إيران وأسئلة عميقة

فؤاد البطاينة

حرب أمريكا وكيان الاحتلال على إيران، بمشاركة دول المنطقة، انتهت بفشل أهدافها الحقيقية، وربما للأبد، من واقع استيعاب أن إيران لن تكون لقمة سائغة ولا عقبة سهلة أمام أمركة وصهينة المنطقة يمكن إزالتها. فإيران لم تسعَ لوقف إطلاق النار ولا للتفاوض في وسط الحرب، بل تجاوبت مع طلب أمريكا في ذلك وعلى شروطها هي كمنتصرة، وهو ما لم يكن متوفراً لها قبل هذه الحرب. ولنتذكر أنها انتصرت بدون سلاح نووي تمتلكه لتهدد به. وبهذا الانتصار أحبطت مشاريع تاريخية وضخمة مصممة للمنطقة على حساب العرب والإسلام كدين عالمي.

إيران ما كانت منذ عام 1977 إلا واضحة وشفافة في سياستها الدولية وفي أهدافها، وما كانت إلا أمينة ومخلصة وودية ومتسامحة مع الدول العربية، وساعية للتعاون معها في بناء منظومة أمن وحماية ذاتية مشتركة للإقليم. وبينما الأنظمة العربية متأكدة من هذا، فقد سعت للتشكيك بإيران وافتعال الخلافات معها رعباً وخضوعاً للإرادة الأمريكية. وربما تكون حماس قد أخطأت بعدم تنسيقها مع محور المقاومة قبل شنها حرب الطوفان. وبنفس السياق، ربما أن إيران قد أخطأت عندما لم تدخل الحرب مباشرة مع غزة. لكن اتضح أن في هذا درساً وعبرة للإخوة والرفاق، أنهت الجدلية بنصر من الله لمن صدقوه تعالى.

وقد اضطرت إيران أن تحمل راية طوفان الأقصى بدون المقاومة الغزية الفلسطينية، ولكن وهي مستفيدة من تحقيق المقاومة الغزية لأهدافها المعلنة، وذلك في وضع كيان الاحتلال بين خيارين: إما رحيله عن فلسطين، وإما تعرية حقيقته وكشف طبيعته ليكون في مواجهة مع العالم. وبالفعل، فقد كان رفض أوروبا والأطلسي للمشاركة بالحرب على إيران قائماً على أسباب، أهمها بأن الحرب هي حرب إسرائيل التي انكشفت لها طبيعتها النازية والعنصرية، وبأنها لا تريد أن تكون لها فلسطين مجرد دولة محتلة معترفاً بها، بل منصة نحو أطماع لها تفوق أطماع النازية خطراً.

إيران اليوم هي في وضع هو الأقوى في تاريخها الحديث، انتزعته من صمودها وركام تضحياتها. هذا الركام الذي لم تجد أمريكا، في عهد ترامب، سواه سبباً لادعائها بالنصر والانسحاب من الحرب ومن تهديداتها الغامضة، متجاهلة الركام المادي والبشري والسياسي الذي أصاب كيان الاحتلال، ومتناسية ركام اقتصاد أمريكا وأوروبا والعالم الذي صنعته إيران بصمودها في مواجهة حرب عليها غير متكافئة ووجودية. وهذه كانت قنبلتها النظيفة. إنها حققت أكبر انتصار لدولة في العالم، وعلى مر التاريخ، في حرب غيرت مفاهيم الإنسان في أسس الهزيمة والنصر.

ولكن هذه الحرب، كحرب لإسرائيل تخوضها أمريكا، هي مصيرية لكل ما أنجزته لتثبيت وجودها وتحقيق مشروعها. وخروج أمريكا منها سيصبح مسألة خلاف عميق بين “إسرائيل” وأمريكا، وتصبح الصهيونية طرفاً وأمريكا في صراع داخلي. وهذا ما قد يؤدي لاستئناف الحرب دون قدرة على الحسم، مما يدفع العالم كله ثمنها. وإذا فشل الثقل الأمريكي الوطني في منع استئنافها وكبح جموح الكيان، فستتحول الحرب إلى حرب العالم.

والقول هنا هو أنه ما دام الاحتلال قائماً، فإن المشروع الصهيوني سيبقى قائماً، ولن يتحقق أي استقرار في هذه المنطقة التي تشكل شريان حياة وحضارة العالم، وأن منطق توازن الطبيعة ينسحب على البشر، وأن العبث بوجود إيران بنظامها لن يكون إلا بعبث نووي يأتي على الجميع.

وأختم بأن الأهم مما يترتب على نتائج انتصار إيران في هذه الحرب يتمثل بأربع نقاط تلبسها التساؤلات، وليست الإجابة عليها سهلة:

ـ الأولى: على ماذا ستستقر العلاقة بين أمريكا وإسرائيل ومشروعهما الشرق أوسطي، في موازاة مع إيران كدولة إقليمية متفوقة وغير صديقة لـ”إسرائيل”.

ـ الثانية: على ماذا ستستقر طبيعة العلاقة القادمة ما بين إيران ودول العرب في المنطقة، كدول جارة اختارت العداء لإيران، وهي وحدها في العالم التي وقفت مع غرباء غزاة لهذه الجارة.

ـ الثالثة: كيف ستكون العلاقة القادمة ما بين إيران كزعيمة لمحور المقاومة وبين القضية الفلسطينية، كدولة ضحت بالكثير من أجلها وتحملت المسؤولية وحدها عن العرب والمسلمين، بينما اتخذ هؤلاء موقفاً مغايراً وواظبوا على أن يكونوا عوناً لكيان الاحتلال على إيران.

ـ الرابعة: كيف ستكون العلاقة بين إيران وأمريكا، من واقع ارتدادات الحرب على دول المنطقة العربية، وفي أي بوتقة سياسية ستضع هذه العلاقة دول الخليج والمنطقة العربية؟ فأمريكا، مهما كان الشكل الذي ستستقر عليه علاقاتها بإسرائيل، فلن تقبل أن تكون علاقتها إلا مستقرة مع إيران، ولكن ليست كعلاقة الشاه الراضخة للكيان، ولا علاقة تحالف مع الأنظمة العربية الرجعية. فكيف ستكون هذه العلاقة؟

كاتب عربي أردني

قد يعجبك ايضا