القرآن الكريم منهج الهداية والتحصين.. كيف نبني الوعي ونغلق الثغرات أمام الأعداء؟

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

في المحاضرة الثانية من سلسلة (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ رؤية ثقافية وتربوية عميقة حول العلاقة الحقيقية بالقرآن الكريم، مؤكداً أن الهداية لا تتحقق بمجرد التلاوة أو السماع، بل عبر الإصغاء الواعي، والتفهّم العميق، والتسليم العملي لتوجيهات الله سبحانه وتعالى.

وجاءت المحاضرة لتسلّط الضوء على أزمة الأمة الإسلامية اليوم، وكيف أن الابتعاد عن الهداية العملية للقرآن كان سبباً في حالة الضعف والانحطاط والشتات التي وصلت إليها، رغم أن القرآن حاضر بين أيدي المسلمين في كل مكان.

الهداية القرآنية.. ليست سماعاً فقط

أكد السيد القائد أن العودة الصادقة إلى القرآن الكريم تتطلب ثلاثة أسس رئيسية:

ـ الإصغاء الحقيقي لهدى الله.

ـ التفهّم الواعي لمعاني القرآن وتوجيهاته.

ـ الالتزام العملي بما يقدمه القرآن من تعليمات ومواقف.

وأوضح أن الإنسان قد يسمع آيات الله، ويرى مصاديقها تتحقق في الواقع، لكنه لا ينتفع بذلك إذا لم يكن لديه استعداد عملي للالتزام.

فالهداية ليست معرفة ذهنية مجردة، وإنما حالة إيمانية تتحول إلى سلوك وموقف ومسار حياة.

وأشار إلى أن القرآن الكريم يمنح الإنسان حالة من التحصين والبصيرة والوعي، تجعله قادراً على مواجهة التضليل الإعلامي والفكري والسياسي، خصوصاً في عصر تتكاثر فيه حملات الإضلال والتشويه والتأثير النفسي على المجتمعات من قبل إعداء الأمة.

خطورة التفريط في هدى الله

واستشهد السيد القائد بكلام شهيد القرآن حسين بدر الدين الحوثي ـ رضوان الله عليه ـ الذي أكد أن الإنسان إذا لم يبنِ داخله قاعدة الالتزام والفهم والوعي، فإنه يبقى عرضة للتضليل حتى لو عاش في زمن الأنبياء وشاهد المعجزات بأم عينه.

وهنا تبرز واحدة من أخطر القضايا التي تناولتها المحاضرة، وهي أن كثيراً من الناس يتعاملون مع توجيهات الله وفق أهوائهم الشخصية، فيعتبرون بعض القضايا “عادية” أو “غير مهمة”، بينما تكون في حقيقتها ذات أثر خطير وعظيم.

وأكد السيد القائد أن هذا النوع من التهاون يمثل مدخلاً خطيراً للانحراف؛ لأن الإنسان عندما يقيّم الأمور بعقله القاصر ومزاجه الشخصي، فإنه قد يفرّط بقضايا أساسية تحميه وتحمي أمته من السقوط.

القرآن يكشف طبيعة بني إسرائيل

توقفت المحاضرة عند قول الله تعالى:

(يَاأَيُّهَاالَّذِينَآمَنُوالَاتَقُولُوارَاعِنَاوَقُولُواانظُرْنَاوَاسْمَعُوا)

وبيّن السيد القائد أن هذه الآية الكريمة تحمل دلالات عميقة في فهم طبيعة بني إسرائيل، وكيف كان تعاملهم السلبي مع هدى الله سبباً في انحرافهم وسقوطهم الأخلاقي والإنساني.

وأوضح أن اليهود كانوا يستخدمون كلمة “راعنا” بمعنى سيئ وخبيث في نفوسهم، رغم أن ظاهر الكلمة في اللغة العربية يبدو عادياً، فجاء التوجيه الإلهي للمؤمنين بترك استخدامها نهائياً، ليس لأن المسلمين يقصدون بها المعنى السيئ، بل لإغلاق الباب أمام العدو ومنعه من استغلال أي ثغرة.

وهنا تتجلّى حكمة القرآن في بناء الأمة الواعية التي تتحرك بحذر ويقظة وانتباه، ولا تسمح للأعداء باستغلال أي منفذ مهما بدا صغيراً.

إقفال الثغرات يبدأ من الداخل

من أهم المحاور التي ركّزت عليها المحاضرة أن مواجهة الأعداء لا تبدأ فقط من التصدي لهم بشكل مباشر، بل من معالجة نقاط الضعف داخل الأمة نفسها.

وأكد السيد القائد أن القرآن يوجّه الخطاب للمؤمنين لا لليهود؛ لأن “مفتاح الضرر” يأتي من داخل الأمة عندما تفتح للأعداء مجالات الاختراق والتأثير.

فالإنسان المؤمن مطالب بأن يغلق الثغرات بنفسه، وأن يلتزم بالإجراءات التي تمنع العدو من استغلال أي مساحة يمكن أن يستخدمها للإضرار بالأمة.

وهذا المفهوم لا يقتصر على الجانب العسكري أو الأمني فقط، بل يشمل، الجانب الثقافي، والإعلامي، والاقتصادي، والاجتماعي، وحتى السلوكيات اليومية البسيطة.

اليقظة في مواجهة الحرب الناعمة

لفت السيد القائد إلى أن الأمة اليوم تتعرض لحرب شاملة تستخدم فيها أدوات الإعلام والدعاية والتأثير النفسي والثقافي، إلى جانب الأدوات العسكرية والاقتصادية.

وأوضح أن كثيراً من حالات الانحراف أو الضعف أو التراجع تبدأ من التهاون بالقضايا الصغيرة التي تبدو للناس “عادية”، بينما تكون في حقيقتها مفاتيح خطيرة للاختراق والتأثير.

ومن هنا تأتي أهمية التربية القرآنية التي تصنع الإنسان الواعي والمتيقظ، القادر على استباق المخاطر قبل وقوعها، بدلاً من الانتظار حتى تتفاقم الأزمات.

المقاطعة وإغلاق مجالات الاختراق

ربطت المحاضرة بين الآية الكريمة وبين مفهوم المقاطعة وإغلاق مجالات النفوذ أمام الأعداء، حيث أشار شهيد القرآن إلى أن المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وآله قاطعوا استخدام كلمة معينة؛ لأنها أصبحت تخدم اليهود وتوفر لهم مساحة للإساءة.

ومن هذا المنطلق، فإن مقاطعة منتجات الأعداء أو الحد من النفوذ الاقتصادي والثقافي والإعلامي لهم، يدخل ضمن مبدأ “إقفال الثغرات” الذي يؤسس له القرآن الكريم.

وبيّن أن الأعداء يمتلكون أدوات متطورة للتأثير والإفساد والإضرار بشعوب الأمة، ولذلك فإن التعامل معهم يحتاج إلى مستوى عالٍ من الوعي والحذر والانتباه.

لماذا وصلت الأمة إلى هذا الواقع؟

طرحت المحاضرة سؤالاً محورياً: كيف وصلت الأمة الإسلامية إلى هذا المستوى من الضعف رغم امتلاكها القرآن الكريم؟

وكان الجواب واضحاً: المشكلة ليست في غياب القرآن، وإنما في غياب الاهتداء الحقيقي به.

فالقرآن حاضر في المصاحف، وفي المساجد، وفي التلاوات، لكن الكثير من المسلمين لا يتعاملون معه كمنهج حياة، ولا يترجمون توجيهاته إلى مواقف عملية وسلوك واقعي.

وأكد السيد القائد أن التسليم لله سبحانه وتعالى ليس شعاراً نظرياً، وإنما التزام عملي يظهر في:

الموقف ـ والسلوك ـ والتفاعل مع الأحداث ـ وطريقة مواجهة الأعداء ـ والالتزام بتوجيهات الله دون تردد أو مزاجية.

التربية القرآنية وبناء الأمة الواعية

تؤكد هذه المحاضرة أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب للعبادة الفردية، بل مشروع متكامل لبناء الإنسان والأمة والحضارة.

فالقرآن يربي الأمة على:

اليقظة.

والبصيرة.

والانضباط.

والاستجابة العملية.

والحذر من الاختراق.

والثقة بهدى الله سبحانه وتعالى.

كما يرسّخ مبدأ المسؤولية الجماعية في حماية الأمة وصيانة مجتمعها من عوامل الانحراف والاختراق والتفكك.

وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة اليوم، تبدو العودة الواعية إلى القرآن الكريم ضرورة مصيرية لاستعادة القوة والعزة والاستقلال، وبناء مجتمع يمتلك الوعي والإيمان والقدرة على مواجهة الأعداء ومخططاتهم.

قد يعجبك ايضا