جمعة رجب.. محطة إيمانية متجذّرة تؤكد الهوية الدينية لليمنيين وعمق انتمائهم للإسلام

أول جمعة من رجب.. ذكرى دخول اليمنيين في الإسلام
مناسبة دينية عريقة وطقوس اجتماعية أصيلة
صوت اليمن.. نصرة فلسطين امتداد للإيمان والهوية

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

تُعدّ المناسبات الدينية في اليمن جزءاً أصيلاً من الوجدان الشعبي والهوية الحضارية التي حافظ عليها اليمنيون عبر القرون، ومن بين تلك المناسبات، تبرز الجمعة الأولى من شهر رجب الحرام كحدث استثنائي له دلالته الروحية والتاريخية العميقة، إذ يقترن بذكرى دخول أهل اليمن في الإسلام على يد مبعوث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، الإمام علي بن أبي طالب ” كرم الله وجهه”.

ولا يقتصر هذا اليوم على كونه ذكرى تاريخية، بل يتجاوز ذلك ليصبح مناسبة تُجدد فيها القيم الإيمانية، وتُستحضر فيها الفضائل، وتُعزز العلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية التي اعتاد اليمنيون التعبير عنها عبر طقوس دينية وشعبية راسخة.

ولأن لهذه المناسبة أثراً بالغاً في ترسيخ الهوية الإيمانية ومواجهة حملات التغريب والحرب الناعمة، فإن إحياءها كل عام يشكل إعلاناً شعبياً بالتمسك بالدين والقيم، وتجديداً لروح الانتماء للدعوة المحمدية، وترسيخاً للموقف اليمني الثابت في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

أول جمعة من رجب.. ذكرى دخول اليمنيين في الإسلام

يُحيي الشعب اليمني الجمعة الأولى من شهر رجب لارتباطها الوثيق بمرحلة مفصلية في تاريخهم، حين حمل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ” كرم الله وجهه” رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، فتوافدوا لسماع دعوة الحق واستقبلوها بقلوب منفتحة، ليدخلوا في دين الله أفواجاً.

وقد اعتبر المؤرخون هذا الحدث نقطة تحول كبرى في تاريخ الإسلام، إذ أسهم اليمنيون بعد إسلامهم في نشر الدين الإسلامي في أصقاع واسعة، وكان لهم دور راسخ في الفتوحات وبناء الدولة الإسلامية، ونصر أئمة اهل البيت.

ولذلك لا يتعامل اليمنيون مع هذه المناسبة كمجرد ذكرى، بل ينظرون إليها كعيد ديني خالص، يحتفلون فيه بنعمة الهداية، ويشكرون الله على ما أكرمهم به، ويستعيدون فيه علاقتهم المتينة بالرسالة المحمدية والهوية الإيمانية.

ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء الإيماني لدى شعبنا

أكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – في خطابة بمناسبة حلول جمعة رجب العام 1445هـ أن من أهم الجوانب المرتبطة بهذه المناسبة، هو الاعتزاز بتلك الصفحة المشرقة من تاريخ شعبنا العزيز؛ صفحة تُعد من أنصع صفحات التاريخ، لما تمثله من دور كبير وتحول مفصلي نحو الاتجاه الصحيح في الإسلام، بكل ما يحمله الإسلام من قدسية وأهمية وعظمة. ولذلك فإن استحضار ذلك التاريخ المشرف يُعد عنصرًا جوهريًا في وعي الأمم والشعوب وهويتها.

وأضاف السيد القائد أن من أبرز ما تتطلبه هذه المناسبة أيضًا هو العمل على ترسيخ الهوية الإيمانية وتعزيز الانتماء الإيماني لدى شعبنا، وهو أمر يحتاج إلى جهود تربوية وتثقيفية متواصلة، وإلى اهتمام عملي على مختلف المستويات. فالإنسان، كما أوضح، بحاجة دائمة إلى تربية ووعي وإرشاد، وإلى التزام عملي يُسهم في الارتقاء الإيماني، وفي تربية الجيل الناشئ وحمايته من محاولات الاستهداف التي تطال انتماءه الإيماني من قبل المنحرفين والمحرفين.

وأشار كذلك إلى خطورة الحرب الناعمة الشرسة التي تستهدف الإنسان المسلم اليوم في وعيه وثقافته وفكره وأخلاقه وقيمه وتوجهاته ومواقفه، بل وحتى في مظهره وعاداته وتقاليده، في استهداف شامل وغير مسبوق، وبوسائل لم يشهد لها التاريخ مثيلًا. ومن هنا تأتي أهمية ملاحظة هذا الجانب خلال فعاليات شهر رجب، وفي إطار الأنشطة التثقيفية والتربوية المرتبطة بهذه المناسبة، باعتباره جانبًا شديد الأهمية ولا بد من التنبّه له والعمل على مواجهته.

مناسبة دينية عريقة وطقوس اجتماعية أصيلة

تُعدّ جمعة رجب مناسبة ذات خصوصية يمنية فريدة، إذ يُقبل الناس على إحيائها بالصلوات، والابتهالات، والمدائح النبوية، والموشحات الدينية، إضافة إلى زيارة الأقارب وصلة الأرحام وتبادل التهاني وذبح الذبائح وأعانه المساكين والفقراء.

ويؤكد الباحثون أن إحياء هذه المناسبة يمثل تجديداً للعهد مع القيم والمبادئ الإسلامية، واستحضاراً للتاريخ الإيماني الذي تحلى به اليمنيون منذ القدم، كما يعبر اليمنيون في هذا اليوم عن فرحتهم المتوارثة، باعتباره يوماً من أيام الله، لا يقل أهمية عن عيدي الفطر والأضحى.

الهوية الإيمانية.. مرتكز الصمود في وجه التحديات

رغم محاولات الأعداء لطمس الهوية اليمنية والإساءة إلى ثقافتها الإسلامية الأصيلة، لا يزال اليمنيون متمسكين بهويتهم الإيمانية التي حفظت لهم ثباتهم وقوتهم أمام العدوان الخارجي والحرب الناعمة.

ويشير المفكرون إلى أن الاستهداف المستمر لليمن منذ عقد من الزمن يهدف بالدرجة الأولى إلى ضرب هذه الهوية المتجذرة، لما تمثله من حصانة روحية وفكرية تجعل اليمنيين عصيين على الاختراق والهيمنة.

لكن إحياء جمعة رجب كل عام يؤكد أن هذه الهوية ما تزال حية وراسخة، وأن الشعب اليمني مستمر في حماية قيمه ورفض الخنوع، تماماً كما فعل أسلافه عند دخولهم الإسلام وهم يستجيبون للحق دون تردد.

صوت اليمن.. نصرة فلسطين امتداد للإيمان والهوية

يظهر أثر الهوية الإيمانية اليمنية بوضوح في المواقف العملية، خصوصاً في نصرة الشعب الفلسطيني في غزة.. فقد وقف اليمنيون موقفاً مشرفاً لم يسبق له مثيل، عبر الدعم والإسناد وعمليات القوات المسلحة التي كسرت الحصار وأربكت العدو الصهيوني وحلفاءه.

ويؤكد محللون أن صمود اليمنيين في مواجهة التحالف العدواني طوال السنوات الماضية، وتفردهم بالموقف الداعم لفلسطين، هو ثمرة طبيعية للهوية الإيمانية التي تحرك ضمير الأمة وتمنحها القوة والصلابة.

حب أهل البيت في هذه المناسبة

تحمل جمعة رجب أيضاً دلالات ترتبط بحب اليمنيين لأهل البيت عليهم السلام، خصوصاً الإمام علي الذي حمل إليهم رسالة الإسلام ومدحه لهم في شعره الشهير:

“لو كنت بواباً على باب جنة… لقلت لهمدان ادخلوا بسلام”.

كما أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكانة أهل اليمن حين قال ثلاث مرات: “السلام على همدان”، وهو ما يعكس موقع هذا الشعب في قلب الرسالة المحمدية.

ولا تزال هذه العلاقة الروحية المتصلة بأهل البيت تشكل جزءاً مهماً من شخصية اليمني ووعيه الديني.

الاهتمام الرسمي والشعبي بإحياء جمعة رجب

تشهد هذه المناسبة اهتماماً متزايداً منذ ثورة 21 سبتمبر، بفضل توجيهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ الذي دعا إلى إحياء هذه المناسبة المباركة سنوياً، وترسيخ قيمها في نفوس الأجيال.

ويؤكد مراقبون أن هذا الاهتمام أسهم في إحياء مظاهر الاحتفال التقليدية وتعزيز وعي المجتمع بقيم الهوية الإيمانية التي حاولت الأنظمة السابقة إضعافها.

حيث تحظى المناسبة باهتمام شعبي ورسمي كبير، حيث تُحييها مختلف الشرائح كذكرى تاريخية وإيمانية هامة لدخول أهل اليمن في الإسلام أفواجاً، وتتجسد في فعاليات دينية ومحاضرات في المساجد، وزيارات وتجمعات، وتُعتبر مناسبة لتجديد الهوية الإيمانية والاعتزاز بالقيم والمبادئ الإسلامية الأصيلة، وتأكيد الارتباط العميق بالرسالة المحمدية، خاصة مع تزامنها مع تحديات راهنة.

القضية الفلسطينية في صدارة دلالات المناسبة

في ظل المتغيرات السياسية المعاصرة، تكتسب جمعة رجب أهمية مضاعفة، إذ تتزامن مع مرحلة المواجهة المفتوحة مع العدو الصهيوني في فلسطين.

ويؤكد قادة الفكر أن إحياء هذه المناسبة هو تجديد للعهد بمواصلة الجهاد حتى تحرير الأرض المحتلة، ورسالة للعالم بأن موقف اليمن ثابت لا يخضع للضغوط ولا يلين أمام التهديدات.

وشدّد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ في محاضرته الأخيرة بالمناسبة على أهمية استلهام قيم التضحية والإخلاص التي برزت عند دخول اليمنيين الإسلام، وعلى ضرورة نقل هذه القيم إلى الأجيال الجديدة لمواجهة التحديات الثقافية والسياسية.

كما أكد أن الارتباط بالهوية الإيمانية يعزز مناعة المجتمع ويمنحه القدرة على الصمود في وجه الهيمنة الخارجية، وربط بين تلك القيم والموقف اليمني المشرّف تجاه فلسطين.

التمسك بالمبادئ طريق القوة والغلبة

يرى أبناء اليمن أن من يحمل الهوية الإيمانية لا يخشى مواجهة الأعداء، وأن كل ما تم تطويره من قدرات عسكرية وإرادة شعبية إنما هو ثمرة من ثمار الانتماء الديني والاعتماد على الله.

ويجدد اليمنيون في هذه المناسبة رفضهم الخضوع للقوى المتجبرة، مؤكدين استعدادهم للمواجهة المباشرة مع الأمريكي والبريطاني والصهيوني، باعتبار ذلك شرفاً وموقفاً يعبّر عن الإيمان والرسالة.

هذا وتمثل جمعة رجب محطة سنوية تتجدد فيها الروح الإيمانية لليمنيين، وتترسخ فيها ذاكرتهم الدينية والحضارية، ويُستعاد فيها الموقف الأول لأجدادهم الذين دخلوا في دين الله بمجرد أن عرفوا الحق.

ومع ارتباطها بالقضايا الكبرى للأمة، وفي مقدمتها فلسطين، تتحول هذه المناسبة إلى رسالة واضحة بأن اليمن ما يزال وفياً لدوره التاريخي في نصرة المستضعفين، ثابتاً على قيمه، متمسكاً بهويته الإيمانية التي كانت وما تزال منبع القوة والصمود.

قد يعجبك ايضا