حسن طهراني مقدم.. العقل الذي أذلّ الغطرسة الصهيو-أمريكية
أسطورة أم حقيقة؟
في إحدى ليالي أكتوبر 2024، وبينما كانت صواريخ إيرانية فرط صوتية تخترق الأجواء باتجاه أهداف إسرائيلية، توافدت جماهير من الإيرانيين على مقبرة بهشت زهرا في طهران. لم يأتوا لزيارة مقام ديني أو ضريح تاريخي، بل لزيارة قبر رجل كُتب عليه – كما أوصى قبل موته – “هنا مدفن شخص أراد تدمير إسرائيل”. ذلك الرجل هو حسن طهراني مقدم، الذي مات قبل ثلاثة عشر عاماً لكن صواريخه لم تمت معه.
هذه ليست قصة رجل عادي، وليست مجرد سيرة ذاتية لمهندس عسكري. هذه قصة الرجل الذي حوّل إيران من دولة تستجدي السلاح إلى قوة صاروخية إقليمية، والأهم: كيف استطاع أن يبني منظومة علمية وعسكرية استمرت في النمو حتى بعد رحيله.
الولادة من رحم الحرب
عندما وُلد حسن طهراني مقدم في 28 أكتوبر 1959 في حي سرچشمه بطهران، لم يكن أحد يتوقع أن هذا الطفل الذي نشأ في أسرة متواضعة – والده خياط – سيصبح يوماً ما كابوس إسرائيل الأبدي. لكن الثورة الإيرانية عام 1979 غيّرت مجرى حياته جذرياً. في التاسعة عشرة من عمره، لم يكن طهراني مقدم يصنع الشعارات فحسب، بل كان يصنع المتفجرات بيديه في أقبية طهران.
الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) كانت المحطة الحاسمة. إيران تواجه عراقاً مدججاً بأحدث الأسلحة السوفيتية والأمريكية، وهي محاصرة دولياً بعد أزمة الرهائن الأمريكيين. في هذا الوضع اليائس، التحق طهراني مقدم بالحرس الثوري المتشكل حديثاً وعمره 21 عاماً فقط.
ما حدث بعدها يفسر كيف تُولد العبقرية من رحم اليأس. في عام 1982، أسس أول وحدة مدفعية للحرس الثوري من مدافع عراقية غُنمت في المعارك. لكن ذلك لم يكن كافياً أمام “حرب المدن” التي شنّها صدام حسين بصواريخ سكود على المدن الإيرانية.
السفر إلى دمشق: بداية الحلم المستحيل
في أكتوبر 1984، سافر طهراني مقدم إلى سوريا على رأس وفد عسكري إيراني للقاء حافظ الأسد. في دمشق، للمرة الأولى في حياته، رأى صواريخ “سكود-ب” السوفياتية عن قرب. بحسب شهادات رفاقه، وقف طهراني مقدم أمام هذه الصواريخ كطفل يرى لعبة أحلامه لأول مرة، وقال جملته الشهيرة: “سنصنع مثل هذه وأحسن منها”.
لم يكن الأمر مجرد حلم رومانسي. بدأ طهراني مقدم رحلة محمومة للبحث عن التكنولوجيا الصاروخية من أي مصدر ممكن. ليبيا القذافي زودت إيران بـ30 صاروخ سكود، لكن الفنيين الليبيين حاولوا ابتزاز إيران بحجب المعلومات الفنية. ماذا فعل طهراني مقدم؟ خلال أقل من شهرين، تمكن هو وفريقه من تشغيل هذه الصواريخ بمفردهم.
في فبراير 1985، أُطلق أول صاروخ إيراني باتجاه كركوك العراقية. للمفارقة، رفض الخبراء الليبيون إطلاق الصاروخ قائلين إنه “غير آمن”. لكن طهراني مقدم اتخذ القرار بنفسه وضغط الزر. نجح الإطلاق، وولدت القوة الصاروخية الإيرانية رسمياً.
الهندسة العكسية: من سكود إلى شهاب
ما لا يعرفه الكثيرون أن طهراني مقدم لم يكن مجرد مهندس ينفذ أوامر، بل عالماً يؤمن بفلسفة الاكتفاء الذاتي. بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على الصواريخ المستوردة، قرر تفكيك صواريخ سكود قطعة قطعة لفهم سرها.
العملية كانت شاقة ومحفوفة بالمخاطر. في مركز الأبحاث الذي أسسه في الأهواز عام 1982، عمل فريقه ليل نهار لفك ألغاز التكنولوجيا الصاروخية. النتيجة؟ في عام 1987، تم تصميم صاروخ “نازعات” – أول صاروخ إيراني بالكامل بمدى 120 كيلومتر.
لكن طهراني مقدم كان يحلم بأكبر من ذلك. هدفه كان صنع صواريخ بمدى يتجاوز 1000 كيلومتر – المسافة الفاصلة بين إيران وإسرائيل. رحلة إلى روسيا انتهت بخيبة أمل كبيرة عندما رفض الروس بيع صواريخ متطورة لإيران. عاد طهراني مقدم وهو يقول لزملائه: “سنصنع صواريخنا بأنفسنا، وسيأتي الروس ليشتروها منا”.
التحالف مع كوريا الشمالية: الشراكة السرية
في أوائل التسعينيات، بدأت إيران عن خطوط سرية تدعم خطواتها في مجال تطوير الصواريخ، ويقال أن طهراني مقدم سافر شخصياً إلى بيونغ يانغ عدة مرات، وأقام علاقات وثيقة مع العلماء الكوريين الشماليين. هذا التعاون أثمر عن صاروخ شهاب-3، الذي كُشف عنه رسمياً عام 2003 بمدى 2000 كيلومتر.
كانت المشكلة التي تواجه طهراني هي دقة الصواريخ كان يصر على أن تكون نقطوية في عام 2008، حقق إنجازاً تقنياً كبيراً بتطوير صاروخ “سجيل” العامل بالوقود الصلب بدلاً من الوقود السائل، مما جعل الصواريخ الإيرانية أسرع في التحضير وأصعب في الاعتراض.
النهاية الغامضة: حادث أم اغتيال؟
في 12 نوفمبر 2011، هز انفجار قوي قاعدة عسكرية في بيدغنه غرب طهران. القتلى كانوا 17 شخصاً، من بينهم حسن طهراني مقدم نفسه. الرواية الرسمية تحدثت عن “حادث أثناء نقل الذخيرة”، لكن التكهنات لم تتوقف حول تورط الموساد الإسرائيلي.
الكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان أكد في كتابه “اقتل أولاً” أن مقتل طهراني مقدم كان جزءاً من حملة اغتيالات إسرائيلية ضد العلماء الإيرانيين. حقيقة أم لا، لكن التوقيت كان مريباً: طهراني مقدم كان يعمل على مشروعه الأخير – صاروخ حامل أقمار اصطناعية رباعي المراحل يعمل بالوقود الصلب واسمه “قائم”.
الإرث الذي لم يمت: من شهاب إلى فتاح
بعد 13 عاماً على استشهاد طهراني مقدم، تبدو إيران اليوم قوة صاروخية إقليمية بامتياز. الصواريخ التي بدأها طهراني مقدم تطورت إلى عائلات كاملة: شهاب، قدر، سجيل، خرمشهر، وأخيراً صواريخ “فتاح” فرط الصوتية التي استُخدمت في الهجمات على إسرائيل.
العجيب أن رؤية طهراني مقدم تتحقق اليوم حرفياً. الصواريخ الإيرانية لا تهدد إسرائيل فحسب، بل تصل إلى قواعد أمريكية في الخليج والعراق. حلفاء إيران في لبنان واليمن وغزة يستخدمون تقنيات طورها طهراني مقدم أو تلاميذه.
ففي معارك “الوعد الصادق”، وتحديداً في نسختها الرابعة، لم يكن حسن طهراني مقدم مجرد ذكرى عابرة، بل كان “القائد التقني” الذي أدار المعركة من خلف ستار الزمن. إن المشاهد التي حبست أنفاس العالم وهي ترى الصواريخ تخترق الغلاف الجوي وتتجاوز الرادارات الأكثر تطوراً، وتدك القواعد الأمريكية في المنطقة وكذلك الأراضي المحتلة الأكثر تحصينا بمجموعة من أنظمة الدفاع الجوي الأكثر تطورا والتي يتباهى بها العدو الإسرائيلي لم تكن إلا الترجمة الميدانية لمعادلات وضعها طهراني في وقت كان فيه الحلم يبدو مستحيلاً.
تجلى حضور طهراني في “الوعد الصادق 4” من خلال ملمحين بارزين:
- تكتيك “الإشباع والخرق”: كان طهراني مقدم أول من آمن بضرورة تطوير صواريخ قادرة على المناورة في مراحلها الأخيرة. في “الوعد الصادق 4″، رأينا كيف عجزت منظومات (آرو) و(ومقلاع داوود) عن التصدي للصواريخ فرط الصوتية والمناورة، وهي التقنيات التي وضع “أبو الصواريخ” نواتها الأولى بهدف كسر التفوق الدفاعي الغربي في المنطقة.
- عقيدة “المطر الصاروخي”: إن القدرة على إطلاق مئات الصواريخ في وقت واحد وبتنسيق زمني مذهل هي الثمرة المباشرة لبرامج “المدن الصاروخية” تحت الأرض التي أسسها طهراني. لم تعد الصواريخ مجرد سلاح ردع، بل تحولت إلى أداة للهجوم الدقيق الذي يفرض معادلات جديدة على الأرض.
“إن الصواريخ التي أضاءت سماء فلسطين المحتلة كانت تحمل بصمات أصابع طهراني مقدم؛ فكل انفجار أصاب قاعدة عسكرية معادية، كان صدىً لقوله الشهير: (اكتبوا على قبري هنا يرقد رجل أراد محو إسرائيل).”
لقد أثبتت “الوعد الصادق 4” أن تلامذة طهراني لم يكتفوا بالحفاظ على إرثه، بل نقلوه من مرحلة “التجربة” إلى مرحلة “السيادة الجوية الكاملة”، ليصبح اسم طهراني مقدم هو الكابوس الحاضر في كل غرفة عمليات معادية تحاول اعتراض الصواريخ الإيرانية.
هل كان رجلاً أم منظومة؟
السؤال الأهم: هل كان طهراني مقدم عبقرية فردية، أم كان يمثل منظومة فكرية وعلمية أكبر منه؟ الإجابة معقدة. من جهة، كان طهراني مقدم شخصية استثنائية بلا شك. قدرته على التعلم الذاتي، وبصيرته الاستراتيجية، وإصراره على الاكتفاء الذاتي، كلها صفات شخصية نادرة.
لكن من جهة أخرى، نجح طهراني مقدم في بناء مدرسة علمية كاملة. تلاميذه وورثته استمروا في تطوير برامجه حتى بعد رحيله. هذا ما يفسر لماذا لم تتأثر القوة الصاروخية الإيرانية بفقدانه، بل استمرت في النمو والتطور.
الخلاصة: الرجل الذي أرعب إسرائيل
اليوم، عندما تنطلق صواريخ إيرانية من إيران أو لبنان أو اليمن باتجاه إسرائيل، فإن روح حسن طهراني مقدم تحضر في كل منها، الرجل الذي استشهد قبل 13 عاماً ما زال يكتب فصولاً جديدة في معادلات القوة الإقليمية.
ربما هذا هو السر في أن مقبرته تشهد زخماً شعبياً كلما اشتدت المواجهة مع إسرائيل. الإيرانيون لا يزورون ضريح عالِم استشهد، بل يزورون رمزاً حياً لفكرة الاكتفاء الذاتي وإعداد القوة التي جعلت من إيران رابع أقوى دولة في العالم ومرغت خلال 40 يوم من الحرب وجه أمريكا أقوى دولة في العالم والتي تخشاها دول العالم.
لقد أثبتت معركة “الوعد الصادق 4“ حقيقة جيوسياسية كبرى: وهي أن مواجهة الغطرسة “الصهيو-أمريكية“ ليست ممكنة فحسب، بل هي واقع يفرض نفسه مهما تعاظمت التحديات. فبالرغم من جدار العقوبات الصلب والحصار الخانق المفروض على إيران منذ أكثر من 40 عاماً، استطاعت هذه الدولة أن تدهش العالم بأسره، حين نجحت في تحويل التهديدات إلى فرص، لتلقن واشنطن وحلفاءها درساً بالغ القسوة في فنون الردع والسيادة.
إن هذا النجاح الميداني يثبت أن “الغطرسة” التي تعتمد على التفوق التكنولوجي والمادي يمكن كسرها بـ “إرادة التصنيع“؛ فالحصار الذي أُريد منه خنق إيران، صار هو نفسه الدافع الأكبر للإبداع والاعتماد على الذات، لتخرج الصواريخ من تحت أنقاض العقوبات، وتصيب كبرياء المنظومات الدفاعية الأكثر تعقيداً في مقتل.
في النهاية، قصة الشهيد حسن طهراني مقدم الذي يلقب بـ (أبو البرنامج الصاروخي الإيراني) ليست مجرد سيرة شخصية لمهندس عسكري، بل هي درس وجودي في كيفية تحويل الضعف إلى قوة مدمّرة، والحصار إلى دافع للاختراق والتميز.
الرجل الذي بدأ بصناعة متفجرات بدائية في أقبية طهران في ظروف مستحيلة، انتهى به المطاف ليصنع صواريخ لا تكتفي بضرب الأهداف، بل تغيّر خريطة الصراع في الشرق الأوسط وتعيد رسم موازين القوى العالمية. لقد غاب طهراني مقدم جسداً، لكن صواريخه اليوم هي التي تتحدث بلسان “المستضعفين” في وجه طغيان القوى الكبرى.
وربما هذا هو أعظم انتصاراته: أن صواريخه لم تمت معه، بل استمرت في النمو والتطور، لتذكر العالم أن الأفكار الكبيرة لا تموت بموت أصحابها.