باحثون وخبراء: العدوان السعودي ضد مطار صنعاء يطلق مرحلة مواجهة جديدة… والرد اليمني يكسر قواعد الاشتباك ويؤسس لـ “ردع استراتيجي” ينتزع الحقوق بالقوة
بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، تواصل الإرادة اليمنية رسم ملامح الصمود في وجه واحدة من أطول وأقسى صور الحصار والعقاب الجماعي. وفي الوقت الذي بذلت فيه صنعاء جهوداً لحصر بوصلتها العسكرية نحو إسناد غزة ومواجهة الكيان الصهيوني، واصلت الرياض التنصل من التزامات “خارطة الطريق” ومماطلة استحقاقات إنهاء الحصار، مستغلة حرص اليمن الإنساني لتصعيد عقود المماطلة، قبل أن تتجه نحو مرحلة أشد خطورة باستهدفها المباشر لمطار صنعاء الدولي؛ الأمر الذي أعاد الأزمة إلى نقطة الانفجار المفصلي.
ولم يتأخر الرد اليمني كثيراً؛ حيث جاء استهداف مطار “أبها” السعودي وتحذير شركات الطيران من اختراق الأجواء السعودية، كرسالة صريحة تُعلن نهاية قواعد اللعبة القديمة، وتؤكد أن كلفة الحصار لن تظل محصورة داخل الحدود اليمنية بعد اليوم.
وفي استقراء للتطورات العسكرية والسياسية، يجمع مراقبون وسياسيون من لبنان والعراق وإيران على أن التصعيد السعودي الأخير أدخل المنطقة في مرحلة مواجهة مفتوحة، تفرض فيها القوات المسلحة اليمنية معادلات جديدة تستند إلى جاهزية قتالية، وإلتفاف شعبي، وتطورات إقليمية تعيد هيكلة موازين القوى.
تكتيك خاطئ والتحام جيوسياسي: الرياض تُسقط أوهام بكين
في هذا السياق، يرسم الكاتب والباحث السياسي اللبناني، الدكتور وسيم بزّي، أبعاد المشهد الإقليمي المتوتر، مؤكداً أن قصف مطار صنعاء أسقط ما تبقى من أوهام حول حقيقة الموقف السعودي، خاصة وأن هذا التصعيد جاء في وقت كان يُفترض فيه أن تشكل الرحلات الإنسانية لإعادة العالقين ونقل المرضى جسراً لحسن النوايا بعد سنوات من هدنة أبريل.
ويوضح “بزّي” أن سلوك الرياض ينسجم مع السياق الإقليمي العام المتمثل بالعدوان على غزة وإيران والوصاية على لبنان، مشيراً إلى أن التصعيد الأخير كشف أن “مسار بكين” لم يُغير من جوهر المقاربة الاستراتيجية السعودية، بل وضعها مجدداً في قلب معادلة الحصار.
الغارات على مطار صنعاء تفضح الموقف #السعودي وتضع التحالف في مواجهة جديدة مع اليمن
♦️ د. وسيم بزي – كاتب وباحث سياسي#الحصار_بالحصار pic.twitter.com/G7SswUU9hT
— قناة المسيرة (@TvAlmasirah) July 13, 2026
التحام ميداني مرتقب: يرى بزّي أن التطورات التراكمية تؤسس لـ “أول التحام ميداني مباشر بين إيران واليمن” بأبعاد جيوسياسية وعسكرية واسعة. ويُحذر من أن تداخل معركة “مضيق هرمز” مع معركة “باب المندب” سينعكس فوراً على الاقتصاد الغربي والأمريكي، مشدداً على أن الخليج بمياهه ودوله سيكون في قلب المواجهة القادمة، وأن السعودية ستكون المتضرر الأكبر إذا ما استمرت منشآتها النفطية ومطاراتها في دائرة الاستهداف، نتيجة الارتهان للقرار الأمريكي-الإسرائيلي.
الأخطاء الثلاثة: هل فتحت السعودية على نفسها “أبواب جهنم”؟
من جانبه، يقدم الباحث العراقي في الشؤون الإقليمية، نجاح محمد علي، قراءة تفكيكية للموقف السعودي، مؤكداً أن الرياض ارتكبت ثلاثة أخطاء استراتيجية قاتلة بنسفها قواعد التهدئة:
#السعودية ترتكب ثلاثة أخطاء تكتيكية واستراتيجية وسياسية بقصف مطار صنعاء، وتكشف منشآتها النفطية لضربات #اليمن
♦️ نجاح محمد علي – باحث بالشؤون الإقليمية#الحصار_بالحصار pic.twitter.com/RSZeCADnpq
— قناة المسيرة (@TvAlmasirah) July 13, 2026
الخطأ التكتيكي: منح صنعاء المبرر القانوني والأخلاقي المباشر للانخراط في أي مواجهة إقليمية شاملة تحمي الأمن القومي وتصون حق الدفاع عن النفس.
الخطأ الاستراتيجي: الانكشاف الاقتصادي؛ كون السعودية تعتمد كلياً على تصدير النفط، مما يجعل منشآتها الحيوية هدفاً سهلاً ومكشوفاً، متجاهلة بذلك مكاسب انضمامها لجهات دولية مثل “بريكس” و”شنغهاي”.
الخطأ السياسي: الإصرار على البقاء تحت العباءة الأمريكية-الإسرائيلية، في وقت يتجه فيه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب.
ويؤكد “محمد علي” أن ضرب مطار أبها لم يكن سوى “رسالة تمهيدية”، وأن المعادلة لم تعد محصورة في قاعدة “المطار بالمطار”، بل إن الملفات باتت مترابطة بين اليمن، العراق، لبنان، وفلسطين، ما يُمهد لمرحلة قد تنهي الحصار المفروض على اليمن كلياً وبقوة السلاح.
الحقوق تُنتزع بالقوة: العقاب السعودي وثمن الخيار الإبراهيمي
وفي سياق متصل، يرى الباحث والكاتب الإيراني، محمد غروي، أن الاستهداف والحصار المستمرين منذ 11 عاماً ليسا سوى “عقاب سياسي” تُمارسه الرياض بضغط أمريكي إسرائيلي؛ نتيجة موقف اليمن التاريخي والواضح في إسناد المقاومة في غزة.
ويكشف “غروي” عن تقارير تشير إلى إشارات سعودية للعودة إلى مسار “الاتفاقات الإبراهيمية” والتطبيع، وهو ما جعل العدوان على الأجواء اليمنية والمنافذ الإنسانية جزءاً من تقديم الأوراق الميدانية لهذا المحور.
مؤكداً في الوقت ذاته أن معادلة اليوم قائمة على قاعدة أن “الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالقوة”، وأن تراجع النفوذ الأمريكي-الصهيوني في المنطقة بعد أحداث السابع من أكتوبر يفرض على الشعب اليمني والمنطقة استثمار هذه اللحظة التاريخية لكسر الهيمنة، وفرض واقع جديد يُنهي الحصار ويضمن سيادة الشعوب على أرضها ومنافذها.
خلاصة التقرير: يجمع التحليل السياسي على أن اليمن، بجهوزيته العسكرية وشعبيته المتماسكة، يملك اليوم زمام المبادرة لتثبيت معادلات ردع جديدة؛ حيث أثبتت ردود الفعل الميدانية الأخيرة أن استمرار الحصار وإغلاق المنافذ الإنسانية سيحول الإقليم برمته إلى ساحة مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها على القوى المحاصِرة.