سيكولوجية الخداع الصهيوني وسقوط الرهان السياسي العربي

في لحظة تاريخية فاصلة، حيث تتسارع وتيرة الأحداث الميدانية من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى إيران ، تبرز الحاجة الملحّة لقراءة استراتيجية تربط بين القواعد الثابتة التي وضعها القرآن الكريم في توصيف “العدو” وبين ما تشهده المنطقة اليوم من تحولات جذرية. فالآيات الكريمة التي نزلت قبل أربعة عشر قرناً، لا تزال تحمل في طياتها الخارطة النفسية والسلوكية الدقيقة للكيان الصهيوني، وكأنها تقرأ الواقع المعاصر بكل تفاصيله المؤلمة.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يطرح سؤال جوهري يحتاج إلى إجابة واضحة وحاسمة: هل تخوض المنطقة صراعاً سياسياً قابلاً للحل عبر طاولات المفاوضات وآليات الدبلوماسية التقليدية، أم أنها تواجه “نفسية” محددة الملامح، قائمة على نقض المواثيق واستخدام التضليل كأداة حرب استراتيجية؟

إن الواقع الميداني اليوم، من طوفان الأقصى إلى صمود غزة البطولي، ومن عمليات البحر الأحمر اليمنية إلى صواريخ المقاومة اللبنانية وصولاً إلى عمليات الوعد الصاد4، يشهد على حقيقة مفادها أن الأمة تقف أمام منعطف تاريخي يتطلب قراءة عميقة لطبيعة العدو وآليات عمله. فالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في خطاباته المتعددة، يؤكد أن “الكيان الصهيوني لا يعطي وزناً للاتفاقيات أو المؤسسات الدولية”، وأن أفعاله في فلسطين تثبت أنه “لا يعتد بالقوانين والأعراف والمنظمات الدولية أو المؤسسات، وأي اعتبارات إنسانية أخرى”.

كما أن شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، في محاضراته القرآنية العميقة، كشف عن البعد النفسي للصراع، مؤكداً أن طبيعة العدو المتأصلة هي “الغدر”، وأن فلسفته وثقافته ومعتقداته لا تلزمه بالوفاء لأي اتفاقيات. والقرآن الكريم يؤكد ذلك: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} فنقض العهود ليس سلوكاً طارئاً، بل هو نمط ثابت مدعوم بخلفية عقائدية ونفسية محددة.

سيكولوجية الخداع من التوصيف القرآني إلى الواقع

التضليل كأداة حرب: كيف حاولوا الالتفاف على الثوابت؟

لقد كشف لنا القرآن الكريم في بشكل مبكر الأساليب التضليلية التي يستخدمها الأعداء لزعزعة ثوابت الأمة وقناعاتها. ففي قوله تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}، نجد خارطة طريق واضحة لفهم آلية عمل “سيكولوجية الخداع” التي تحاول جاهدة الالتفاف على الثوابت القرآنية والمبادئ الراسخة.

وهذا بالضبط ما نشهده اليوم في محاولات “تخدير” أبناء الأمة، بوعود دبلوماسية زائفة كما في غزة و في إيران ولبنان تهدف إلى عزل الساحات عن بعضها البعض، وقد أشار السيد عبد الملك الحوثي إلى أن أحد أبرز أهداف العدو هو “عزل الساحات عن بعضها البعض” من خلال تقديم وعود دبلوماسية لا يعتزم الالتزام بها. ويؤكد أن “العدو الإسرائيلي يواصل انتهاك حرمة المسجد الأقصى والمقدسات” حتى وهو يتحدث عن “التهدئة” و”وقف إطلاق النار ” .

إن النفسية الصهيونية، تقوم على أساس اعتبار أن “بقية الشعوب، وخاصة الإسلامية والعربية، ليست حتى في مستوى البشر، بل أقل رتبة من مستوى الكلاب والخنازير” هذه النظرة الاستعلائية موجودة في بعض نصوص التلمود ونتيجة لتاريخهم الطويل في التعامل مع رسالات الله وأنبيائهم أصبح لديهم خبرة شيطانية في التضليل والخداع ولبس الحق بالباطل، الله ذكر عنهم في القرآن الكريم أنهم يلبسون الحق بالباطل {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}(آل عمران: 71)، فمن لا يرى في الآخر إنساناً كاملاً، لا يتورع عن خداعه وتضليله.

واليوم، نرى كيف تُستخدم هذه الآلية في محاولة إقناع القوى الإقليمية بـ”ضبط النفس” بينما العدو الصهيوني يواصل جرائمه في غزة ولبنان. فالوعود بـ”إعادة الإعمار” و”المساعدات الإنسانية” و”الحلول السياسية” تُطرح بالتزامن مع التصعيد العسكري والتوسع الاستيطاني، في نمط يعكس تماماً ما حذرت منه الآية الكريمة.

إن فهم هذه الآلية النفسية يقودنا إلى حقيقة جوهرية: أن محاولات التضليل لا تستهدف فقط تغيير السلوك السياسي، بل تسعى إلى زعزعة البُنى الإيمانية والثقافية للأمة. ولذلك كان التحذير القرآني واضحاً وشديد اللهجة كما في قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وعدم الانجرار وراء المناورات التي تهدف إلى الافتراء على الله غيره.

 نقض العهود كعقيدة ثابته لديهم

يكشف التاريخ المعاصر عن نمط ثابت ومتكرر في التعامل الصهيوني مع الاتفاقيات والمواثيق، نمط يجد جذوره العميقة في النص القرآني الكريم: {كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. هذه الآية لا تصف سلوكاً عارضاً أو ظرفياً، بل تكشف عن عقيدة  راسخة تقوم على نبذ الالتزامات كلما دعت المصلحة إلى ذلك فتاريخ الصراع العربي معهم مليء بالاتفاقيات المجهضة وإذا استعرضنا بعض المحطات، نجد أن هذا النمط يتكرر بوضوح مذهل منذ اتفاقيات الهدنة عام 1949، مروراً بقرار مجلس الأمن 242، واتفاقيات كامب ديفيد (1978)، واتفاقيات أوسلو (1993-1995)، وصولاً إلى مفاوضات أنابوليس (2007) وتفاهمات كثيرة مع المقاومة الفلسطينية، ومع حزب الله كل هذه المحطات تؤكد أن العدو الإسرائيلي يكسر المواثيق وينكث أي اتفاقيات إلا إذا تم وفق شروطه.

ومن الحقائق المؤلمة أن العدو الإسرائيلي لم يلتزم بالاتفاقيات في غزة ولا بوقف انتهاكات المسجد الأقصى، رغم كل الوعود والمواثيق التي قُطعت عبر عقود طويلة. وما زال الكيان الصهيوني يُصعّد في اقتحاماته للمسجد الأقصى ويسعى لفرض وقائع جديدة في التقسيم الزماني والمكاني، بل بات يمارس إبادة علنية في غزة ولبنان ويهاجم أي دولة كما حدث مؤخرا في إيران ويتحدث القوانين الدولية لأنه بات مسيطرا على كل مفاصل المؤسسات الدولية والقرار الأمريكي والأوروبي وهذا السلوك العدواني منهج متجذر في البُنية النفسية والعقائدية لليهود .

ولعل ما يحدث اليوم في منطقتنا  يقدم أوضح الأدلة على هذا النمط. فرغم كل المبادرات الدولية والوساطات العربية والإسلامية، وبالرغم من الضغوط الدولية المتزايدة، لا يزال الكيان الصهيوني يواصل “جرائمه الوحشية القاسية” ضد الأطفال والمدنيين في قطاع غزة، ولبنان  بل إن العدو يستغل كل مبادرة دبلوماسية كفرصة لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية والتصعيد أكثر.

هذا الواقع يقودنا إلى استنتاج حتمي: أن التعويل على المواثيق والاتفاقيات مع هذا الكيان هو مضيعة للوقت والجهد، بل هو في الحقيقة خدمة مجانية له تمنحه الوقت اللازم لتنفيذ مخططاته. وهذا ما يؤكد عليه السيد عبد الملك الحوثي عندما ينتقد “التخبط العربي” في مواجهة المظلومية الفلسطينية، معتبراً إياه “حالة مخزية وفضيحة بين كل الأمم”

القلوب القاسية لا يلينها إلا الرد الموجع

تكشف الآية الكريمة {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} عن حقيقة نفسية عميقة تفسر طبيعة التعامل الإجرامي للكيان الصهيوني مع المدنيين الفلسطينيين. فالقسوة هنا ليست مجرد سلوك عارض، بل هي صفة متجذرة تنتج عن نقض المواثيق المستمر، وهي تفسر لنا سبب الاستهانة الصهيونية بالقوة المفرطة والجرائم الوحشية التي  يستهدف فيها العدو الإسرائيلي الأطفال والمدنيين، وهذا السلوك يأتي كنتيجة طبيعية للقسوة التي استقرت في قلوب أصحاب هذا الكيان. فهذه الجرائم تُرتكب دون “أي مثقال ذرة من الاحترام في سفك الدماء”، وأن سفك دم غير اليهودي يُعتبر عندهم “قرباناً للرب” وفق معتقداتهم الظلامية.

هذه القسوة المتجذرة لا تستجيب للغة اللين والمناشدات الإنسانية، بل تزداد تجبراً وطغياناً كلما وجدت ضعفاً أو تهاوناً أمامها.

إن الواقع الميداني اليوم يثبت صحة هذا التحليل القرآني. فبالرغم من كل المظاهرات الدولية والقرارات الأممية والمبادرات الدبلوماسية، لا يزال الكيان الصهيوني يواصل “مجازر الابادة و التجويع الرهيب” في غزة، مانعا دخول المساعدات  فما تزال آلاف الشاحنات متوقفة عند المعابر.

وفي المقابل، نجد أن خيار المواجهة والرد العسكري الموجع هو الحل فالمقاومة الفلسطينية واللبنانية حققت خلال جولات الحرب مع العدو الصهيوني نصراً تاريخياً عظيماً على الرغم من قلة الامكانيات لكنها حررت الأرض وصانت الأعراض وألحقت خسائر فادحة بالعدو الصهيوني وأظهرت هشاشته الحقيقية.

الخروج من الفخ: نحو وحدة ميدانية حقيقية لا بروتوكولية

رغم التقدم النسبي الذي حققه محور المقاومة في مفهوم “وحدة الساحات”، إلا أن الواقع الحالي يكشف عن فجوات خطيرة تمنع هذه الوحدة من الوصول إلى مستواها المطلوب. فالمعادلة لا تزال دون التنسيق الشامل الذي يمكن أن يحقق التأثير الاستراتيجي المنشود في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدف المنطقة بأسرها.

وبالرغم مم وجود “تنسيق تام مع محور الجهاد والمقاومة”، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذا التنسيق لا يزال يقتصر على حلقة محدودة من محور المقاومة، بينما أجزاء واسعة من الأمة لا تزال خارج هذه المعادلة. فضعف وتراجع منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية، وتورط بعض الأنظمة العربية في التطبيع مع العدو وفي فتح أجوائها وأراضيها لدعم عدوان يستهدف المنطقة.

إن العدو الصهيوني يستغل هذه الثغرات بذكاء شديد، فهو يعمل على عزل الساحات عن بعضها البعض من خلال الاستفراد ببعض الجبهات وتقييد الأخرى بجهود دبلوماسية مختلفة فبينما يتحدث مع إيران عن “ضبط النفس” مقابل رفع العقوبات، يقدم لتركيا مغريات اقتصادية مقابل عدم التدخل الفعال، ويستخدم مع الدول الخليجية ورقة “التطبيع الاقتصادي” مقابل الحماية و الصمت على جرائمه في فلسطين.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد تنسيق بروتوكولي أو تصريحات تضامنية، بل وحدة ميدانية حقيقية تقوم على أسس استراتيجية واضحة. وهذا يتطلب تجاوز العقبات التي يضعها العدو الصهيوني وحلفاؤه لمنع تحقيق هذه الوحدة، من خلال:

أولاً: تطوير آليات تنسيق عسكرية مباشرة بين جميع ساحات المقاومة، بحيث تصبح أي عملية ضد المقاومة في أي ساحة بمثابة إعلان حرب على الجميع.

ثانياً: إنشاء منظومة إعلامية موحدة تفضح أساليب التضليل والخداع الصهيونية، وتنسق الخطاب الإعلامي بين جميع الأطراف.

ثالثاً: تطوير استراتيجية اقتصادية مقاومة تقوم على مقاطعة شاملة للمنتجات الأمريكية والإسرائيلية، وإيجاد بدائل اقتصادية تعزز الاكتفاء الذاتي.

رابعاً: العمل على توعية الشعوب العربية والإسلامية بحقيقة المشروع الصهيوني وخطره على المنطقة بأسرها، وليس فقط على فلسطين.

إن تحقيق هذه الوحدة الميدانية الحقيقية هو السبيل الوحيد للخروج من “فخ” الوعود الدبلوماسية الزائفة، والانتقال إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية التي تضع العدو الصهيوني في موقف دفاعي..

خاتمة:

بعد هذه القراءة الشاملة لطبيعة النفسية الصهيونية وأساليبها في التضليل ونقض العهود واستخدام القوة المفرطة، تتبلور حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الحماية الجماعية للمنطقة العربية والإسلامية لا تمر عبر “طاولات التفاوض” التي يديرها مخادعون محترفون، ولا عبر اتفاقيات التطبيع والتنازل للعدو بل عبر الميدان الذي يوحد المصير ويفرض التوازن الحقيقي في معادلة القوة.

لقد أثبتت التجربة التاريخية، من نكبة 1948 إلى طوفان الأقصى 2023، و العدوان على إيران ولبنان ٢٠٢٦م أن الكيان الصهيوني لا يفهم سوى لغة واحدة: لغة القوة والضرب الموجع. فالآيات القرآنية التي كشفت عن طبيعته النفسية اليهودية قبل أربعة عشر قرناً، يشهد لها السلوك اليهودي اليوم على الأرض بكل وضوح ودقة مذهلة. فهو كيان {جَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} لا تلين إلا بالرد الموجع، وهو كيان يعتبر {كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} نمط حياة وأسلوب وجود.

إن الواقع المنطقي، المدعوم بالحقائق القرآنية والتجربة التاريخية، يقول بوضوح أن الصراع مع العدو يجب أن يكون وفق الحقائق والرؤية القرآنية .

وأخيراً، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد مقاومة دفاعية، بل مقاومة استراتيجية شاملة تقوم على أسس علمية وقرآنية واضحة، وتستهدف تفكيك المشروع الصهيوني من جذوره، وليس فقط إيقاف عدوانه المؤقت. فالمعركة مع هذا الكيان ليست معركة حدود أو سيادة، بل معركة وجود وحضارة، ولا يمكن حسمها إلا بالقوة التي تردع وتحمي، وبالوحدة التي تجمع ولا تفرق، وبالإيمان الذي يصمد ولا يتراجع.

قد يعجبك ايضا