الهجرة النبوية كمنهج إستراتيجي للتحرر من الطواغيت وتثبيت معادلة “كلمة الله هي العليا”

مع انطواء صفحة عام هجري وحلول آخر، لا تبدو حركة الزمن في واقعنا الراهن مجرد عبور ميكانيكي لعقارب الساعة، بل هي مواجهة صريحة مع فلسفة الوجود الإنساني، وإعادة ترسيم حاسمة لبوصلة الأمة الثقافية والسياسية. وفي عالم يتسارع نحو مآلاته الجيوسياسية، يضع هذا التحول الزمني المجتمعات المسلمة أمام مفارقة حادة؛ فبينما يمتلك الخطاب القرآني أرقى الرؤى الإستراتيجية في تقدير قيمة الوقت كعنصر حسم حضاري، يعيش الواقع المعاصر حالة من هدر الفاعلية وتبديد الطاقات البشرية، تتراوح بين عطالة يومية، وإنهاك للجهود في مسارات هامشية، وصولاً إلى الانزلاق نحو أجندات تخدم الباطل وتعمق التبعية لطواغيت الأرض.

هذا التيه القائم لم يتوقف عند هدر الساعات، بل امتد ليمس الهوية التاريخية للأمة، حيث بات الانكفاء عن التاريخ الهجري والارتهان الكلي للتقويم الميلادي تجلياً حياً لـ “أمية جديدة” تذوب معها الاستقلالية الفكرية لأمة أُريد لها أن تؤرخ حركتها بحدث مفصلي كالهجرة النبوية الشريفة..

وفي محاولة لتفكيك هذه التحولات وربط الجذور التاريخية بالواقع الميداني الراهن، يفتح التقرير ملف الأسئلة الإستراتيجية الثلاثة الكبرى: ما الذي دفع الخاتم صلوات الله عليه وعلى آله لمغادرة أقدس بقعة على الأرض؟ ولماذا شكلت يثرب بالتحديد نقطة الانطلاق والاحتضان لمشروع الرسالة؟

أهمية ومكانة مكة المكرمة

مكَّــــة-حيث الكعبة المشرَّفة-هي أقدس بقعةٍ على وجه الأرض، استوطنها نبي الله إسماعيل “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، بأمرٍ من الله لأبيه إبراهيم “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، فكانت موطن نبي الله إسماعيل، الذي أمضى فيه عمره كله نبياً، ورسولاً، يؤدِّي هذه المهمة، إضافةً إلى مهمةٍ أخرى مُقَدَّسة وعظيمة، وهي:

  • القيام بأمر بيت الله الحرام بعد بنائه، حيث بناه أبوه إبراهيم، وشارك معه إسماعيل “عَلَيْهِمَا السَّلَامُ” في عملية البناء.
  • الاهتمام بشعائر الحج.

ولـذلك كانت مكَّة منذ ذلك الوقت مركزاً للدين الإلهي، على نهج إبراهيم وإسماعيل “عَلَيْهِمَا السَّلَامُ”، وموطناً لتوحيد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، مع قُدْسِيَّة البيت الحرام.

سبب الهجرة من مكة المكرمة

رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، منذ بعثته بالرسالة في مكَّة، وصدعه بأمر الله، ودعوته إلى الله، وجهوده العظيمة جدًّا، التي بذلها في دعوة المجتمع في مكَّة، ليكونوا هم حاضنةً لمشروع الرسالة الإلهية، وحاملين لراية الإسلام، وهي جهود كبيرة، بكل ما وهبه الله من مؤهلات عظيمة جدًّا، وقدرات، وبعظمة القرآن في أثره الكبير، مع كل ذلك لم يؤمن من قريش إلَّا القليل، ولم يتأهَّلوا ليكونوا حاضنةً للإسلام، وحاملين لمشروعه، رغم أنهم كان لهم ظروف ملائمة جدًّا.

رغم أنهم كان لديهم عوامل تساعدهم أن يقوموا بهذا الدور، لكنَّهم لم يستفيدوا من كل ذلك؛ كـان هنـاك مؤثِّـرات سلبيـة على أكثرهـم، ومنهـا:

  • ارتباطهــم الشديــد بكبــار مجـرميهـم: وارتباطهم بهم أثَّر عليهم؛ ولـذلك قالوا {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}.
  • نظرتهم المادية، واعتمادهم للجانب المادي كمعيار أساس في مسألة الاتِّباع {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}
  • البعـض منهــم كانـت تؤثِّــر عليهـم المخــاوف: يعني: هم يُقِرُّون بأن ما معه هو الهدى، أن القرآن كتاب هداية، وأنَّ ما يدعو اليه الرسول هو الهدى {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}، واقع الأرض بكله، وواقع البلاد العربية بكلها اتِّجاه آخر يعادي توجُّهك، رسالتك؛ وبالتـالي نخاف من أن يهاجمنا الآخرون ويحاربوننا، وننتهي.

ومع عدم استجابتهم للرسالة الإلهية لم يكتفوا بذلك، واتَّجهوا إلى:

  • الصدّ عن الإسلام، وعن سبيل الله،
  • محاربة رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” بالدعايات، والتشويه، والتكذيب.

……………………………………………………………………………..

{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}

وعندما استمرُّوا على التكذيب، والصدّ عن سبيل الله، حتى وصلوا إلى الدرجة التي قال الله عنهم فيها: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، يعني: خُذِلُوا، استحقوا غضب الله الشديد عليهم، وصلوا إلى درجة أن يكونوا ممن هو موعودٌ بالوعيد والعذاب الإلهي، أصبح جهنمياً، لم يعد فيه أمل أن يتوفَّق أبداً للإيمان، وخاصة الملأ المستكبرين الذين نظَّموا حملةً للتصدي للرسول “صلوات الله عليه وعلى آله”، ولمحاربته بأساليب متعددة، منها:

  • الدعايات المشوهة للنبي “صلوات الله عليه وعلى آله” بهدف التأثير على الناس، وإبعادهم عن الاستماع له، وعن الاستجابة له، ومنها (دعاية أنه مجنون، ساحر، شاعر).
  • الدعاية على القرآن الكريم ومنها:
  • وصفه بالأساطير {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
  • التشكيك في أنَّه من الله، وأنَّه افتراه، وأنَّه تلقَّاه من أشخاص آخرين {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}.
  • المساومات ثم عندما فشلوا، وازداد قلقهم، دخلوا في مساومات، فعرضوا عليه:
  • أن يملِّكوه عليهم.
  • مساومات مالية.
  • اتجاههم لوسيلة الضغط والاستهداف لكل الذين يؤمنون به ممن ليس لهم حماية اجتماعية من خلال:
  • التعذيب والاضطهاد: اضطهاد المستضعفين، ممن يُسْلِمون ولا يمتلكون حمايةً قبلية، فكانت الهجرة إلى الحبشة حلاً مؤقَّتاً لمن هم في حالة استضعاف، ولا يمتلكون حمايةً قبلية.
  • القتل: كما فعلوا مع ياسر وزوجته.

مجتمع الأنصار.. مؤهلات راقية

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وفي المقابل هناك جملة من العوامل الإيجابية المهمة، التي أهَّلت الأنصار لهذا الدور العظيم، منها:

روحية العطاء: مجتمعٌ معطاءٌ، سخيٌّ؛ ليس مجتمعاً أنانياً، طامعاً، حريصاً، بخيلاً.

الصبر: كانوا أهل صبر، مجتمع صبور، متمرِّس على الصبر، على التَّحَمُّل.

الاستعداد للتضحية، والشجاعة: مجتمعٌ شجاع، ومجتمع يُقَدِّم التَّضحيات.

“فاز الأنصار بالشرف العظيم، ومعهم المهاجرون، الذين هاجروا إليهم، وشكَّلوا أُمَّةً مُسْلِمَة، تنهض بالرسالة الإلهية، وتنصر رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، هذا فيما يتعلَّق بدرس آخر، وهو: المجتمع الذي حاز مؤهلات مهمة، وعظيمة، وراقية، للنهوض بهذا المشروع”.

……………………………

بدء الترتيبات الأولية للهجرة

بدأ رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” مساعيه للبحث عن حاضنة، تقبل بالإسلام، وبرسالة الله تعالى، وتحمل هذا المشروع العظيم من بين قبائل العرب، وكان يَعْرِض عليهم الإسلام، واحتضان مشروع الرسالة الإلهية في موسم الحج، وأكثر القبائل العربية رفضوا ذلك، والبعض كان لهم اشتراطات غير صحيحة، لم يقبل بها رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”.

وعندما توفي أبو طالب ازدادت وتيرة الأخطار على حياته “صلوات الله عليه وعلى آله” في الوقت الذي كان الله يهيِّئ له الهجرة:

  • التقى النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” في موسم الحج بمجموعةٍ من الخزرج من المدينة، عرض عليهم الإسلام؛ فأسلموا وآمنوا وقبلوا.
  • ثم في الموسم الثاني أتت مجموعة أكبر، وكانت فيها بيعة العقبة الأولى.
  • في الموسم الثالث أتت مجموعة أكبر كذلك، وكانت بيعة العقبة الثانية، والتي هي كانت قريبة من وقت الهجرة.
  • بعد ذلك بدأ النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” يدفع بأصحابه للخروج من مكة والالتحاق بالمدينة.

“دار الندوة” وكر المؤامرات

في تلك الأثناء تحرَّك المشركون- وقد أحسوا بالخطورة- وعقدوا مؤتمراً في دار الندوة يتدارسون فيه الموقف الحاسم ضد رسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله”،{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}، وكان مكرهم يتخَّلص في دراسة ثلاثة خيارات:

1- السجن {لِيُثْبِتُوكَ}.

2- القتل {أَوْ يَقْتُلُوكَ}.

3- النفي {أَوْ يُخْرِجُوكَ}

{فَـتَـوَلَّ عنْهُمْ}

ثم أذن الله لنبيه بالهجرة، ونزل عليه قول الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ}، فقد أخبر الله “جلَّ شأنه” نبيه “صلوات الله عليه وعلى آله” بواسطة الوحي بمؤامرة الأعداء، وأنهم قد عزموا على قتله، وقد أعدوا خطةً لتنفيذ ذلك، وبات الوقت ملحاً لخروجه “صلوات الله عليه وعلى آله” وهجرته.

ليلة الفداء العلويّ

ففي تلك الليلة، بعد أن أعدوا خطتهم هذه، وجهزوا لتنفيذها، وأرسلوا أولئك المقاتلين للتنفيذ، نزل جبريل “عليه السلام” بوحي من الله، أخبر النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” مسبقاً، وأعطاه الإذن والأمر من الله بالهجرة، ولكن لنجاح عملية الهجرة والخروج من منزل النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” سيما والمكان الذي كان يبيت فيه النبي كان مكاناً مكشوفاً، يتضح ما إذا كان النبي موجوداً أو غائباً، كان لابد من عملية تمويه حتى يتوهم أولئك أن النبي لا يزال موجوداً بينما يتمكن هو من الخروج والهجرة؛ فالنبي “صلوات الله عليه وعلى آله” عندما أخبر الإمام علياً “عليه السلام” بذلك كان جاهزاً لفداء النبي، فقال: ((نُعُمَا وكرامة))، وفرح بذلك، أنه سيحظى بهذه المهمة الفدائية، التي يبيت فيها في فراش النبي، حتى يتوهم أولئك الأعداء أن النبي لا يزال في فراشه، فينتظروا حتى اللحظة التي حددوها لقتله، فينقضّوا عليه لقتله.

وبات عليٌّ “عليه السلام” في فراش النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” وعندما هجم أولئك، مع طلوع الفجر، تفاجؤوا حينما ثار فيهم الإمام علي “عليه السلام” تفاجأوا بأن الموجود هو علي بن أبي طالب، أما النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” فلم يكن موجوداً، وكان قد خرج بألطاف الله دون أن يشعروا.

واتجه اتجاهاً معاكساً للطريق إلى المدينة، (جنوبا) إلى (غار ثور)، وفي ذلك الغار بقي النبي “صلوات الله عليه وآله”؛ -في بعض الروايات ثلاثة أيام-لأن أولئك المشركين عندما فشلوا في عملية الاغتيال، باتوا يبحثون عن النبي “صلوات الله عليه وآله” في كل محيط مكة، ويعلنون الجوائز المغرية كمكافأة لمن يدل على النبي “صلوات الله عليه وآله” ويكشف لهم عن مكانه.

{إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}

كان من أخطر تلك الأحداث في حالة البحث عنه، واستنفارهم في سعيهم لهدف الوصول إليه، وتنفيذ عدوانهم عليه، كان من أخطرها: حينما كان في الغار في (جبل ثور)، على بُعد عِدَّة كيلوهات من مكَّة، أو من البيت الحرام، وصلوا إلى مَقْرُبةٍ من الغار، وكانوا على وشك أن يدخلوا إلى داخل الغار، وقد ذكر الله ذلك في القرآن الكريم عندما قال “جلَّ شأنه”: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

{إِنَّ اللهَ مَعَنَا} حماية إلهية

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، هذه العبارة- بنفسها- تقدِّم لنا صورةً مهمة عن رسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله” فيما كان عليه من الثقة العظيمة بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وهو في أخطر لحظة، كان يشعر بأنه مع الله والله معه، كان يشعر بهذه المعية. فماذا تعنيه هذه المعية:

  • تعني أنه في موقع الحماية الإلهية.
  • تعني النصر من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
  • تعني التأييد من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
  • تعني الحفظ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

المدد الإلهي

  • {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}: المدد المعنوي الذي يساعده في التماسك الكبير في تلك اللحظة الحسَّاسة والحرجة.
  • {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا}: أنزل الله جنوداً من عنده أيضاً لحمايته “صلوات الله عليه وعلى آله”.
  • {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى}، ورجعوا دون أن يصلوا إليه.

“نجَّى الله نبيه، وتمَّت الهجرة، واستقبله الأنصار بكل شوقٍ ومَحَبَّة، وقام أمر الإسلام، حيث بدأت مرحلة جديدة، فيها ولادة الأُمَّة، وارتبط بها تاريخ المسلمين؛ ليتذكَّروها في كل زمن، وفي كل محنة، وليأخذوا منها الدروس والعبرة”.

{وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}  

نستفيد من هذه الآية عددًا من الدروس، وفي مقدِّمة الدروس:

أولًا: اليقين بأنَّ كلمة الله هي العليا، وبالتَّمَسُّك بها تعلو الأُمَّة: مهما كانت التحديات والمخاطر، ومهما كانت الصعوبات، المسلمون نهضوا بقيادة الرسول “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” من نقطة الصفر، في ظروف الجاهلية الأولى وصعوباتها، أُمَّةٌ نهضت بالإسلام وعلت بكلمة الله، حتى صارت في صدارة الأُمم، وتهاوت من حولها أقوام، واتِّجاهات باطلة، وكافرة، وظلامية.

ثانيًا: الإسلام مهما مرَّ به من ظروف، هو مشروعٌ عظيم، جعله الله للظهور: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}؛ ولـذلك من يتحرَّك بالإسلام، حتى وإن كان في ظروف غربة، وظروف عصيبة، فهو مشروعٌ عظيم، مشروع انتصار، بتأييد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بخصائصه وبركاته؛ لأنه:

  • مشروعٌ من الله العزيز، الحكيم، العظيم، الرحيم، العليم.
  • ومُتَّصِل برعاية الله، وبتأييده ومعونته.

ثالثًا: كل الخيارات والبدائل البعيدة عن كلمة الله- وكلمة الله تعني: هديه، ونهجه، وتعليماته القيِّمة- كل الخيارات والبدائل التي قد يأخذ بها الكثير من أبناء أُمَّتنا، ويتَّجهون إليها، هي خسارة وضياع: وهي تساعد الأعداء على المزيد من السيطرة على هذه الأُمَّة، وتهبط بالأُمَّة إلى الأسفل؛ ولـذلك ينبغي أن تحظى مثل هذه المناسبة، وغيرها من المناسبات التي تُذَكِّرنا برسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”:

  • أن تكون محطة للاستهداء، والاستلهام، والهداية.
  • وأن تحظى بالاهتمام.

………………………

الهجرة دروس وعبر

أخذ العبرة من المجتمع المكي والمدني

1-مجتمع مكة الذي خسر شرف مناصرة الرسالة الإلهية، وذلك بسبب:

  • أنه مجتمع مادي وطمَّاع.
  • الارتباط بالولاء والاتّباع لأصحاب السلطة والثروة “الملأ المستكبرون”.

2- مجتمع يثرب (الأوس والخزرج) الذين سمَّاهم الله بـ(الأنصار)، وما تأهلوا به لنيل هذا الشرف الكبير من مواصفات عظيمة.

الهجرة ارتباط بالرسالة والرسل

فهي محطة تاريخية مرتبطةً بالرسول محمدٍصلوات الله عليه وآله-، وبمسيرته وحركته بالرسالة الإلهية، وبالتالي ارتباط بالأنبياء وبمنهج الله بما في هذا المنهج من القيم والتعاليم والأخلاق والمبادئ العظيمة التي فيها السعادة للبشرية، وفيها الحلول لكل مشاكلها.

الهجرة نقطة تحول في تاريخ البشرية

مثَّلت الهجرة انتقالاً جديداً، ومرحلةً جديدةً فارقة في تاريخ البشرية، وليس فقط للمسلمين؛ لأن الإسْلَام هو دين الخلاص للبشرية جمعاء، فهو إرث كُلِّ الأنبياء: نوحٍ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى.

الهجرة محطة للاستفادة من سيرة الرسول صلوات الله عليه وآله

فالأمة الإسلامية في حاجة ماسّة إلى الاستفادة من سيرة رسول الله محمد-صلوات الله وسلامه عليه وآله-فهو قدوتنا، وهو أسوتنا، وهو هادينا، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى:

  • الاستفادة من سيرته.
  • الاهتداء بهديه.
  • الاقتداء به.
  • العودة إلى مسيرة حياته ومسيرة دعوته وجهاده.

الهجرة النبوية عنوانها الأكبر: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}

وهذا هو العنوان الذي تحتاجه الأمة في مواجهة كل التحديات، فالأمة ستعلو وتصمد في مواجهة أعدائها، بقدر تمسكها بكلمة الله، وثباتها على نهجه الحقّ.

الهجرة النبوية النواة الأولى للأمة الإسلامية المتحررة من سيطرة الطواغيت

ويمكن لأمتنا الإسلامية بدروس الهجرة ونتائجها الكبرى، التي كان في مقدمتها: تكوين النواة الأولى للأمة الإسلامية، المتحررة من سيطرة كل طواغيت الأرض، أن تواجه كل مساعي الأعداء من الكافرين والمنافقين، الذين يحاولون إخضاع الأمة للتبعية التامة لهم.

وهذا هو ما تحتاجه الأمة المجاهدة في الثبات والنفس الطويل في معركة الإسناد والتي على قائمة أهدافها استهداف السفن الصهيونية أو المرتبطة بها، التي تسطر فصولها بفضل الله وتأييده قواتنا البحرية والصاروخية وسلاح الجو المسير في البحار والمحيطات، نصرة للشعب الفلسطيني، وإسناداً لطوفان الأقصى.

ذكرى الهجرة محطة سنوية للمراجعة وتصحيح المسار

في نهاية العام ومع بداية عام جديد يجب أن يقف المؤمن مع نفسه وقفة يحاسب فيها نفسه، فيقف على:

  • سلوكياته الإيجابية وما قدّم في عامه من خير، فيحمد الله على ذلك.
  • سلوكيات سلبية (تقصير- تفريط- ضياع للوقت- هدر للمال – ذنوب- معاصي- …الخ) فيقف عندها ويستغفر الله تعالى من كل ذلك.
  • العزم على تصحيح المسار نحو الأفضل بما يرضي الله تعالى.
  • التخلص من السلبيات وتعزيز الإيجابيات، بما يحقق للمؤمن تقدما سلوكيا ملموسا في كل عام
  • ولا يتحقق ذلك إلا بالالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه وملازمة الدعاء والتضرع إلى الله بالتوفيق.

……………………

قد يعجبك ايضا