حكايات الألم من تخوم المناطق الحدودية: كيف حوّل العدوان السعودي حياة أبناء صعدة إلى جحيم مستمر؟
ـ المسار الدامي للقوات السعودية تجاه سكان المناطق الحدودية في صعدة.. استهدافات ممنهجة وانتهاكات صارخة
ـ الأرض والإنسان في صعدة: ملحمة صمودٍ يماني في وجه آلة القتل السعودي الممنهجة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في عمق التاريخ اليمني المعاصر، تُسجل محافظة صعدة، وبالأخص مديرياتها الحدودية، ملحمة من الصمود الأسطوري في وجه آلة قتل سعودية لم تترك محرماً إلا وانتهكته، ولا عرفاً إنسانياً إلا وداسته بجنازير دباباتها وفوهات مدافعها.
إن ما يتعرض له سكان هذه المناطق ليس مجرد خروقات عسكرية عابرة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي جريمة قتل وتهجير ممنهجة، وحرب استنزاف بشرية تُشن بدم بارد ضد المدنيين العزل الذين لا ذنب لهم سوى أنهم اختاروا البقاء في أرضهم والتمسك بجذورهم في مواجهة صلف “الجوار” الغادر.
إن الأرقام المرعبة التي وثقها أمن محافظة صعدة خلال العام 1446هـ، وما تلاه من أشهر، ليست مجرد إحصائيات جافة تُتلى في النشرات الإخبارية، بل هي حكايات أسر أُبيدت، وأحلام أطفال دُفنت تحت الركام، ودماء مهاجرين تقطعت بهم السبل فكان الرصاص السعودي في استقبالهم.
إن استهداف القرى والمزارع والأسواق بالقصف المدفعي والصاروخي، ونشر القناصة لحصد أرواح المارين في الطرقات، يعكس عقلية إجرامية متأصلة لا تفرق بين طفل وامرأة، وبين يمني وأفريقي، بل ترى في كل كائن حي هدفاً مشروعاً لشهوة القتل لديهم.
ومهما طال الزمن وتعددت محاولات تجميل وجه العدوان خلف مسميات “الهدنة” أو “المبادرات”، فإن هذه الجرائم البشعة قد حُفرت في وجدان الشعب اليمني بمداد من دم لا يقبل المحو.
إن جيلاً يمنياً كاملاً عاش عقدا من جرائم العدوان على اليمن بشكل عام، وفي المناطق الحدودية قد نشأ على صوت القذائف، وشاهد بأم عينيه أشلاء أحبائه تتناثر على جبال شدا وقطابر ومنبه ورازح، وهذا الجيل ومعه كل الأحرار لن ينسى ولن يغفر.
إنها “ذاكرة الدم” التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء، مؤكدة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن فاتورة الحساب عن كل قطرة دم سُفكت ظلماً وعدواناً لا تزال مفتوحة، ولن تُغلق حتى تتحقق العدالة وينال المجرمون جزاءهم العادل.
في هذا التقرير، نستعرض لغة الأرقام التي تفضح زيف الادعاءات، وتكشف حجم الاستهداف الممنهج الذي تعرض له الإنسان والأرض في صعدة خلال عام 1446هـ، كشاهد حي على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث.
وثقت الأجهزة الأمنية في محافظة صعدة تصعيداً خطيراً في وتيرة الاستهداف، فعلى الرغم من الحديث عن تهدئة أو هدنة، إلا أن الأرقام الميدانية تعكس واقعاً مغايراً تماماً.
وقد بلغ إجمالي خروقات العدوان السعودي الميدانية الخروقات المرصودة (947) خرقاً، توزعت على النحو التالي:
ـ القصف البري المدفعي: (332) خرقاً استهدفت القرى السكنية والمزارع.
ـ إطلاق النار المباشر: (610) خروقات نفذها حرس الحدود السعودي تجاه المواطنين العزل.
ـ القصف الجوي: (5) خروقات استهدفت المناطق الحدودية بشكل مباشر.
الفاتورة البشرية للعدوان السعودي أسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين (يمنيين وأفارقة)، وتفصيلهم كالآتي:
ـ إطلاق نار حرس الحدود: استشهاد (98) مواطناً، وإصابة (562) آخرين بجروح متفاوتة.
ـ القصف المدفعي: استشهاد (55) مواطناً، وإصابة (337) آخرين، معظمهم في حالة حرجة.
ـ القصف الجوي: استشهاد مواطن وإصابة أربعة آخرين.
العدوان الأمريكي المساند (غارات واستهداف مباشر)
لم يقتصر الأمر على الجانب السعودي، بل كان للدور الأمريكي-الإسرائيلي حضور طاغٍ من خلال شن (285) غارة، منها (255) غارة جوية و(30) غارة بحرية.
وبلغ عدد جرائم العدوان الأمريكي المباشرة ضد المدنيين (92) جريمة، خلّفت هذه الجرائم (76) شهيداً مدنياً (بينهم نساء وأطفال) و (143) مصاباً.
قراءة في احصائيات بعض الأشهر لهذا العام:
شهر ربيع الأول:
استهداف القرى الحدودية رصد أمن المحافظة خلال هذا الشهر (80) خرقاً، نتج عنها سقوط 8 شهداء و79 جريحاً.
الخروقات: 26 حالة قصف مدفعي، و54 حالة إطلاق نار مباشر.
الضحايا: استشهاد 2 وإصابة 35 بنيران حرس الحدود، واستشهاد 6 وإصابة 44 بالقصف المدفعي.
شهر ربيع الآخر:
تصاعد وتيرة القنص بلغت الخروقات في هذا الشهر (66) خرقاً، أدت إلى استشهاد 9 مواطنين وإصابة 57 آخرين.
اعتداءات حرس الحدود: تسببت في استشهاد 6 مواطنين وإصابة 40 آخرين بإصابات جسيمة.
القصف المدفعي: أدى لاستشهاد 3 مواطنين وإصابة 17 آخرين.3. شهر رجب: تمادي العدو في سفك الدماء استمر العدو في غيه خلال شهر رجب، حيث رُصد (81) خرقاً، أسفرت عن استشهاد 10 وإصابة 71 مواطناً.
هذا وتوزعت 8 شهداء و50 جريحاً برصاص حرس الحدود، وشهيدان و21 جريحاً بالقصف المدفعي.
وفي تحدٍ صارخ لكل القيم الإنسانية، شهد 30 يناير 2026م(الموافق 11 شعبان) سلسلة اعتداءات دامية استهدفت مديريات (قطابر، شدا، ومنبه) وكانت على النحو الاتي:
مديرية قطابر: تعرضت لقصف بقذائف الهاون، مما أدى لإصابة مهاجر إثيوبي، واستهداف “سوق آل ثابت” المكتظ بالمدنيين.
مديرية شدا: أدى إطلاق النار في منطقتي “الجبانة” و”جبل حربي” إلى إصابة 3 مواطنين بجروح خطيرة.
مديرية منبه: استهدف حرس الحدود المهاجرين في منطقة “ملحة”، ما أدى لاستشهاد مهاجر إثيوبي بطلقة في الرأس وإصابة آخر.
ـ تداعيات العدوان على الحياة العامة في صعدة لا تقتصر آثار هذه الجرائم على الخسائر البشرية الفورية، بل تمتد لتشمل:
شلل الحركة الاقتصادية: استهداف الأسواق (مثل سوق آل ثابت) يهدف إلى ترهيب السكان وتجويعهم.
تدمير القطاع الزراعي: القصف المدفعي المتواصل يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في المناطق الحدودية، مما يفاقم الأزمة المعيشية.
النزوح القسري: تحولت الكثير من القرى الحدودية إلى مناطق غير قابلة للحياة، مما أجبر المئات على النزوح نحو مركز المحافظة في ظروف صعبة.
تؤكد التقارير الصادرة عن أمن محافظة صعدة أن هذه الاعتداءات ليست مجرد حوادث عشوائية، بل هي “سياسة ممنهجة” تهدف إلى إفراغ المناطق الحدودية من سكانها وممارسة أقصى درجات الضغط عبر التنكيل بالمدنيين.
وفي الختام: إن الأرقام الواردة في هذا التقرير هي ما تم رصده وتوثيقه رسمياً، فيما تظل المعاناة النفسية والاجتماعية التي يعيشها أهالي صعدة أكبر من أن تحويها الإحصائيات.