ترامب يمدد 5 أيام للتهديد وإيران تؤكد أن عينها على الميدان

ترامب يمدد 5 أيام للتهديد بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية ويتحدث عن اتفاق وشيك

إيران تؤكد أن عينها على الميدان والجاهزية لرد مزلزل وبرميل النفط إلى ال90$

ناصر قنديل

بعدما وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدا مرفقا بمهلة 48 ساعة بتدمير البنية التحتية لإنتاج الطاقة في إيران، عاد وقبل انتهاء المهلة بساعات يعلن تمديدها لخمسة أيام مع الكشف عن فرصة لاتفاق وشيك مع إيران ينهي الحرب ويضمن الاستقرار، لكن الخبراء والوسطاء يقولون، لم يُمدّد دونالد ترامب مهلة التهديد خمسة أيام لأنه اقترب من اتفاق، بل لأنه وصل إلى الجدار الذي اسمه سوق الطاقة. كل محاولات التهدئة التي سبقت فشلت: السحب من الاحتياطيات، التساهل مع تدفق النفط الروسي، وغضّ النظر عن بعض قنوات النفط الإيراني، وحتى استدعاء الحلفاء للمشاركة في “فتح المضيق” لم ينتج قدرة فعلية على كسر المعادلة. وعندما اقتربت لحظة تنفيذ تهديد ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، كان واضحًا أن الضربة لن تبقى إيرانية–أميركية، بل ستتحول فورًا إلى حرب على الطاقة في الإقليم كله، لأن طهران أعلنت بوضوح أن الرد سيكون على منشآت الطاقة والملاحة والتكنولوجيا في الخليج، بما يعني تعميم الظلام وتعطيل الإنتاج خلال وقت قياسي، وضرب منصات الغاز والنفط ومحطات الكهرباء في اسرائيل، وصولًا إلى ما وصفته بإعادة البنية التحتية في إسرائيل إلى “ما قبل العصر الصناعي”. هنا لم يعد السؤال: من ينتصر عسكريًا؟ بل: كيف سينفجر سعر النفط؟ لأن الخبراء يجمعون أن أي انزلاق من هذا النوع سيدفع البرميل إلى قفزة متسارعة تبدأ من عتبة 200 دولار وقد تلامس 300 وما فوق. لذلك جاء خطاب “الاتفاق الوشيك” كأداة لشراء الوقت، لا كتعبير عن واقع تفاوضي، ولم يتأخر السوق عن تلبية لب ترامب فقال كلمته فورًا: تراجع السعر من نحو 115 إلى حدود 95، مع قابلية للهبوط نحو 90 خلال يومين إذا استمر مناخ التهدئة. هذه هي وظيفة الأيام الخمسة: هدنة للسوق يختبر فيها ترامب كيف يمدّد الهدوء، قصيرًا أو طويلًا، قبل أن يقرر إن كان سيعود إلى حافة الانفجار أو يكتفي بإدارته.

في القراءة المتداولة داخل دوائر المتابعة، لا يقتصر هدف ترامب على تهدئة السوق عبر “إبرة” الأيام الخمسة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تموضع سياسي مزدوج يخاطب به إسرائيل والرأي العام الأميركي معًا. خطاب “تحقيق الأهداف” في لحظة الاستعداد لصفقة غير واضحة المعالم بعد، يفتح الباب أمام مخرج وسط قد لا يكون نصرًا حاسمًا ولا هزيمة، بل هدنة مُقنّعة بعنوان تنظيم وضع مضيق هرمز. في هذه الصيغة، تستطيع واشنطن الاحتفال بـ“فتح المضيق” كإنجاز استراتيجي، فيما تحصل إيران على مكسب بديل: تكريس دورها في إدارة المرور البحري وربما فرض رسوم عبور بدل التعويضات المباشرة ورفع شامل للعقوبات. لكن هذه الصيغة، رغم إغرائها، لا تحل المعضلة بل تعيد توزيعها: فإذا ذهب ترامب إلى هدنة هرمز أو اتفاق يراعي الشروط الإيرانية، يواجه أزمة مع إسرائيل التي سترى نفسها تدفع ثمن إنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها الكاملة؛ وإذا عاد إلى تنفيذ التهديد، ينفجر سوق الطاقة ويصبح الثمن عالميًا واقتصاديًا يتجاوز القدرة على الاحتمال. هكذا يبقى ترامب عالقًا بين خيارين أحلاهما مُرّ: إرضاء السوق على حساب إسرائيل، أو إرضاء إسرائيل على حساب السوق، فيما كل الاحتمالات تقود إلى واقع أكثر تعقيدًا لا إلى حل نهائي.

رواية ترامب والاحتمالات

نقاط على الحروف

كان المشهد عند حافة الانفجار: تهديد صريح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف بنية الطاقة الايرانية خلال 48 ساعة ما لم يتم فتح مضيق هرمز بصورة نهائية وكاملة، والتهديد في تناقض مع مواقفه السابقة التي استثنت هذا القطاع، وصولا الى تحذير رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من فعل ذلك، ما أعطى الانطباع بقرار تصعيدي مفاجئ. ومع اقتراب انتهاء المهلة، خرج بصيغة “هوليوودية” معلنًا اقتراب التوصل إلى اتفاق، كأنه يبدّل مسار الحدث في اللحظة الأخيرة. بعدما كان السيناريو المرجّح واضحًا: ضربة أميركية لمنشآت الطاقة، رد إيراني واسع، انفجار متسلسل في المنطقة يجرّ معه سوق الطاقة إلى قفزة غير قابلة للاحتواء، قد تدفع بالأزمة إلى نقطة يصعب العودة منها.

لكن بينما كان ترامب يتحدث بلغة الواثق معلنا تأجيل الضربة خمسة أيام متحدثًا عن “محادثات مثمرة” و”اتفاق وشيك” يقترب من حسم معظم النقاط، ملوّحًا بالعودة إلى القصف إذا فشل المسار السياسي؛ نفت إيران وجود مفاوضات مباشرة أصلًا، وأكدت أن أي وقف للحرب مشروط برفع الضغوط والعقوبات واحترام شروطها السيادية، معتبرة التصريحات الأميركية جزءًا من حرب نفسية لتهدئة سوق الطاقة، كاشفة عن مساع يقوم بها الوسطاء لا زالت في مرحلة تبادل الأوراق حول وجهات نظر الفريقين لا أكثر، اكدت خلالها ايران شروطها المعلنة لفتح مضيق هرمز و شروطها المعلنة لوقف الحرب، ؛ أما الوسطاء، وخصوصًا عبر قنوات عُمانية وتركية وباكستانية ومصرية باطلاع بريطاني، فكانوا يتحدثون عن اتصالات غير مباشرة واستكشاف أفكار، لا عن اتفاق جاهز، ويؤكدون أن الفجوات لا تزال كبيرة وأن مهلة الأيام الخمسة أقرب إلى محاولة كسب وقت وتهدئة الأسواق منها إلى مرحلة حسم نهائي.

ما يقوله دونالد ترامب لا يمكن قراءته بالوقائع، بل كرواية متخيّلة تُصاغ بعناية لإنتاج المصداقية. هذه المصداقية ليست هدفًا بحد ذاته، بل أداة موجّهة إلى ثلاثة أطراف محددة. الطرف الأول هو سوق الطاقة، حيث يشكّل خفض التوتر شرطًا مباشرًا لتهدئة الأسعار ومنع الانفجار المالي، ولذلك جاء الحديث عن “اتفاق وشيك” و”نقاط متفق عليها” كرسالة طمأنة للأسواق قبل أن يكون توصيفًا دقيقًا لواقع مسار تفاوضي. الطرف الثاني هو إسرائيل، التي يحتاج ترامب إلى تحييدها عن معارضة تراجعه عن خيار التصعيد، فيقدم لها التبرير السياسي لاستيعاب التخلي عن الحرب كفرضية، فيُقال لها إن نتائج الحرب تحققت وأن الاتفاق هو ثمرة الضربات لا بديل عنها. أما الطرف الثالث فهو الداخل الأميركي، حيث يسعى ترامب إلى تثبيت معادلة مفادها أن الاتفاق لم يكن ممكنًا لولا استخدام القوة، وأن ما يجري هو استثمار للنصر العسكري لا تراجع عنه.

في هذا السياق، تبدو مهلة الأيام الخمسة بمثابة “إبرة مهدّئ” مؤقتة، لكنها تفتح على احتمالين متناقضين. الأول أن ينجح ترامب في إنتاج اتفاق تقبل به إيران، وعندها تنكشف هشاشة الرواية أمام إسرائيل والداخل الأميركي، لكنه يكون قد ضمن استقرار السوق وتفادي الانهيار الاقتصادي. أما الاحتمال الثاني فهو التمسك بشروط تُبقي إسرائيل راضية وتحفظ له صورة القوة داخليًا، حتى لو أدى ذلك إلى فشل التفاوض. هنا يصبح الذهاب إلى الكونغرس ممكنًا تحت عنوان “استنفاد الحلول السياسية”، خصوصًا أنه لا يزال يصف ما جرى بـ”عملية عسكرية” لا حربًا مكتملة، ما يتيح الانتقال لاحقًا إلى تصعيد أكبر. لكن في هذه الحالة، سيكون ثمن الفشل انفجارًا أعنف في سوق الطاقة والمال لا طاقة لترامب على احتوائه، وهو اخترع روايته المتخيلة سعيا لتفادي هذا الانفجار.

في العمق، القوة التي ترعب ترامب ليست إسرائيل ولا الداخل الأميركي، بل السوق. ومع ذلك، لا يستطيع تقديم تنازلات بحجم ما تطلبه إيران، فيذهب إلى خيار “نصف الاتفاق”: ضمانات بعدم العودة إلى الحرب، وحصر المرحلة الأولى بوقف إطلاق النار، سحب القوات، وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل صيغة بديلة عن التعويضات تقوم على منح إيران دورًا في تنظيم الملاحة وربما رسوم عبور، بدل رفع شامل للعقوبات. غير أن سلوك ترامب يترك دائمًا باب المغامرة مفتوحًا؛ فقد يعود إلى التصعيد لفترة محدودة، يختبر خلالها خيارًا بريًا بعد استكمال الحشود، مستفيدًا من مهلة الأيام الخمسة كغطاء زمني لوصول قوات البر. وإذا فشل الرهان، يمكنه أن يعلن وقفًا أحاديًا للنار ويقدّم ذلك كنصر، كما فعل في تجارب سابقة.

تبقى العقدة الأهم خارج هذا الإطار: إسرائيل. فإذا قررت واشنطن الخروج من الحرب أو تجميدها، تجد تل أبيب نفسها أمام سؤال وجودي: كيف تواصل المعركة دون الغطاء الأميركي؟ وكيف تبرر الخروج من حرب أسمتها بالوجودية لم تنته بإسقاط النظام في إيران ولا بتصفية قدراته النووية والصاروخية، هنا تتكشف حدود القوة الإسرائيلية، ويتحوّل أي “اتفاق ناقص” إلى بداية أزمة استراتيجية لا إلى نهاية حرب

قد يعجبك ايضا