ترامب: مقاول الخراب بعباءة “المنقذ”
عبدالرحمن الحمران –
ما إن أطلّ الطاغية ترامب معلناً عن تشكيل ما يسمى “مجلس السلام في غزة”، حتى انخرطت عواصم عربية في سباقٍ محموم للترحيب والتهليل، وكأن الرجل قد هبط عليهم ببركات السماء لا بآلات الدمار, إنها مفارقة موجعة؛ أن يتحول القاتل في عيونهم إلى “فرصة”، ومجرم الحرب إلى “مغيث الشرق الأوسط”, هذا الاحتفاء ليس نتاج قناعة سياسية بقدر ما هو صدى لرعبٍ دفين، وتطبيل جماعي لا يجرؤ أحد على كسر إيقاعه، في مشهد يختصر هوان الأمة وبؤس خياراتها.
المنطق يقول إن الرجل الذي أشرف على إسقاط أكثر من مائة ألف طن من المتفجرات فوق غزة، لا يمكن أن يكون هو نفسه “مهندس السلام”, أيُّ سلام هذا الذي يُشيد فوق أشلاء أجساد الأطفال؟ وأي يدٍ تلوّح بالسلام وهي ذاتها التي ضغطت على زر الإبادة الجماعية لعامين؟ إن المأساة الحقيقية تكمن في الذاكرة العربية التي أصيبت بعطبٍ متعمد، لتتقبل المجرم في ثوب المنقذ.
إن هذا المجلس في جوهره ليس مبادرة دبلوماسية، بل هو “شركة عقارات” كبرى؛ يترأسها مقاول معلِن، ويدير كواليسها سماسرةٌ من طينة كوشنير, إننا أمام أكبر مناقصة إعادة إعمار في التاريخ الحديث، حيث المال سيتدفق لترامب، والفاتورة عربية مدفوعة رغمًا، والضحية فلسطينية لم تُستشر بل ترفض الوصاية أصلاً.
ترامب لا يسابق الزمن لإنقاذ غزة، بل يسابق المال الخليجي لإنقاذ أرصدته المالية عبر “صفقة العمر”.
وهنا يتجلى الخضوع العربي في أبشع صوره؛ إذ يطالب ترامب بالمليارات تلو المليارات، محولاً الدور السياسي إلى “اشتراك مالي إلزامي”, الجميع يرتعد تحت سوط التهديد، مسكونين بذعر “الخيار الفنزويلي”، حيث الرسالة الأمريكية فجة وواضحة: “ادفعوا صاغرين، وإلا فمصير مادورو ينتظركم”, إنه ابتزاز يُمارس ضد أمة تملك كل أدوات القوة، لكنها تختار التبعية.. إلا من رحم الله.
ففي الوقت الذي سقطت فيه عواصم في فخ الخضوع التام، برز اليمن كاستثناءٍ يكسر هذه القاعدة, هنا حيث القيادة القرآنية التي لا ترتعد فرائصها أمام التهديدات, وقف اليمن موقفًا مشرفًا وواجه الهيمنة الأمريكية, وسطّر بفعله العسكري وموقفه السياسي الصامد ما عجزت عنه جيوشٌ وجغرافيا شاسعة، معلناً للعالم أن غطرسة أمريكا لا تُخيف من رضعوا العزة من الثقافة القرآنية، وأن ما يراه العالم عصًا غليظة ليس سوى قشة في نظرهم.
إن المجد لا يُكتب بمداد التخاذل، بل ينتمي حصراً لأولئك القابضين على جمر غزة بأيدٍ عارية، ولأولئك الذين ساندوهم بصدق في اليمن وغيرها دون خوف من وعيد أمريكا والكيان الصهيوني.. المجد لمن لا ينتظر سلاماً يصنعه القتلة.. فالمستقبل لا ينتظر الخائفين، بل يُكتب بدم المجاهدين الصامدين في غزة وعنفوان المدافعين عن كرامتها، الذين يخطون بآلامهم ما يعجز الجبناء عن صياغته بحبر العالم أجمع.