لبنان: انكسار الهجوم البري الإسرائيلي على مرتفعات علي الطاهر

تقدّم الجبهة اللبنانية خلال يوم الجمعة الممتد حتى صباح السبت 20 حزيران 2026 مشهداً عسكرياً اتسم بتباين واضح بين أداء الطرفين، حيث اعتمدت المقاومة نمطاً “دفاعياً استنزافياً” عالي الحدة، في حين باء النمط “التعرضي” الذي انتهجه العدو بالفشل. وتجلى ذلك في قدرة المقاومة على امتصاص صدمة سلسلة هجمات برية مباغتة استهدفت فرض واقع ميداني جديد في مرتفعات “علي الطاهر”، إذ نجحت في استدراج القوات المتقدمة إلى مناطق قتل محكمة، وتنفيذ كمائن مركبة أدت إلى إبادة طواقم مدرعة وعناصر قيادية مهمة. وقد بلغ عدد العمليات التكتيكية الرئيسية للمقاومة أكثر من إحدى عشرة عملية نوعية، توزعت بين رمايات صاروخية وضربات مضادة للدروع ومسيرات انقضاضية وتفجير عبوات، ما أكسبها تفوقاً تكتيكياً كاملاً ودفع العدو إلى التقهقر والاعتماد المفرط على القوة النارية الجوية لتعويض عجزه البري.

وعلى الصعيد العملياتي، حاول العدو استثمار حالة التهدئة السياسية لتنفيذ توغل صامت واحتلال مرتفعات “علي الطاهر” الاستراتيجية التي تُعد بوابة لمنطقة النبطية، فواجهته المقاومة بتكتيك الكمون والدفاع بالعمق، حيث تركت قواته تتقدم لتنكشف قبل أن تُحاصرها بنيران متقاطعة من الأسلحة المضادة للدروع والعبوات الناسفة. وأسفر هذا الرد عن تدمير عدة مدرعات ومقتل قائد كتيبة وأربعة من جنوده بحسب اعتراف العدو نفسه، الأمر الذي أصابه بحالة من الشلل التكتيكي ودفعه إلى التراجع والاستعاضة عن المناورة البرية بقصف مدفعي وفسفوري كثيف لإنشاء ستائر دخانية تسهّل سحب قتلاه وجرحاه.

وفي المقابل، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي كثافة نارية غير مسبوقة تجاوزت ثمانين غارة حربية إلى جانب عشرات الغارات بالمسيرات، استهدفت بلدات وقرى في العمق كالنبطية وحاروف وكفرصير وجبشيت وصولاً إلى البقاع. ولم يكن هذا النشاط الجوي إسناداً مباشراً للقوات البرية بقدر ما كان قصفاً انتقامياً استهدف المدنيين والبيئة الحاضنة تعويضاً عن الفشل الميداني، وقد أدى إلى سقوط نحو خمسة وستين شهيداً غالبيتهم نساء وأطفال، وخمسة عشر مفقوداً، وأكثر من ستين جريحاً. وبالرغم من هذا الاطباق الجوي، حافظت المقاومة على نشاطها التكتيكي عبر إدخال أسراب من المسيرات الانقضاضية التي أصابت تجمعات العدو البري وقوات الإخلاء بدقة، بما في ذلك استهداف ثكنة زرعيت.

أما على مستوى مناورة النار، فقد فقد العدو بوصلته إذ وجّه نيرانه نحو أهداف مدنية وبنى تحتية دون أن يؤثر ذلك على البنية القتالية للمقاومة، التي ركّزت بدورها نيرانها المباشرة وغير المباشرة والجوية على مراكز الثقل التكتيكي للعدو كدبابات القيادة وآليات الهندسة العسكرية وقوات النجدة والإخلاء الطبي، فضاعفت خسائره وحرمته من إعادة التنظيم. وعلى الصعيد الاستخباري، سجل العدو إخفاقاً ذريعاً، إذ تقدمت نخبته ومدرعاته نحو شراك خداعية وحقول عبوات ناسفة دون استطلاع كافٍ، في حين أظهرت المقاومة تفوقاً استخبارياً دقيقاً تمثّل في تمييز دبابات القيادة ورصد مسارات الإخلاء بدقة لضرب قوات النجدة فور تجمعها.

وفي تحليل مناورة الطرفين، اتخذ العدو شكل هجوم جبهوي تخللته محاولة تسلّل فاشلة، وقد جاءت هذه المناورة عقيمة لافتقارها إلى التناغم بين عناصرها، فاعتمد على عنصر النار بكثافة مفرطة معتقداً أن الصدمة وحدها كافية لإرهاب المدافعين، بينما غاب عنصر الاستخبارات كلياً وانعدمت الحماية أمام مقذوفات المقاومة، فتحولت الحركة إلى فعل انتحاري. في المقابل، انتهجت المقاومة دفاعاً ثابتاً مطعّماً بتكتيكات الدفاع المتحرك، فتخلت عن مساحات من الأرض لاستدراج العدو، واستخدمت عنصر المعلومات لتحديد نقاط المقتل، واستفادت من تضاريس جبل علي الطاهر للحماية، ثم دمجت بين النار الكثيفة وعنصر الصدمة عند انكشاف العدو، مع الحفاظ على اقتصاد القوة.

وتمثّلت المشكلة العسكرية الرئيسية للعدو في سقوط نظرية التغطية النارية كضامن لحماية المناورة البرية، وعجزه عن تنفيذ إخلاء تكتيكي آمن، حيث تحولت قواته المتقدمة للإخلاء إلى أهداف متتالية، فبقيت جثث قادته ودباباته المدمرة على الأرض لساعات تحت نيران المقاومة. وقد عكست تصريحات جهات إسرائيلية رسمية وإعلامية حجم الإخفاق، حيث أقرت إذاعة جيش العدو بانهيار الهيكل القيادي لكتيبة بأكملها، بينما عبّرت قناة 13 العبرية عن قلق من استهداف المقاومة المباشر لقادة الجيش، في حين تحدثت يديعوت أحرونوت عن استحالة الوصول إلى الدبابة التي قُتل فيها القائد وجنوده، ووصفت صحف أخرى ما جرى بأنه كارثة في جنوب لبنان.

وخلاصة التقييم أن الجولة القتالية أثبتت مجدداً أن النيران وحدها لا تحتل أرضاً، فقد فشلت مناورة النار السطحية التي اعتمدها العدو جوياً أمام مناورة الدفاع بالعمق والكمائن التي أدارتها المقاومة باحترافية، فتحوّلت تضاريس علي الطاهر إلى مقبرة لدروعه وقياداته الميدانية. ويُقدَّر بناءً على ذلك أن البنية القيادية للمقاومة متماسكة وتمتلك قدرة عالية على السيطرة وإدارة النيران حتى تحت سيطرة جوية معادية مطلقة، في حين يُتوقع أن يتخلى العدو عن الهجوم الجبهوي مستقبلاً، ليكتفي بانكفاء تكتيكي وتسلل محدود لجمع المعلومات، مع تصعيد في القصف الجوي والمدفعي الفسفوري بهدف ترميم صورة ردعه المتصدعة.

قد يعجبك ايضا