تنسيق يمني – إيراني حول المفاوضات: صنعاء تهندس خطواتها التالية
في ظلّ تصاعد المواجهة الإقليمية، تبرز “وحدة الساحات” كواقع عملي يعكس تنسيقاً غير مسبوق بين أطراف المحور، وسط اندفاعة يمنية لافتة للمشاركة، بما يعيد رسم أدوار المنطقة وتوازناتها.
لم تكن فكرة “وحدة الساحات” أكثر حضوراً وقبولاً ممّا هي عليه الآن في سياق العدوان على إيران ولبنان، إذ بلغ الانسجام والتنسيق بين مكوّنات هذا المحور درجة غير مسبوقة، سواء على المستوى القيادي أو الشعبي. ووصل الأمر إلى حدّ تراجعت معه الخصوصيات الوطنية، على أهميتها، أمام شعور عام بأن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة تاريخية للتخلّص من الهيمنة والارتهان للقوى الكبرى. كما أن النتائج التي تحقّقت بفعل الصمود، عزّزت لدى كلّ من حواضن أطراف المحور، القناعة بأنها ليست مجرّد طرف في مواجهة عسكرية، بل شريك فعلي في إعادة تشكيل نظام عالمي متعدّد الأقطاب، تكون فيه إلى جانب الشعوب الأخرى، على قدم المساواة، لا في موقع التبعية أو الهامش.
وفي هذا السياق، لا تبدو حماسة اليمنيين للمشاركة في مواجهة العدوان على إيران ولبنان، أقلّ من اندفاعهم السابق لمساندة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وفي خصوص قرار حركة “أنصار الله” خصوصاً الانخراط في الحرب، فهو ينطلق من طبيعة التكوين الفكري والسياسي للحركة، التي ترى في الهيمنة الأميركية على العالم العربي أصلاً للأزمة ومصدراً لفقدان السيادة والقرار المستقلّ. ولا يبدو مُبالَغاً فيه القول إن كثيراً من القيادات اليمنية، ومعها شرائح شعبية واسعة، لم تكن راضية عن سياسة “النفَس الطويل” واستراتيجية الاحتواء التي حكمت أداء محور المقاومة قبل “طوفان الأقصى”. لا بل إن هذه القوى كانت تدفع في اتجاه مراجعة تلك المقاربة، انطلاقاً من قناعة بأن المواجهة المباشرة باتت أكثر جدوى من الاستمرار في الانتظار والاستنزاف.
وعندما سنحت فرصة مساندة غزة، لم تجِد القيادة اليمنية حاجة إلى بذل جهد كبير لتبرير الانخراط في المعركة ضدّ إسرائيل، ثم ضدّ الولايات المتحدة في البحر الأحمر، نظراً إلى أن هذا الخيار كان منسجماً أصلاً مع رؤيتها الفكرية والسياسية للصراع في المنطقة. وفي سياق العدوان على إيران ولبنان، لا تتوقّف الاندفاعة الشعبية اليمنية عند حدود التفاعل الرمزي أو الحضور في الساحات، بل تتجاوز ذلك إلى ممارسة ضغط متزايد على القيادة من أجل توسيع الانخراط في المواجهة، بما ينسجم مع الدور الذي يطمح اليمن إلى لعبه في الخارطة السياسية المقبلة، وبما يتلاءم مع موقعه الجغرافي وثقله الحضاري والتاريخي.
إذا فشلت المفاوضات، فإن الأنظار ستّتجه إلى الممرات البحرية التي تمتلك فيها أطراف «المحور» أوراق ضغط استراتيجية
على أن اللافت أن المشاركة اليمنية في المعركة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتدّ إلى مجالات متعدّدة، في مقدّمتها الإعلام والفضاء الافتراضي ومنصّات التواصل الاجتماعي. وفي هذا المجال، لعب الناشطون اليمنيون دوراً بارزاً في تعويض الفارق الذي تفرضه اللغة بين إيران والجمهور العربي، وذلك عبر نقل سردية “المحور” إلى الرأي العام العربي بقدر كبير من الوعي والذكاء. ونجح هؤلاء في مخاطبة شرائح واسعة من الشعوب العربية، وخصوصاً في دول الخليج، حيث يتقن اليمنيون فهم المزاج الشعبي وآليات التأثير فيه.
وفي خلفية هذا المشهد، يُقدِّر اليمنيون عالياً موقف إيران، رسمياً وشعبياً وعسكرياً، خلال سنوات الحرب التي قادتها السعودية والإمارات بدعم أميركي على بلدهم على مدى ثماني سنوات. فطهران، من وجهة النظر اليمنية، كانت العاصمة الوحيدة التي وقفت إلى جانب صنعاء على الرغم من الضغوط الكبيرة والكلفة السياسية والعسكرية المترتّبة على هذا الموقف. وفي المقابل، تبدو السردية الأميركية والخليجية التي قامت على اتهام حركة “أنصار الله” بالتبعية الكاملة لإيران، أقلّ قدرة على الصمود أمام الوقائع التي أفرزتها الأحداث. فقد ثبُت أن العلاقة بين أطراف “المحور” تقوم على تكامل الأدوار في القضايا المشتركة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية كلّ طرف وحساباته الوطنية.
وفي هذا السياق، يترقّب اليمن باهتمام كبير مآلات المفاوضات الجارية عبر الوسيط الباكستاني، آملاً في إفشال أهداف العدوان على دول “المحور”. كما يراقب التطورات الميدانية والسياسية بدقّة، في ظلّ ما يُقال عن وجود تنسيق دائم وإحاطات مستمرة بين القيادتَين الإيرانية واليمنية بشأن مجريات التفاوض.
أمّا إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود، فإن الأنظار ستتّجه مجدداً إلى الميدان، وتحديداً إلى الممرات البحرية التي تمتلك فيها أطراف “المحور” أوراق ضغط استراتيجية. وهنا، تراهن صنعاء على تفعيل عناصر القوة التي تحوزها، سواء من خلال قدراتها العسكرية أو عبر الاستفادة من موقع اليمن الجغرافي المطلّ على باب المندب – بالتوازي مع الدور الإيراني في مضيق هرمز -، وهو ما سيفتح الباب أمام تنسيق أوسع يهدف إلى الضغط على الخصوم وإفشال أهدافهم الاستراتيجية.
وبالفعل، توحي المؤشرات الميدانية بأن المؤسسة العسكرية الأميركية تتعامل مع مسألة “باب المندب” بحذر شديد، على الرغم من أن المضيق لم يُغلق فعلياً حتى الآن. وبحسب تقارير أميركية، فإن حاملة الطائرات “جورج بوش”، وهي آخر حاملات فئة “نيميتز” النووية ودخلت الخدمة عام 2009، التفّت حول أفريقيا أثناء توجّهها إلى الشرق الأوسط، بدل العبور المباشر في باب المندب. ويمكن قراءة تغيير مسار بهذا الحجم بوصفه اعترافاً ضمنياً بأن الممرّات البحرية لم تعُد آمنة كما في السابق، حتى بالنسبة إلى القوة التي كانت تعدّ نفسها صاحبة السيطرة المطلقة عليها، أي الولايات المتحدة.
لقمان عبدالله الإثنين 20 نيسان 2026