآنيًا، وأن مآلات الارتهان للعدو تتمثّل في التفكك، وفقدان المنعة، والتمكين الكامل للاختراق العسكري والاقتصادي والاستخباراتي والثقافي، وصولًا إلى فقدان أي ركيزة شعبية أو سيادية.

وختم بالتأكيد على أن الخيار القرآني والنهج المستقل هو الضمان الحقيقي للثبات والكرامة والسيادة، وأن الوعي بهذه الحقيقة هو أساس الصمود في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستباحة.

وأختتم بقوله: “نحن في إطار هذا المشروع القرآني ثابتون، مستمرون، واثقون مما نحن عليه، وأيُّ شيء أعظم من أن نكون متمسِّكين بكتاب الله، بالقرآن الكريم، في إطار توجُّهٍ تحرُّريٍ فيه العِزَّة الإيمانية، فيه الكرامة الإنسانية، ونحن نرى من حولنا كل الوقائع والأحداث التي هي شواهد مستمرة، وشواهد كبيرة، عن حقيقة أعدائنا، عن حقيقة الأمريكي في طغيانه، في إجرامه، في ظلمه، عن حقيقة العدو الإسرائيلي، عن حقيقة اليهود، والتَّوجُّه الصهيوني العالمي، عن الفضائح المتتالية لمن يواليهم ويتَّجه وفق مؤامراتهم”.

 

 

قد يعجبك ايضا