قراءة في الازدراء الإسرائيلي الصريح للإمارات وحكامها

كشف إعلان (إسرائيل) عن زيارة سرية أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات عن مستوى غير مسبوق من الازدراء الإسرائيلي الصريح للإمارات وقيادتها السياسية، بعدما تعاملت تل أبيب مع الزيارة باعتبارها ورقة سياسية وإعلامية تُفرض كأمر واقع على أبوظبي، دون أي مراعاة لحساسية الموقف الإماراتي أو تداعياته الإقليمية.

وأثارت التقارير المتعلقة بالزيارة السرية موجة واسعة من الجدل في المنطقة، خاصة مع نفي السلطات الإماراتية الزيارة، في وقت واصلت فيه دوائر إسرائيلية مقربة من مكتب نتنياهو تسريب تفاصيل اللقاء بصورة احتفالية حملت الكثير من الرسائل السياسية.

وكان نتنياهو أجرى زيارة سرية إلى أبوظبي خلال ذروة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث بحث مع رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان ملفات التنسيق الاستراتيجي في ظل التوترات الإقليمية.

غير أن الطريقة التي أُعلن بها عن الزيارة فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة العلاقة بين الجانبين، خصوصاً أن (إسرائيل) تعاملت مع القضية باعتبارها إنجازاً سياسياً وأمنياً، بينما بدت الإمارات في موقع الطرف المحرج الذي وجد نفسه أمام تسريبات إعلامية فرضت عليه واقعاً سياسياً شديد الحساسية.

ويرى مراقبون أن السلوك الإسرائيلي في إدارة الملف يعكس نظرة استعلائية تجاه أبوظبي، إذ لو كانت تل أبيب تنظر إلى محمد بن زايد باعتباره شريكاً متكافئاً، لكانت حرصت على التنسيق الكامل معه بشأن توقيت وطريقة الإعلان عن الزيارة، بدلاً من تحويلها إلى أداة ضغط إعلامي وسياسي.

وأشار محللون إلى أن (إسرائيل) دأبت خلال السنوات الأخيرة على استخدام سياسة “الإحاطة بالأمر الواقع” مع الإمارات، عبر تسريب معلومات أو إصدار بيانات أحادية الجانب تهدف إلى جر أبوظبي نحو مواقف داعمة للمشروع الإسرائيلي، حتى في أكثر الملفات حساسية.

وأعاد الجدل حول الزيارة السرية تسليط الضوء على طبيعة العلاقات الإماراتية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، والتي توسعت بصورة متسارعة لتشمل مجالات الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والتنسيق العسكري، إلى جانب الشراكات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة.

لكن التطورات الأخيرة كشفت، بحسب مراقبين، أن العلاقة تجاوزت مرحلة التعاون الدبلوماسي التقليدي، لتدخل مستوى أعمق من الاندماج الاستراتيجي، خاصة في ظل تصاعد المواجهات الإقليمية المرتبطة بإيران والحرب المستمرة في غزة.

كما ساهمت التصريحات الصادرة عن شخصيات إسرائيلية مقربة من نتنياهو في زيادة حدة الجدل، بعدما جرى تصوير الاستقبال المزعوم في أبوظبي باعتباره حدثاً استثنائياً يعكس تقارباً غير مسبوق بين القيادتين.

واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات لم تكن مجرد رسائل إعلامية داخلية موجهة للجمهور الإسرائيلي، بل حملت أيضاً دلالات سياسية تعكس رغبة (إسرائيل) في إظهار الإمارات باعتبارها جزءاً من المحور الإقليمي الداعم لتل أبيب خلال فترة الحرب والتصعيد العسكري.

ويحمل هذا المشهد، وفق محللين، تداعيات معقدة بالنسبة للإمارات، التي حاولت خلال السنوات الماضية تسويق علاقتها مع (إسرائيل) باعتبارها شراكة براغماتية هدفها دعم الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي، بعيداً عن الاصطفافات العسكرية المباشرة.

إلا أن التقارير الإسرائيلية المتكررة بشأن التعاون الأمني والاستخباراتي، إلى جانب الحديث عن تنسيق دفاعي مرتبط بإيران، ساهمت في ترسيخ صورة مختلفة للإمارات باعتبارها طرفاً منخرطاً بصورة متزايدة في الهياكل الأمنية الإسرائيلية والأمريكية.

وبرز هذا التناقض بصورة أوضح خلال التصعيد الإقليمي الأخير، إذ شددت أبوظبي علناً على أهمية خفض التوتر والدعوة إلى التهدئة، بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن تعاون أمني وعسكري متنامٍ بين الجانبين في ملفات شديدة الحساسية.

وفي داخل الخليج، تتقاطع هذه التطورات مع حالة من التباين في مواقف دول المنطقة تجاه التصعيد الإقليمي. ففي حين فضلت عدة دول خليجية تبني سياسة أكثر حذراً لتجنب الانجرار إلى المواجهات المباشرة، بدت الإمارات أكثر قرباً من الترتيبات الأمنية المرتبطة ب(إسرائيل) والولايات المتحدة.

وأشار محللون إلى أن هذا التموضع الجديد قد يحمل مخاطر متزايدة على أمن الخليج واستقراره، خاصة إذا تحولت الإمارات إلى طرف مباشر في الاستقطابات الإقليمية الحادة المرتبطة بالصراع مع إيران.

وتعكس أزمة الزيارة السرية أيضاً معضلة متفاقمة تواجهها أبوظبي، بين سعيها للحفاظ على صورتها كمركز تجاري ودبلوماسي منفتح على الجميع، وبين انخراطها المتزايد في تحالفات أمنية وعسكرية مرتبطة ب(إسرائيل) والولايات المتحدة.

ويكرس ذلك أن (إسرائيل) لا تتعامل مع الإمارات كشريك يحتاج إلى مراعاة دبلوماسية، بل كطرف يمكن دفعه علناً نحو تبني مواقف تخدم المصالح الإسرائيلية، حتى لو جاء ذلك على حساب الحرج السياسي للإمارات أمام الرأي العام العربي والإقليمي.

إمارات لينكس

 

قد يعجبك ايضا