سقوط الرهانات
أصيل علي البجلي
يأتي الاتّفاق الأخير بين إيران وأمريكا كإقرار عملي بانتهاء حقبة “الضغوط القصوى”، وبداية مرحلةٍ جديدةٍ تُعيد صياغة موازين القوى في المنطقة.
إن القراءة المتأنية لمسار هذه المفاوضات، من منظورِ وعيِنا القرآني الذي نسترشد به في مسيرتنا التحرّرية، تؤكّـد أن هذا الاتّفاق لم يكن منحةً من المستكبرين، بل انتزاعًا لحقٍ فرضته إرادَة الصمود وثبات الموقف الإيراني أمام أعتى أشكال الحصار والعدوان.
لقد تجلت في هذا المسار مصداقية قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، فلقد توهمت أمريكا وأدواتها أن سياسة التجويع والحصار الشامل، التي مارستها ضد طهران لسنوات، ستؤدي حتمًا إلى ركوعِ الإرادَة الإيرانية.
لكنَّ حكمةَ القيادةِ الإيرانية، المستندة إلى مدرسة القرآن الكريم في الصبر والثبات، جعلت من الصمودِ نهجًا ومنهجًا، حتى أدرك العدوّ أن رهاناته قد سقطت، وأن استراتيجية “الضغوط القصوى” لم تكن إلا عبئًا على واشنطن، وجسرًا لتعزيز قدرات إيران الاستراتيجية والردعية.
وفي هذا السياق، نستحضرُ حكمةَ أمير المؤمنين علي، عليه السلام، حين يقول: “قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ”، فكانت همة القيادة الإيرانية هي التي صاغت هذا النصر السياسي المستحق.
إن هذا الاتّفاقَ يعكسُ حقيقةً جوهريةً في صراعِنا مع كيان الاحتلال والقوى الداعمة له؛ وهي أن لُغةَ القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المستكبرون.
فما كان للاتّفاق أن يُرى النورَ لولا خشيةُ أمريكا من تداعيات خياراتها الفاشلة التي وضعتها في زاويةٍ ضيقةٍ أمام تصاعد دور محور المقاومة، الذي بات يشكلُ حائط الصدِّ الأول والأقوى أمام الأطماع في المنطقة.
وكما يعلِّمُنا الإمام علي، عليه السلام: “مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ”، فبقيت إيران يقظة لا تغفل عن عدوها، حتى اضطرت قوى الاستكبار للرضوخ لواقع القوة التي تفرضها إرادَة الحرية.
يجب أن نقرأ هذا الحدث بعيدًا عن أوهام “التطبيع” أَو التهدئة المزعومة، وكاستراحةِ محاربٍ، أَو انتصار لمسارِ الثوابت.
فإيران، وهي تدير دفتها السياسية بوعيٍ وحذر، لا تزالُ متمسكةً ببوصلتها الأَسَاسية، ومواقفها الراسخة تجاه قضايا الأُمَّــة وعلى رأسها قضية فلسطين، ورفضِ هيمنةِ كيان الاحتلال.
إنَّ سقوطَ رهاناتِ واشنطن هو رسالةٌ بليغةٌ لشعوبِ المنطقة كافة؛ أنَّ إرادَة الشعوب التي تمتلكُ الشجاعةَ والقرارَ الحر، وتستمدُّ قوتَها من ثقافةِ القرآن، لا يمكنُ كسرُها.
وعلى الرغم من محاولاتِ التضليلِ الإعلاميِّ التي تحاولُ تصويرَ الاتّفاق كخضوعٍ، فإنَّ الواقعَ يثبتُ أنَّ المستكبرَ هو من يضطرُّ للجلوسِ على طاولةِ المفاوضات، وأنَّ ميزانَ القوى قد مالَ لصالحِ القوى الحرة، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
إننا في صنعاءَ، ندركُ أنَّ هذه المحطةَ هي جُــزْءٌ من مسارٍ طويلٍ من المواجهة، وأنَّ اليقظةَ مطلوبةٌ، فالمعركةُ مع كيان الاحتلال والمشروعِ الأمريكيِّ في المنطقة لم تضع أوزارَها، والرهانُ الحقيقيُّ يظلُّ دائمًا على الميدانِ وما يفرزه من حقائقَ لا تقبلُ التأويل.