شاهد دروس من التاريخ النووي: باكستان تمزق أوراق قرار مجلس الأمن.. هل تملك إيران نفس الجرأة؟!

في واحدة من أكثر اللحظات درامية في أروقة الأمم المتحدة، لم يكن “ذو الفقار علي بوتو” يمزق مجرد وثيقة، بل كان يمزق خارطة طريق أرادت حرمان بلاده من حق الدفاع عن الوجود. تلك اللحظة التي اختصرت كبرياء دولة قررت أن “تأكل العشب” مقابل ألا تظل تحت رحمة التهديد النووي.

في سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد خسارة باكستان للجناح الشرقي (بنجلاديش) وتصاعد التهديد الهندي، واجهت باكستان ضغوطاً دولية هائلة لمنعها من تطوير سلاح نووي. في مجلس الأمن، وأمام قرارات كانت تسعى لمحاصرة طموح بلاده، قام “بوتو” بحركته الشهيرة بتمزيق الأوراق، معلناً انسحاب بلاده من الجلسة واعتراضه الصارخ على ازدواجية المعايير الدولية.

لم يكن الموقف مجرد استعراض، بل كان إيذاناً بانطلاق مشروع “القنبلة الإسلامية”، حيث صرح بوتو بمقولته الخالدة: “إذا صنعت الهند القنبلة، فسنصنعها نحن أيضاً، حتى لو اضطررنا لأكل العشب أو أوراق الشجر، أو الجوع”. وبالفعل، أصبحت باكستان عام 1998 الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ردعاً نووياً معلناً.

رغم النبرة التصعيدية أحياناً، تتبع طهران استراتيجية مختلفة تماماً عن “الاندفاع الباكستاني”، وذلك لعدة أسباب جوهرية:

الغطاء الشرعي (الفتوى): تعتمد إيران خطاباً رسمياً يستند إلى “فتوى” المرشد الأعلى التي تحرم امتلاك أسلحة الدمار الشامل. التمزيق العلني للقرارات الدولية يعني اعترافاً ضمنياً بالسعي للقنبلة، وهو ما يناقض سرديتها الحالية بأن برنامجها سلمي.

سياسة “حافة الهاوية”: تفضل إيران استراتيجية النفس الطويل؛ فهي تريد الحصول على “التكنولوجيا” والقدرة على الوصول للنقطة “صفر” (Breakout time) دون تحمل التبعات القانونية والعسكرية لامتلاك السلاح فعلياً.

تبدل الزمان: في زمن بوتو، كان النظام الدولي يمر بظروف الحرب الباردة التي سمحت ببعض الهوامش. اليوم، الرقابة اللحظية والعقوبات الاقتصادية الخانقة تجعل من الصعب على أي رئيس إيراني اتخاذ خطوة “انتحارية” دبلوماسياً قبل تأمين بدائل اقتصادية وعسكرية قوية.

خلاصة القول: باكستان اختارت “الانفجار” لفرض واقع جديد، بينما تختار إيران “الانتظار” وتراكم أوراق الضغط، بانتظار لحظة تاريخية قد لا تتطلب تمزيق أوراق، بل فرض شروط.

قد يعجبك ايضا