بألسنة الجنرالات: “باريس تحت وقع الاعترافات.. البحر الأحمر يسقط أسطورة التفوق البحري الغربي

في البحر الأحمر، لم تعد المواجهة مجرد انتشار بحري تقليدي، بل تحولت إلى معركة حقيقية أعادت صياغة قواعد الصراع البحري. هناك، حيث واجهت القوات البحرية الغربية هجمات القوات اليمنية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ارتفع مستوى التوتر إلى أقصى حد، وأصبح كل اشتباك اختبارًا قاسيًا لقدرة الأطقم على الصمود تحت النار.
لقد كشفت هذه المعركة أن الضغط النفسي يمكن أن يفتت رباطة الجأش، وأن الأخطاء قد تقع بسهولة في بيئة مكتظة بالتهديدات. من الفرقاطات الفرنسية التي واجهت وابل الهجمات، إلى سفن الدعم الهولندية والبريطانية، خرج القادة العسكريون باعترافات صريحة: زمن الاستعداد التقليدي انتهى، والبحر الأحمر كشف هشاشة الجاهزية وأجبر الجميع على إعادة التفكير في كل شيء، من التدريب إلى التكنولوجيا، ومن الحرب السيبرانية إلى خطر النيران الصديقة.
هذه ليست مجرد تجربة عابرة، بل صرخة إنذار بأن البحر الأحمر أصبح ساحة معركة حقيقية، وأن القوات اليمنية فرضت واقعًا جديدًا على البحار، واقعًا يختبر حدود القوة ويعيد رسم قواعد الحرب البحرية العالمية. وفي هذا السياق 

شرعت البحرية الفرنسية في تشديد برامج تدريب أطقمها بهدف تعزيز جاهزية البحارة لمواجهة ضغوط الاشتباك المباشر، وذلك عقب عمليات الانتشار في البحر الأحمر حيث استهدفت القوات اليمنية السفن الحربية الغربية وحركة الملاحة التجارية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.

خلال مؤتمر باريس البحري هذا الأسبوع، أوضح الكابتن جيروم هنري – رئيس قسم تدريب أفراد البحرية السطحية – أن البحرية الفرنسية تجري تجارب محاكاة جديدة تهدف إلى وضع الأطقم في “مواقف متزايدة التوتر”. هنري، الذي قاد سابقًا الفرقاطة ألزاس وتعرض لهجمات متكررة في البحر الأحمر، أكد أنه يوظف خبراته الميدانية لتقوية الأطقم وإعدادها لمواجهة ظروف القتال عالية الكثافة.

وأشار هنري في حديثه  لموقع ديفنس نيوز في الــ من فبراير الحالي إلى أن الضغط الشديد يفقد الأفراد جزءًا من رباطة جأشهم ويؤدي إلى ما يُعرف بـ”ضيق الأفق”، مضيفًا أن التحدي يكمن في كيفية إعداد الأطقم لمثل هذه الظروف. وأوضح أن التعديلات التدريبية تشمل رفع معدل ضربات القلب عبر الجري أو تمارين الضغط قبل دخول أجهزة المحاكاة، إضافة الضوضاء والدخان وأسراب الطائرات المسيّرة، وإدخال أعطال متعمدة في الأسلحة لزيادة الحمل الحسي.

وبيّن هنري أنه استلهم هذه الأساليب من تدريبات الكوماندوز البحرية الفرنسية، ويسعى للاستفادة من خبرات القوات الأمريكية والإسرائيلية في هذا المجال. وأكد أن الهدف هو رفع مستويات التوتر “إلى أقصى حد ممكن” لضمان ردود فعل صحيحة في الميدان، مشيرًا إلى أن التجربة في البحر الأحمر أظهرت خطورة فقدان السيطرة تحت الضغط.

من جانبه، شدد  الأدميرال هارولد ليبريجز – قائد البحرية الملكية الهولندية – على أن أهم درس مستفاد من البحر الأحمر هو ضرورة الاستعداد الدائم، موضحًا أن زمن الاستعداد بعد مغادرة الميناء قد انتهى، وأن كل شيء يجب أن يكون واقعيًا منذ البداية. ولفت إلى أن الضابط بول بيليفيلد، الذي قاد سفينة الدعم كاريل دورمان خلال انتشارها في البحر الأحمر، أصبح اليوم قائد التدريب البحري، لينقل الدروس المستفادة إلى الجيل الجديد.

أما الكابتن برايان مكافور – نائب مساعد رئيس أركان الحرب المعلوماتية في البحرية الملكية البريطانية– فقد أقر بأن القوات البحرية الغربية تفتقر إلى خبرات القتال عالي الكثافة، مشيرًا إلى أن تقلص عدد السفن ومشاكل الصيانة أثرت على مستوى التدريب. ودعا إلى استثمار أكبر في التدريب القتالي للحفاظ على “روح القتال”، مستشهدًا بأن الفترة منذ حرب الفوكلاند أطول من الفترة الفاصلة بين تلك الحرب والحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل القوات أقل جاهزية. كما أشار إلى أن غرق الطراد الروسي موسكفا في البحر الأسود يذكّر الغرب بضرورة الاستعداد لمواجهة سيناريوهات مشابهة في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي أو شمال الأطلسي.

وأضاف هنري أن البحر الأحمر مثّل أيضًا “إعادة اكتشاف” للتهديدات منخفضة المستوى، مع التركيز على الأسلحة الصغيرة والدفاعات متعددة الطبقات، بما في ذلك التشويش والصواريخ الخفيفة والموجهة بالليزر. وأوضح أن تمرين الطائرات المسيّرة السنوي “وايلدفاير” ركّز على خطر التشبع بالنيران واحتمال وقوع أخطاء في بيئة مزدحمة.

كما تعمل البحرية الفرنسية على تقليل الانبعاثات اللاسلكية أثناء التدريبات، والاعتماد على انبعاثات العدو لبناء الوعي الظرفي، إضافة إلى تقليل الاعتماد على أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية باستخدام أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي ورصد النجوم. وأشار هنري إلى تمارين “العودة إلى الثمانينيات” التي تتضمن التخلي عن الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والاكتفاء براديو HF وUHF، مع الحرص على الاقتصاد في تبادل المعلومات.

وفي السياق ذاته، حذّر الكابتن فلوريان الأحدب – قائد الفرقاطة الفرنسية لانغدوك – من أن الحرب السيبرانية قد تفقد القوات البحرية قدراتها “في أسوأ لحظة ممكنة”. وأكد أن الاستعداد لمثل هذه الاحتمالات يتطلب تدريبات تحاكي فقدان الاتصالات والاعتماد على أساليب قديمة. وأضاف أن بحارة اليوم يعكسون واقع المجتمع المعاصر، وقد يواجهون صعوبة في العمل بدون الأدوات الحديثة، مشددًا على أن هذا التحدي يستحق الاستكشاف بجدية.

الاعترافات حول البحر الأحمر

القائد المنصب الاعترافات/التصريحات المرتبطة بالبحر الأحمر
الكابتن جيروم هنري رئيس قسم تدريب أفراد البحرية السطحية الفرنسية – قائد سابق للفرقاطة “ألزاس” – استند إلى تجربته في البحر الأحمر حيث تعرضت فرقاطته لهجمات متكررة.
– أكد أن الضغط الشديد يفقد الأطقم رباطة جأشها ويصيبهم بضيق الأفق.
– شدد على ضرورة إعداد الأطقم لمواجهة القتال عالي الكثافة عبر تدريبات تحاكي التوتر الشديد.
– أدار تمرين الطائرات بدون طيار “وايلدفاير” مستفيدًا من دروس البحر الأحمر حول خطر النيران الصديقة.
الأدميرال هارولد ليبريجز قائد البحرية الملكية الهولندية – أبرز أن أهم درس من البحر الأحمر هو ضرورة الاستعداد الدائم.
– أشار إلى أن الزمن تغيّر ولم يعد هناك وقت للاستعداد بعد مغادرة الميناء؛ يجب أن يكون كل شيء واقعيًا منذ البداية.
– ذكر أن بول بيليفيلد، قائد سفينة الدعم “كاريل دورمان” خلال انتشارها في البحر الأحمر، أصبح قائد التدريب البحري لنقل الدروس المستفادة.
الكابتن برايان مكافور نائب مساعد رئيس أركان الحرب المعلوماتية في البحرية الملكية البريطانية – أقر بأن القوات البحرية الغربية تفتقر إلى خبرات القتال عالي الكثافة، وهو ما ظهر في البحر الأحمر.
– أشار إلى أن التدريب يتقلص مع تناقص عدد السفن ومشاكل الصيانة.
– أكد أن البحر الأحمر أعاد التركيز على التهديدات منخفضة المستوى مثل الأسلحة الصغيرة والدفاعات متعددة الطبقات.
الكابتن فلوريان الأحدب قائد الفرقاطة الفرنسية “لانغدوك” – ربط تجربة البحر الأحمر بضرورة الاستعداد لانقطاع الاتصالات أو فقدان التكنولوجيا الحديثة.
– شدد على أن الحرب السيبرانية قد تفقد القوات قدراتها في “أسوأ لحظة ممكنة”.
– أكد أن تدريبات شبيهة بالثمانينيات ضرورية لمواجهة التحديات التي ظهرت في البحر الأحمر.
القادة الغربيون أجمعوا على أن عمليات اليمن في البحر الأحمر غيّرت مفاهيم القتال البحري، وأجبرت القوى الغربية على إعادة تقييم عقيدتها العسكرية، مع التركيز على التدريب تحت الضغط، الاستعداد الدائم، والتعامل مع تهديدات غير متماثلة تشمل المسيّرات والصواريخ الباليستية.

 

قد يعجبك ايضا