حقائق للتاريخ: إيران وحراسة الشرق الأوسط

عبدالرزاق الباشا –

سنكتب اليوم حقائق للتاريخ عن بوابة الشرق الأوسط (جمهورية إيران الإسلامية)، وقبل الكتابة لا بد لنا أن نستحضر مجريات الأحداث الآنية..

بعد يومين فقط من زيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني إلى أمريكا واللقاء مع (ترامب) والاتفاق على تحريك الشارع الإيراني ثم التدخل.. ومن هنا بدأت الحكاية مع (بوابة الشرق الأوسط) التي تشهد منذ أواخر ديسمبر 2025 انتفاضة شعبية واسعة النطاق بدأت بإضرابات في بازار طهران وامتدّت إلى معظم المحافظات.. كانت المظاهرات سلمية والمطالبة مشروعة نتيجة الأوضاع الاقتصادية بسبب الحصار الجائر منذ عقود من الشيطان الأكبر أمريكا.. ثم بعد ذلك تحوّلت المطالب السلمية إلى فوضى عارمة كما خُطِّط لها..

التداعيات:

تداعت الأمور إلى التدخل الخارجي، فكانت أوكرانيا السبّاقة بذلك.. الذي جاء على لسان رئيسها (فولوديمير زيلينسكي) داعيًا المجتمع الدولي لدعم ما وصفه بـ “الانتفاضة” في إيران، معتبرًا النظام الإيراني يجلب الشرور داخليًا وخارجيًا.. ثم تحرّكت تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب لحفاظه على المتظاهرين في إيران وعدم إراقة دمائهم والتدخل العسكري.. متغافلًا عمّا يحدث في تلك اللحظة من مظاهرات وشغب وحرائق طالت شوارع واشنطن وتناهض السياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا..

نقطة ومن أول السطر:

كل ما ذكرناه سلفًا قابله مشهدٌ وطنيٌّ جامعٌ لإحباط تلك المحاولة التي اخترقت الاحتجاجات السلمية.. ورسالة إلى الشعب الإيراني من قائد الثورة لجمهورية إيران الإسلامية السيد علي خامنئي عقب المشهد الوطني.. بأنه عملٌ عظيم ويومٌ تاريخي.. أسقط مخططات الأعداء وأحبط رهاناتهم على الفوضى والفتنة!!!

ولهذا وجدنا أن وعي الشعب الإيراني ووحدته أسقطا رهانات الأعداء على الفوضى والفتنة.. وكما أفشل الشعب حرب الـ 12 يومًا سيفشل الحِيَل التخريبية لأعدائه..

لم يتوقف الأمر عند هذا.. بل كشف رئيس الأركان العامة الإيراني عبد الرحيم موسوي أن الولايات المتحدة الأمريكية و“العدو الإسرائيلي” يقفان وراء إرسال عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي إلى داخل إيران لتنفيذ هجمات استهدفت المواطنين وقوات الأمن.

وفي خطوة دبلوماسية حازمة.. استدعت الخارجية الإيرانية سفراء كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وقدّمت لهم فيديوهات توثّق العنف المسلّح، وطالبتهم بنقل الصورة إلى عواصمهم والتراجع عن دعم مثيري الشغب.. وشدّدت الخارجية الإيرانية على رفض أي دعم سياسي أو إعلامي يشكل تدخلًا في الشأن الداخلي الإيراني..

وزير الدفاع الإيراني العميد عزيز نصير أكد أن الوضع الدفاعي لإيران “جيد” مقارنة بحرب الـ 12 يومًا، وأن جميع القواعد الأمريكية والدول التي تسهّل عمل واشنطن أو تضع أراضيها وقواعدها في خدمة أي اعتداء على إيران ستكون أهدافًا مشروعة للرد الإيراني.

خاتمة المشهد من التداعيات:

نختم هذه التداعيات بالمشهد اليمني من خلال تصريح الأستاذ محمد الفرح، عضو المجلس السياسي لأنصار الله، حذّر فيه من خطورة تدويل أعمال الشغب في جمهورية إيران وتحويلها إلى ذريعة مفتوحة للتدخل العسكري الأمريكي، مؤكّدًا أن ما يُحضَّر لإيران اليوم قد يمتد غدًا إلى عواصم إقليمية كبرى، ضمن مشروع تقوده واشنطن ويقف خلفه العدو الصهيوني لإعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة. لافتًا إلى أن الرياض وأنقرة ستكونان أول من سيدفع ثمن هذا المسار..

العودة إلى تاريخ مملكة فارس:

بعد أن اختتمنا التداعيات بالمشهد اليمني.. نعود إلى الوراء لنكتب حقائق تاريخية عن الإمبراطورية الفارسية التي تقع شرق شبه الجزيرة العربية:

تأسست مملكة فارس بواسطة (كورش الكبير) أول ملوك فارس، واسمه (كورش بن كمبوجية بن كوريش بن جيشبيش بن هخامنش.. أحد أعظم ملوك الفرس الأخمينية). استولى على آسيا الصغرى وبابل وليديا التي هي الآن غرب تركيا.. وحكم من (550–529 ق.م) وقُتل في ماساجت ودُفن في باساركاد..

واعتبرت من الدول الكبرى التي سادت المنطقة قبل العصر الإسلامي، حتى جاء الإسلام ودخلت بلاد فارس في دين الله كسائر البلدان المحيطة بالجزيرة العربية.

 

وتاريخ الإمبراطورية الفارسية طويل، ولكن سنختصر الزمن ونطويه حتى نصل إلى بدء السيطرة اليهودية الماسونية على الحكم في إيران من عهد الشاهنشاهي.. وكان آخرها البهلوي صاحب الدرجة الثالثة والعشرين في السُّلَّم الإسكتلندي الماسوني، وكل درجة تُمنح بتقديم عمل جليل لفائدة الصهيونية.. كما ورد في متونهم (نصوصهم الأصلية).

وكانت المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي هما النافذان في إدارة الحكم الشاهنشاهي.. وقد تولّى الموساد تدريب أغلب ضباط السافاك (البوليس السياسي) وزرعهم في مفاصل الدولة كعملاء له.. مكنوه من السيطرة الأمنية على الوضع في البلاد، حيث دخلت إيران تحت السيطرة الاستخباراتية الكاملة الممنهجة، والتي واكبتها السيطرة الاقتصادية على الثروات الباطنية بعد إزاحة (محمد مصدق – رئيس وزراء إيران بين عامي 1951 و1953، ويُعد من أبرز الشخصيات الوطنية في تاريخ إيران الحديث) الذي حاول استرجاع الثروات المنهوبة إلى الشعب في عهد الشاه..

واعتبرت إيران الخطر الكبير والمهدد للشرق الأوسط بشكل عام، حتى جاءت ثورة المرشد الإسلامي الخميني..

ثورة الخميني:

بعد ثورة المرشد الإسلامي الخميني عام 1979م.. أصبحت إيران البوابة والحارس الفعلي للشرق الأوسط من التهديد الأمريكي الإسرائيلي.. لكن سرعان ما اشتغلت الأنظمة الأمريكية المتلاحقة والموساد الصهيوني على شيطنة جمهورية إيران الإسلامية.. وزرع الفتن في الشرق الأوسط في أكثر من مجال.. وكانت أكبر نبتة خبيثة هي فتنة المذهبية والطائفية وإخافة المناطق السنية من المدّ الشيعي..

الرأي الديني والليبرالي:

وهنا من باب التذكير لا غير.. قال الداعية الإسلامي (عبدالحميد كشك) قبل وفاته عام 1996م عن دور أمريكا في جمهورية إيران الإسلامية:

“هل تنام أمريكا عن جواسيسها في إيران؟ لا..

إن الحرب بين أمريكا وإيران ليست حربًا سياسية.. هي حرب عقيدة.. قال تعالى:

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) صدق الله العظيم.”

 

أما بالنسبة للكاتب والباحث السياسي التاريخي محمد حسنين هيكل – ردًا على تساؤل مذيع قناة الجزيرة عام 2007م –

المذيع: “هل في بقاء إيران دولة قوية شوكة في حلق الأمريكيين كما هي الآن – أم من مصلحة العرب اختفاء هذه القوة؟ ولصالح من نعادي إيران؟”

قال هيكل بالحرف الواحد وباللهجة المصرية:

“أنا لا أرى إطلاقًا سبب تناقض عربي إيراني.. وما بينهم أمر طبيعي يمكن أن يُناقش.. لكن نحن أخذنا الموقف الأمريكي من الثورة الإيرانية.. وكنت مندهش من هذا الموقف..

وفي يوم من الأيام سألني (آية الله الخميني): العرب زعلانين مني ليه؟ الأزهر بيطلع فتاوى ضدي ليه؟

وأنا حقيقةً ما كانش عندي جواب..

هذه ثورة.. نحن في مصر ساعدناها..

نظام الشاه كان نظام يرهب الخليج كله..

ولما جاؤوا يطلبوا صداقتنا بنوع من الروابط المشتركة..

ويقول الخميني: أنا أدخلت اللغة العربية كلغة ثانية في مدارس إيران..

هل هذا اللي اتخانق معاه؟

هل أصبحت إسرائيل مش بتهددني وإيران هي اللي بتهددني؟”

خلاصة الحقيقة الكاملة:

وكما في بداية أول سطر كتبناه.. سنكتب اليوم حقائق للتاريخ عن بوابة الشرق الأوسط (جمهورية إيران الإسلامية) لنختم هذه الدراسة التحليلية عن مجريات الأحداث في إيران بهذه التساؤلات:

ماذا لو سقط النظام الإيراني – ماذا سيحدث في المنطقة؟

على رأس الأهداف الاستراتيجية عند الكيان الصهيوني إفناء قطاع غزة، والاحتلال الكامل لفلسطين.. والقضاء على المشروع النووي الإيراني بشكل جذري، أي إسقاط النظام الإيراني!

سقوط النظام الإيراني يعني سقوط النظام العالمي والإقليمي الوحيد المعادي لأمريكا والكيان الصهيوني بشكل جذري.. أي ستتحول طهران من عاصمة داعمة لفلسطين رافضة للتطبيع تقوم بضرب تل أبيب في حال الاعتداء عليها.. إلى عاصمة تحتوي الكيان ومطبّعة وحليفة لواشنطن!

سقوط النظام الإيراني يعني تطبيع لبنان مع الكيان الصهيوني.. لأن العائق الوحيد للتطبيع هو حزب الله المدعوم إيرانيًا!

سقوط النظام الإيراني يعني تحويل البوصلة من قبل الكيان باتجاه تركيا!!

سقوط النظام الإيراني يعني فقدان اليمن وتحييده عن نصرة غزة.. لعمقه الاستراتيجي.. وسيتحاصر من صوماليلاند وإثيوبيا وإرتيريا ومن جنوب اليمن والمؤامرة التي تحاك على اليمن!

سقوط النظام الإيراني يعني زيادة الابتزاز السياسي الذي تتعرض له مصر والأردن وسوريا والدخول في مرحلة “إسرائيل الكبرى”.. أما العراق فسيندفع إلى متاهة أكبر من المتاهة السابقة..

سقوط النظام الإيراني يعني فقدان سلطنة عُمان لعمقها السياسي الذي تخطط لإزاحته دويلة الإمارات.. غير السودان وليبيا والصومال!

سقوط النظام الإيراني يعني تحويل البوصلة تجاه النووي الباكستاني!

سقوط النظام الإيراني يعني أن %90 من النفط الإيراني الذي يذهب إلى الصين سيصبح بيد أمريكا!!

سقوط النظام الإيراني.. ماذا يعني للسعودية والخليج؟ وما الأضرار التي ستلحق بهم؟؟؟

من الآخر.. هذا ما سيحدث للعالم وللذين ينتظرون سقوط إيران!!!

لكن – بمشيئة الله تعالى – دولةٌ عمرها 250 عامًا تقريبًا، لا تستطيع أن تقضي على دولةٍ عمرها 4500 ق.م.. وليس من السهل أن تقضي على واضعي الصفر والأرقام العصرية.. لن تسقط ولن تنكسر لازدواجية الحضارتين الفارسية والإسلامية..

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

والله من وراء القصد.

قد يعجبك ايضا