سقوط ‘جمهورية السفير’: ذكرى طرد المارينز التي نقلت اليمن من دهاليز التبعية إلى مركزية الفعل الدولي
الحقيقة ـ جميل الحاج
تمر اليوم الذكرى الحادية عشرة لواحد من أبرز المنعطفات التاريخية في اليمن والمنطقة؛ ففي الحادي عشر من فبراير 2015، شهد العالم مشهداً لم يكن مألوفاً في أدبيات السياسة الأمريكية: جنود “المانينز” يغادرون مطار صنعاء بزي مدني، يتركون خلفهم مئات الأسلحة المحطمة، وعربات مصفحة استولى عليها الثوار، ودخاناً يتصاعد من أروقة السفارة الأمريكية في حي “سعوان” حيث أُحرقت أطنان من الوثائق السرية.
لم يكن ذلك مجرد إجلاء ديبلوماسي، بل كان إعلاناً رسمياً عن سقوط “الجمهورية الملحقة” وولادة “اليمن السيادي”.. اليوم، وبعد عقد من ذلك الحدث، يقرأ المحللون في تلك اللحظة “نقطة الصفر” التي مكنت اليمن من التحول من دولة تُدار بـ “ريموت كنترول” من مكتب السفير الأمريكي، إلى قوة إقليمية تفرض حصاراً بحرياً على أساطيل القوى الكبرى في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
أنهى تاريخ 11 فبراير 2015 فعلياً حقبة “التواجد الدبلوماسي – العسكري” المكثف، كانت واشنطن لسنوات تدير المشهد اليمني عبر “لجنة الهيكلة” ومكتب التعاون العسكري (OMC)، وتتحكم في الدوائر السيادية الثلاث: القرار السياسي، البنية الاستخباراتية، والقيادة العسكرية.
ويؤكد الخبراء أن هذا التاريخ يمثل لحظة “الانفصال العملياتي”؛ حيث فقدت واشنطن فجأة قدرتها على رصد الداخل اليمني، مما خلق “فجوة رصد” استراتيجية لدى البنتاغون استمرت لعقد كامل.
هذا الفراغ هو الذي سمح للقوات المسلحة اليمنية، بعيداً عن أعين وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، بتدشين برنامج “الاكتفاء التسليحي” وبناء ترسانة صاروخية وفرط صوتية، انتقلت بالبلاد من “الدفاع عن المركز” إلى “الردع العابر للحدود”.
في قراءته لهذه الذكرى، وصف قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ خروج المارينز بأنه “انتصار تاريخي نُزع انتزاعاً ولم يأتِ بمفاوضات أو تنازلات”.
وأشار في بيان له بالذكرى إلى أن السفير الأمريكي في صنعاء كان هو “صاحب الكلمة الأولى والقرار النافذ على مسؤولي البلاد”، مؤكداً أن ثورة 21 سبتمبر هي التي قطعت يد التدخل التي كانت تعبث بهوية اليمن ومقدراته.
وشدد السيد القائد على أن هذا الانتصار هو درس لكل شعوب الأمة، خاصة في ظل المخططات التي تستهدف “تغيير الشرق الأوسط” لصالح الكيان الصهيوني، معتبرا جلاء 2015م كان الخطوة الأولى في مسار طويل من التحرر، أثبتت فيه الإرادة الإيمانية أنها أقوى من “خرافة القوة المطلقة” التي كانت تمثلها أمريكا.
لا تزال محاضر مطار صنعاء توثق تفاصيل اللحظات الأخيرة لرحيل المارينز؛ حيث قام الجنود بتحطيم أكثر من 250 قطعة سلاح فردي ومتوسط (نوع M4 وM24) باستخدام أدوات يدوية، بعد أن عجزوا عن الحصول على إذن بنقلها.
إن مغادرة المارينز بزي مدني وعلى متن رحلات تجارية، بعد تجريدهم من سلاحهم، تُصنف استخباراتياً كواحدة من أكبر عمليات التجريد العسكري التي تعرضت لها وحدة مارينز في الشرق الأوسط.”
علاوة على ذلك، تركت البعثة خلفها 32 عربة مصفحة وأجهزة اتصالات مشفرة معقدة، وهو سقوط لوجستي تسبب في عمى معلوماتي لدى وكالة الأمن القومي (NSA)، هذا العمى هو ما يفسر اليوم عجز البنتاغون عن تقدير حجم “مخازن الصواريخ تحت الأرض” التي تديرها صنعاء في معركتها الحالية.
يربط المحللون العسكريون بين إخلاء صنعاء في 2015 واضطرار الأساطيل الأمريكية للفرار من البحر الأحمر في 2024-2026.
فقد كانت واشنطن تعتمد على الغطاء الأرضي في اليمن لتأمين تحركات بوارجها؛ وبفقدانها لهذا الغطاء، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة ومكلفة.
ـ اقتصادياً: بلغت تكلفة الدفاع الجوي الأمريكي لاعتراض المسيرات اليمنية حوالي 1.2 مليار دولار في ستة أشهر فقط.
ـ عسكرياً: أُجبرت حاملات طائرات عملاقة مثل “أيزنهاور” و”لينكولن” على الانسحاب من المنطقة بعد تعرضها لربات وتهديدات باليستية مباشرة.
ـ سياسياً: سقط تحالف “أسبيدس” الأوروبي وتحالفات واشنطن المبطنة، وبات العالم يوقن بأن حقبة السيطرة البحرية الأمريكية المطلقة قد انتهت.
قبل ثورة 21 سبتمبر، قادت واشنطن مساراً لتدمير القدرات الدفاعية اليمنية، حيث تم إتلاف ما يقارب 1500 صاروخ دفاع جوي (Strela وSAM-7) بإشراف أمريكي مباشر بين عامي 2012 و2014. كان الهدف هو تجريد اليمن من أي قدرة على حماية سمائه.
لكن طرد المارينز أوقف هذا المسار، وأدى إلى استعادة اليمن للقرار الأمني بنسبة 100%. وتكشف إحصائيات الأجهزة الأمنية أن معدل الاغتيالات والاختراقات الأمنية تراجع بنسبة 92% بعد رحيل البعثة الأمريكية، التي كانت توفر غطاءً لوحدات استخباراتية تدير الفوضى تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”.
سياسياً، كانت السفارة الأمريكية بصنعاء هي “المطبخ” الذي تُصاغ فيه مسودات تقسيم اليمن إلى 6 أقاليم ضعيفة ضمن مشروع “الأقلمة”، كان الهدف إبقاء اليمن تحت “البند السابع” الدائم وضمان بقائه “دولة فاشلة” تابعة.
إلا أن الإجراء الثوري في 11 فبراير 2015 أنهى هذا المسار، ومنح صنعاء الاستقلال المالي والسياسي الذي مكنها لاحقاً من اتخاذ قرار تاريخي بالانضمام المباشر لمعركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” إسناداً لغزة، وهو موقف كان من المستحيل اتخاذه لو ظلت “قاعدة العمليات الأمريكية” قائمة داخل العاصمة.
بعد 11 عاماً، يثبت الواقع أن رحيل المارينز لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان “شهادة وفاة” لسياسة القطبية الواحدة في جنوب الجزيرة العربية، فاليمن اليوم هو الدولة الإقليمية الوحيدة الخالية من أي قاعدة أمريكية أو مكاتب ارتباط أمنية، وهو ما حوله إلى “قوة مقررة” في الممرات المائية الدولية (باب المندب) التي يمر عبرها 12% من التجارة العالمية.
إن معادلة “الجغرافيا المحرمة” التي بدأت من شوارع صنعاء تمتد اليوم إلى المحيط الهندي، لتؤكد أن زمن السفارة الحاكمة قد ولى إلى غير رجعة، وأن اليمن بثورته المستمرة وقيادته القرآنية بات هو “السيد والفاعل” في خريطة التوازنات العالمية الجديدة.