قراءة في خطاب السيد القائد.. إحياء ذكرى شهيد القرآن هو إعلان عن حيوية مشروع نجح في التجذر والانتصار رغم محاولات الوأد المبكرة
ـ قراءة تحليلية في خطاب السيد القائد بالذكرى السنوية لشهيد القرآن.. من فجر الاستضعاف إلى فضاء النصر العالمي
ـ المشروع القرآني: من الاستضعاف إلى التمكين في مواجهة الطغيان الصهيوني-الأمريكي
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في خطابه بالذكرى.. يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ أن إحياء ذكرى شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي ” رضوان الله عليه”، 1447هـ لا يمثل مجرد استعادة لحدث تاريخي أليم، بل هو إعلان عن حيوية “مشروع” نجح في التجذر والانتصار رغم محاولات الوأد المبكرة.
مستلهما بأن هذه الذكرى تأتي مع واحدة من أخطر وأهم المراحل التاريخية التي تمر بها الأمة الإسلامية والعالم أجمع، حيث يتداخل فيها الصراع الميداني بالصراع الوجودي.
وإن الإحياء الشعبي والرسمي الواسع لهذا المشروع في اليمن، يعكس تحول “المظلومية” إلى “قوة ضاربة”، ومنهجاً قرآنياً يصنع الوعي ويضيء البصيرة، مؤكداً أن مقام الأمة اليوم هو “مقام النصر” الذي وعد الله به الصابرين.
لقد اعتقد الأعداء، بالاتكاء على السند الدولي المطلق قبل أكثر من عقدين، أن قتل السيد حسين بدر الدين الحوثي سيمثل نهاية لمشروعه، لكن القراءة التحليلية للواقع تثبت فشلهم الذريع. فبدلاً من زوال المشروع، أصبحت شهادته وقوداً لترسيخ قضية مقدسة، وربطت المسيرة القرآنية بمنطق التضحية العظيمة التي أثمرت قوافل من الشهداء والانتصارات.
إن الممارسات الظالمة من حروب وتدمير وهجمات إعلامية مضللة لم تزد المشروع إلا نمواً وتعاظماً، ليصبح اليوم حاضراً بأقوى مما مضى، كأحد أهم المصاديق التاريخية على وعد الله للمستضعفين بالتمكين، بينما تعيش الأنظمة التي ناصبته العداء حالة من التبعية والارتهان للمستكبرين.
ويرى السيد القائد أن “الثقة بالله” هي المعلم الأبرز في شخصية شهيد القرآن، وهي المخرج الوحيد من “أزمة الثقة” التي أصابت الأمة الإسلامية وأدت إلى شلل مواقفها.
لقد تحرك الشهيد القائد من نقطة الصفر، بلا سند عسكري أو مادي، في وقت كان فيه العالم العربي والإسلامي يعيش حالة من “الهزيمة الشاملة” تحت وطأة الهجمة الأمريكية والغربية بشعار “مكافحة الإرهاب”.
في ذلك الوقت الذي تسارعت فيه الأنظمة للإذعان لواشنطن، كان صوت شهيد القرآن هو الصوت المختلف والوحيد الذي يصدع بالحق، مستنداً إلى أن القرآن الكريم يمتلك الهداية الشاملة لإصلاح واقع الأمة وتغيير وضعها المزري، ومؤكداً أن ضعف التحرك الشعبي نابع أساساً من ضعف اليقين بالوعد الإلهي.
ويشخص السيد القائد في خطابه طبيعة الاستهداف الذي تتعرض له الأمة، موضحاً أنه استهداف ممنهج يرمي إلى الإذلال الكلي ومصادرة الكرامة، وإن غياب المنهج الإلهي في المواقف العملية جعل الأمة عرضة للاستغلال من قبل قوى الطاغوت والاستكبار، المتمثلة في “اللوبي الصهيوني” وأذرعه (أمريكا، بريطانيا، وإسرائيل)، هؤلاء الأشرار يسعون في الأرض فساداً وطغياناً، ويعملون على طمس الهوية الإسلامية ليسهل لهم السيطرة على الثروات والأوطان. ومن هنا، يبرز “الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” كمسؤوليات مقدسة لا غنى عنها لاستعادة العزة وتحقيق القسط والتصدي للشر التاريخي الممتد والمرتبط بخط الشيطان.
وفي ظل حملات الإضلال والتزييف التي يمارسها الأعداء، يؤكد السيد القائد أن “الوعي والبصيرة” يعتبر من أهم المكتسبات التي يقدمها المشروع القرآني، ويوضح السيد القائد أن جبهة الشر تعتمد اليوم على آلة إعلامية وتثقيفية هائلة لخلط الحق بالباطل، وهو ما أدى إلى حالة من “التيه” في أوساط الكثير من أبناء الأمة.
ويشير السيد القائد إلى إن المشروع القرآني، من خلال دروسه ومحاضراته، يعمل على تحصين الإنسان المسلم لكي لا يتحول إلى أداة تخدم نفوذ أعدائه، ولكي لا يبيع ولاءه في مزادات المساومات السياسية، فالقرآن يجلي الظلمات مهما كانت كثافتها، ويقدم رؤية حكيمة ومجدية تجعل الأمة في مستوى مواجهة التحديات الكبرى.
وتناول السيد في خطابه، التحرك الصهيوني كخطر وجودي يتجاوز الحدود الجغرافية لفلسطين. فالعدو الإسرائيلي، الذي زُرع في قلب المنطقة كجبهة متقدمة للاستعمار، يتحرك وفق مشروعين موثقين هما “إسرائيل الكبرى” و”تغيير الشرق الأوسط”.
وتطرق الخطاب إلى أن ما يثير القلق هو وجود أنظمة عربية تتنافس فيما بينها لخدمة هذا المشروع تحت عناوين “التطبيع”، مما يمنح العدو سيادة سياسية واقتصادية وأمنية على المنطقة، وإن بقاء الأمة بدون مشروع خاص بها يعني تلقائياً احتواءها ضمن المشاريع الصهيونية، أو استهلاك طاقتها في صراعات تكفيرية وطائفية تخدم الأعداء بشكل مباشر وتدمر بنية الأمة من الداخل.
في حين تعد الهوية الإسلامية الصلبة هي الضمانة الوحيدة للثبات والتماسك، فالعدو يسعى لفصل الأمة عن القرآن ليسهل عليه تدجينها وتحويل الإنسان المسلم إلى كائن خاضع، يشدد السيد القائد على أن المشروع القرآني يمتاز بـ”الأصالة”، فهو ليس مستورداً من الشرق أو الغرب، بل هو نابع من عمق الهوية العربية والإسلامية،
وأن المشروع القرآني على عكس المشاريع “الاستهلاكية” أو “المغشوشة” التي تلاشت دون ثمار، وأن المشروع القرآني يمتلك “قوة الحق” والواقعية التي تجعله قابلاً للتطبيق ومستنهضاً للجماهير، محولاً إياهم من حالة الانتظار للمجهول إلى حالة الفاعلية العالية.
وحول أحدث العدوان على غزة الذي شكل صدمة عالمية كشفت زيف العناوين الأمريكية البراقة، وأحيت الضمير الإنساني أمام بشاعة الإبادة الجماعية، يقرأ السيد القائد الأحداث في إيران بوصفها استهدافاً صهيونياً-أمريكياً عبر عصابات إجرامية حاولت ضرب الأمن والمقدسات، لكن وعي الشعب الإيراني وخروجه المليوني أفشل هذه المؤامرة.
ويشير إلى إن هذا “الانكشاف الأمريكي” يثبت أن واشنطن تتقن صناعة الأزمات والاستثمار فيها لفرض العقوبات والسيطرة، وهي سياسة تتطلب من شعوب الأمة يقظة عالية لعدم الانزلاق في فخ الفوضى الممنهجة.
وفي بُعد ميداني حساس، أعلن السيد القائد موقفاً يمنياً حازماً تجاه محاولات العدو الإسرائيلي التسلل إلى “أرض الصومال” لاستغلال موقعها الحيوي المطل على خليج عدن وباب المندب. وأكد أن اليمن لن يكتفي بالبيانات، بل هو جاد في “الاستهداف العسكري” لأي تمركز ثابت للعدو هناك (قواعد عسكرية أو غيرها).
إن هذا الموقف يأتي في إطار “الاستعداد للجولة القادمة” من الصراع الحتمي، حيث تستمر أنشطة التعبئة العامة والتطوير العسكري والوعي الشعبي، ويوكد السيد في الخطاب إن الرهان على الأمريكي هو رهان خاسر، فالتاريخ أثبت أن واشنطن تتخلص من حلفائها بسهولة حين تنتهي مصلحتها، بينما يبقى الارتباط بالله والقرآن هو الحصن الذي لا يُخترق والسبيل الوحيد للتحرر والاستقلال.