اليمنيات يُحيين ذكرى ميلاد الزهراء بفعاليات جماهيرية ومسيرات حاشدة في مختلف المحافظات
مسيرات نسائية حاشدة في اليمن إحياءً لذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام
متابعات ـ جميل الحاج
شهدت المحافظات اليمنية خلال الساعات الماضية حراكاً نسائياً واسعاً وفعاليات جماهيرية لافتة تزامناً مع الاحتفال بذكرى ميلاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، وهو الحدث الذي يمثل لدى المرأة اليمنية مناسبة إيمانية وروحية متجددة تتجسد فيها القيم الرفيعة والقدوة المحمدية الأصيلة.
وقد اكتسبت هذه المناسبة طابعاً خاصاً هذا العام، ليس فقط من حيث اتساع رقعة المشاركة النسائية في مختلف المحافظات، بل من حيث الرسائل الإيمانية والسياسية التي حملتها الفعاليات والخطابات والوقفات الاحتجاجية، والتي أكدت ارتباط المرأة اليمنية بهويتها الإيمانية، ورفضها لكل محاولات طمس وعيها أو استهدافها عبر الحرب الناعمة وأدوات التضليل الثقافي والفكري.
وتنوعت الأنشطة في مختلف المدن والقرى ما بين مسيرات وفعاليات خطابية ووقفات تضامنية، إضافة إلى عروض فنية وإنشادية شاركت فيها زهرات المسيرة، لتجسد عظمة المناسبة ومكانة الزهراء في وجدان المجتمع اليمني، وفي قلب المرأة المسلمة التي تنشد في سيرتها القدوة العليا في الإيمان والصبر والجهاد والأخلاق.
وقد أكد القائمون على هذه الفعاليات أن إحياء ذكرى ميلاد الزهراء ليس مجرد طقس احتفالي، بل محطة تربوية وروحية تستمد منها الأسرة والمجتمع القيم التي تسهم في تحصين الهوية الإيمانية وترسيخ الوعي، خصوصاً في ظل ما تتعرض له المرأة العربية والإسلامية من استهداف ممنهج يهدف إلى سلخها عن دينها وأصالتها.
وأبرزت الفعاليات النسوية هذا العام تضامناً واسعاً مع أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وبقية الأراضي المحتلة، حيث تخللت العديد من الأنشطة وقفات احتجاجية نددت بجرائم العدو الصهيوني، والدعم الأمريكي المفتوح لآلة القتل التي تستهدف النساء والأطفال والمدنيين في غزة.
كما دانت مختلف الكلمات مواقف بعض الأنظمة العربية المتماهية مع المشروع الصهيوني، معتبرة أن صمتها أو تخاذلها عن نصرة القضية الفلسطينية يمثل انحداراً أخلاقياً وتاريخياً خطيراً، في الوقت الذي تتحرك فيه الشعوب الحرة بدافع إنساني وإيماني نصرةً لفلسطين.
وانطلقت هذه الفعاليات الممتدة من صنعاء وصعدة إلى إب والحديدة وتعز والمحويت وريمة والجوف، وغيرها من المحافظات التي لبّت فيها المرأة اليمنية نداء المناسبة بوعي وروح إيمانية عالية.
وتصدر المشهد حضور نسائي غير مسبوق في الفعالية المركزية بصنعاء، التي اكتظّت ساحاتها بالآلاف من النساء، مجسدة التفاعل الشعبي الكبير مع هذا الحدث الإسلامي المهم، ومؤكدة أن ارتباط اليمنيين بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله هو ارتباط عقائدي وثقافي راسخ في الوجدان.
ولم تقتصر الفعاليات على المشاركات الشعبية، بل شملت الجانب الرسمي الذي عبّر عن حضوره عبر برامج تدريبية ولقاءات ثقافية تهدف إلى تعزيز الوعي بدور المرأة في المجتمع وفق الرؤية الإيمانية الأصيلة.
فقد نظّمت وزارة الثقافة والسياحة ورشة تدريبية للكوادر النسائية، ركّزت على مكانة المرأة في الإسلام، ودورها الحيوي في البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي، فيما أحيت جامعة 21 سبتمبر ومستشفى السبعين مناسبات خطابية حملت معاني تربوية وروحية مستمدة من سيرة الزهراء عليها السلام.
وأجمعت الكلمات الصادرة عن مختلف الفعاليات على أن إحياء ذكرى ميلاد الزهراء يمثل إعلاناً متجدداً عن تمسك المرأة اليمنية بالهُوية الإيمانية، ورفضها لأي مشاريع تستهدف قيمها أو تسعى لخلخلة دورها التربوي والاجتماعي والإنساني.
وشددت المتحدثات على أن الزهراء عليها السلام ستظل القدوة الأرقى والنموذج الأكمل للمرأة في كل زمان، وأن الاقتداء بسيرتها يمثل ضمانة حقيقية لحماية المرأة من الانجراف خلف النماذج الغربية المزيّفة التي تسوّقها القوى الاستكبارية تحت مسمى “التحرر” أو “الانفتاح”.
ولم تغب القضية الفلسطينية عن هذه المسيرات، إذ حملت المرأة اليمنية بصوتها وهتافها موقفاً واضحاً في دعم المقاومة ورفض الاحتلال، مجددة تأكيدها على أن فلسطين بالنسبة لليمنيين ليست مجرد قضية سياسية، بل هي قضية إيمانية ترتبط بمبادئ العدل والكرامة التي أرستها الزهراء عليها السلام في مسيرتها.
كما أعاد البيان الختامي للفعاليات التأكيد على استمرار حملة المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، باعتبارها سلاحاً شعبياً ناجعاً أثبتت نتائجه الملموسة في إضعاف اقتصاد العدو.
وتأتي هذه الاحتفاءات في سياق لحظة تاريخية حساسة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل للمواقف والتحالفات، وظهور موجة تطبيع علنية تبنتها بعض الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، وهو ما اعتبرته الكلمات الصادرة في الفعاليات انحداراً خطيراً يسعى لطمس هوية الأمة وفتح الباب أمام مشاريع تهدف لاحتلال الوعي قبل الأرض.
وفي المقابل، أكد المشاركون أن اللغة التي يجب أن تتحدث بها الأمة هي لغة الصمود والتمسك بالحق، مستلهمة من سيرة فاطمة الزهراء قيم التضحية والثبات.
وهكذا، شكّلت فعاليات ذكرى ميلاد الزهراء عليها السلام هذا العام لوحة وطنية وإيمانية تعكس الدور الريادي للمرأة اليمنية في صون الهوية، والدفاع عن قضايا الأمة، والوقوف سدّاً منيعاً في مواجهة المشاريع التي تستهدف المجتمع من بوابة المرأة.
وبدا واضحاً من حجم المشاركة وزخم الفعاليات أن المناسبة أصبحت إحدى أهم المحطات الروحية التي يتعزز فيها الوعي الجمعي، ويتجدد فيها العهد بالسير على خطى آل بيت رسول الله، والتمسك بالقيم التي رسّختها سيدة نساء العالمين.
وفي هذا السياق، أصدر المشاركون في المسيرات والفعاليات بياناً ختامياً أكد الالتزام بالسير على منهج السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والدفاع عن قيم الحق والعدالة، والوقوف ضد كل محاولات الإفساد والاستهداف الثقافي والأخلاقي.
كما جدد البيان التفويض للقيادة ممثلة بالسيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وأعلن الاستعداد الكامل للتضحية في سبيل الأمة وقضاياها وفي مقدمتها تحرير المسجد الأقصى، إلى جانب الاستمرار في المقاطعة الاقتصادية ورفع الجهوزية لأي مواجهة مقبلة مع العدو الصهيوني أو الأمريكي.
وبهذا، تكون المرأة اليمنية قد قدّمت في هذه الذكرى نموذجاً جديداً من الوعي والحضور والمسؤولية، مؤكدة أن دورها لم يعد محصوراً في المجال الاجتماعي، بل أصبح شريكاً رئيسياً في صناعة الوعي وصياغة الموقف الوطني والإيماني في لحظة مصيرية من تاريخ الأمة.