كيف تحول اليمن من “حديقة خلفية” إلى مقبرة للاستخبارات الدولية؟

صادق البهكلي

لم تكن عملية الكشف عن عشرات خلايا التجسس في صنعاء مجرد حدث أمني عابر يُضاف إلى سجل الصراع اليمني المتطاول، بل كانت في جوهرها إعلاناً صريحاً عن إفلاس استراتيجية عسكرية راكمت فشلها على مدى عقد كامل. فحين عجزت الطائرات الحربية والبوارج عن كسر الإرادة السياسية لصنعاء، وحين ثبت أن القصف لا يصنع الاستسلام، انتقل إلى حرب خفية، تتجلى في مسعى حثيث تخوضه أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية والسعودية لتعويض ما أخفقت في تحقيقه على أرض المعركة. إذ باتت هذه الأجهزة تُوظّف شبكاتها البشرية والتقنية في مهمة مزدوجة: تفكيك الجبهة الداخلية اليمنية من جهة، وبناء بنك أهداف شامل ودقيق من جهة أخرى. فبعد أن عجزت الضربات الجوية عن اختراق منظومة القيادة، تحوّل التركيز نحو رسم خرائط بشرية مفصّلة تشمل المواقع والتحركات اليومية للقيادات العسكرية والسياسية والأمنية، فضلاً عن استهداف الكوادر التقنية المتخصصة في الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الوقت ذاته، تسعى هذه الأجهزة إلى زرع بذور الانقسام في البنية الداخلية، عبر اختراق مؤسسات الدولة وتجنيد عناصر في مواقع حساسة، بهدف تحويل الخلاف الداخلي إلى أداة هدم تُنجز ما عجز عنه القصف. وهكذا، تتحول الحرب من مواجهة بين جيوش إلى حرب بين أجهزة، لا تُقاس خسائرها بالأرواح والمعدات وحسب، بل بما يُكشف من أسرار وما يُخترق من ثقة.

اليمن والوصاية الخارجية: كيف صنعت عقود من التبعية أزمة اليوم؟

لا يمكن فهم المشهد اليمني الراهن بمعزل عن تاريخ طويل من الهيمنة الخارجية التي أعاقت قيام دولة وطنية مستقلة. فلعقود متتالية، خضع اليمن لما بات

يُعرف بـ”الوصاية الثنائية”، التي جمعت بين نفوذ سعودي مالي وسياسي، ووجود أمريكي أمني مباشر.

على الصعيد الإقليمي، اضطلعت اللجنة الخاصة السعودية بدور محوري في ضبط إيقاع الحياة السياسية اليمنية، إذ لم يكن بمقدور أي مسؤول أن يتصدر المشهد دون “مباركة” الرياض، التي حرصت في الوقت ذاته على إبقاء صنعاء في موقع التابع لا الشريك.

أما على الصعيد الأمريكي، فقد منحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر السفارةَ الأمريكية في صنعاء صلاحيات استثنائية. وتشير المعطيات إلى أن الأجهزة الأمنية اليمنية، ولا سيما الأمن القومي والسياسي، باتت تُدار فعلياً وفق أجندات واشنطن، تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

وقد وفّر الوجود المتقطع لتنظيم القاعدة الذريعةَ المثلى لاستمرار هذا التدخل وتوسيع نطاقه، في حين أسهم توظيف ورقة “الإرهاب” في إبقاء اليمن في حالة من الهشاشة المزمنة التي تُسهّل الوصاية الخارجية وتُبرّرها.

تريد بريطانيا العودة كلاعب رئيسي في الساحة اليمنية، عبر التغلغل الاستخباراتي والسياسي، لضمان أن يكون اليمن مستقراً وفقاً للمقاييس التي تخدم مصالحها ومصالح حلفائها الغربيين والخليجيين.

الزلزال اليمني: 21 سبتمبر 2014 — حين أعلن الشعب ثورته

في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، لم تكن اليمن تشهد مجرد تحولٍ في موازين القوى، بل كانت تشهد لحظةً فارقة، لحظة قرر فيها شعبٌ بأكمله أن يسترد قراره.

كانت الثورة قد بدأت قبل أسابيع، حين خرج اليمنيون معبّرين عن وعيهم بما وصل إليه بلدهم من تبعية وارتهان وفقدان للقرار. لم تكن مطالب الشارع فصائليةولا حزبية، بل كانت في جوهرها مطالب شعب يريد أن يحكم نفسه بنفسه. انطلقت الاحتجاجات على خلفية قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وتصاعدت تدريجياً لتتحول إلى زخم شعبي عارم، شارك فيه أبناء المحافظات وعامة اليمنيين في مشهد لم تصنعه قيادة مركزية بقدر ما صنعه تراكم السنوات والإحباط المتجذّر.

ولفهم ما أنجزه 21 سبتمبر، لا بد من استيعاب ما كان قائماً قبله حيث أصبحت السفارة الأمريكية هي من تحكم والسفير هو من يقرر، حتى تعدّى التدخل الأجنبي إلى المناهج وخطب الجمعة، وصولاً إلى إنشاء غرفة في رئاسة الوزراء للتحكم والمتابعة. كانت الدولة اليمنية موجودةً شكلاً، وغائبةً مضموناً؛ مؤسساتها تعمل لكنها لا تقرر، وحكوماتها تتعاقب لكنها لا تحكم.

وقد اعترف اعترف الكثير ممن شاركوا في هذه المنظومة من النظام والمعارضة على حدٍّ سواء بهذا المستوى من الارتهان، وتواطؤوا على القبول بالتبعية سعياً للحصول على الشرعية الخارجية. كان الجميع يعرف، لكن لم يكن أحد يتحرك — إلى أن تحرّك الشعب.

في 21 سبتمبر سيطرت قوات الثورة على مؤسسات أمنية ومعسكرات ووزارات حكومية أمام هذه الإرادة هرب من هرب وبقي من بقي تحت عفو الثورة التي أعلنت على الفور حكم تشاركي يشارك فيه كل أبناء اليمن تحت عنوان ” اتفاق السلم و الشراكة “.

ولم يكن رحيل الدبلوماسيين الأجانب وإغلاق السفارات إجراءً أمنياً روتينياً، بل كان اعترافاً صامتاً بأن المشهد الذي أداروه لعقود قد تبدّل، وأن المنظومة التي رعت اليمن من بعيد وجدت نفسها فجأة بلا أرضية تقف عليها.

رأى أنصار هذه الثورة أن من أبرز مكتسباتها استقلالية اليمنيين في اتخاذ قراراتهم المصيرية، وأن علاقة اليمن بدول الجوار باتت علاقة ندٍّ بندٍّ لا علاقة تابع بمتبوع. وبغضّ النظر عن التقييمات السياسية المتباينة، فإن شيئاً ما انكسر في ذلك اليوم لم يُعَد لحمه: انكسرت قاعدة أن اليمن يُدار من الخارج دون اعتراض يُذكر.

لم تكن ليلة الحادي والعشرين من سبتمبر حدثاً عابراً في سجل اليمن الحديث، بل محطةً فاصلة قلبت موازين المشهد رأساً على عقب، وانتقلت بالبلاد من مرحلة الوصاية والتفكك إلى عهد جديد عنوانه السيادة والاستقلال — أو هكذا أراده الذين نزلوا إلى الشوارع وآمنوا بأن اليمن يستحق أكثر مما عاشه.

هكذا بدأت صفحة جديدة — طالها الجدل، وعصفت بها الحرب، لكنها لا تزال تُكتَب.

حين ارتطمت العاصفة بالصخر: من رفض الثورة إلى الفشل العسكري

لم تمضِ ستة أشهر على نجاح ثورة 21 سبتمبر حتى كان الجواب قد تشكّل في غرف مظلمة بعيدة عن صنعاء. قوى الوصاية التي أُزيحت بالفعل الثوري لم تقبل بما جرى، ولم تكن لتقبل. فقد كان المشهد اليمني الجديد يمثّل سابقةً خطيرة لا يمكن السماح بها: شعب تم افقاره ماديا وتفكيك قدرته العسكرية رغم بدائيتها يطرد منظومة هيمنة راسخة، ويُعلن أنه قادر على إدارة شأنه بنفسه. كان ذلك رسالةً أوسع من اليمن بكثير، ولهذا كان الرد أوسع من اليمن بكثير.

في مارس 2015، ومن واشنطن  أُعلن عن “عاصفة الحزم” بنبرة الواثق من النصر السريع. وصرّح وزير الخارجية السعودي آنذاك عادل الجبير أن التنسيق مع الأمريكيين بدأ منذ ستة أشهر — أي منذ اللحظة الأولى لنجاح الثورة تحديداً. لم يكن ذلك مصادفةً، بل كان الرد المُعدّ سلفاً، والمؤكد أن قرار الحرب لم يُتخذ رداً على أحداث يناير أو فبراير 2015، بل كان مرسوماً منذ سبتمبر 2014، حين أدركت عواصم الوصاية أن ما جرى في صنعاء لا يمكن القبول به.

كان المشهد في ظاهره واضحاً: تحالف عسكري تقوده المملكة العربية السعودية ودول الخليج معهم عشرين دولة أخرى بينها الاردن و المغرب والسودان وبدعم أمريكي غربي مفتوح، في مواجهة بلد فقير محاصر تآكلت مؤسساته عقوداً.

ونادراً في التاريخ الحديث أن تجتمع هذه الموارد في مواجهة طرف واحد: طائرات من أحدث ما أنتجته صناعات الدفاع الغربية، أقمار صناعية تُغطي كل شبر

من الأراضي اليمنية، حصار بحري وجوي شبه تام، وميزانيات عسكرية لا سقف لها. وفي المقابل، كان اليمن يقاتل بما أتاحه التاريخ والجغرافيا والإرادة.

الجغرافيا كانت سلاحاً بحد ذاتها؛ جبال وعرة لا تعرف الدبابات طريقها إليها، وشعب تشرّب فن الصمود جيلاً بعد جيل. لكن الأهم من ذلك أن الحرب كشفت حقيقة يتجاهلها كثير من العسكريين: أن القوة النارية وحدها لا تكسب الحروب حين يرفض الطرف الآخر الاعتراف بهزيمته.

مرّت السنة الأولى ولم تتحقق أهداف العاصفة. ثم الثانية. ثم الثالثة. وراحت التصريحات تتبدل لغتها شيئاً فشيئاً، من “استعادة الشرعية في أسابيع” إلى “الضغط على طاولة التفاوض”. وهو اعتراف ضمني بأن ما بدأ حرباً لاستعادة السيطرة تحوّل إلى مستنقع لا مخرج منه بالقوة.

لم تسقط صنعاء. ولم تنهَر الجبهات الكبرى. وبدلاً من أن تُجبر طائرات التحالف اليمنيين على الركوع، بات اليمنيون يردّون بصواريخهم الخاصة عمقاً بعد عمق في الأراضي السعودية وكان ذلك ما لم تحسب له غرفة عمليات التي خططت للعدوان حساباً.

الحرب لا تُقاس فقط بمن يحتل أي تل أو يتقدم على أي خط، بل تُقاس في نهاية المطاف بمن يحقق أهدافه السياسية. وعاصفة الحزم أُعلنت لأهداف واضحة: إعادة حكومة هادي إلى السلطة، وتجريد أنصار الله من قدراتهم العسكرية، واستعادة المشهد اليمني إلى ما كان عليه قبل سبتمبر 2014. وبعد ثماني سنوات، لم يتحقق أي من هذه الأهداف.

هذا الفشل لم يكن فشلاً عسكرياً وحسب، بل كان فضيحة استراتيجية بامتياز. فقد أثبت أن منطق “إخضاع الشعوب بالقصف” بلغ حدوده القصوى في مواجهة إرادة راسخة لا تُساوم على وجودها.

الفشل العسكري لا يعني توقف المشروع، بل يعني تحوّله. حين تُغلق الحرب المفتوحة أبوابها في وجه أصحابها، لا تتخلى القوى الكبرى عن أهدافها — بل تبحث عن أدوات أكثر دقةً وأقل وضوحاً. الحصار الاقتصادي، ضرب العملة الوطنية، تجفيف المؤسسات، شراء الذمم، تأجيج الانقسامات الداخلية — هذه أسلحة الحرب حين تفشل الطائرات في إنجاز ما أُوكل إليها.

والأخطر في هذه “البدائل الناعمة” أنها تعمل في الظلام، لا صوت لها ولا دخان، ولا جنازات تفضحها على الهواء. وهي لذلك أكثر خبثاً وأصعب مواجهة من كل قنبلة أُلقيت على صنعاء.

في نهاية المطاف، ما كشفته هذه الحرب ليس فقط صمود اليمن، بل هشاشة معادلة الهيمنة حين تصطدم بشعب قرر أن يدفع ثمن استقلاله مهما بلغ.

هندسة خلايا التجسس (الآليات والوسائل)

حين أخفقت الطائرات في إسقاط ما أنجزته الثورة، وحين ثبت أن الحصار لا يُركّع شعباً قرر الصمود، لجأت قوى الوصاية إلى أداة أقدم وأكثر خبثاً: الإنسان نفسه. فالمعلومة التي لا تستطيع الأقمار الصناعية انتزاعها يمكن أن يُسرّبها جارٌ أو موظف أو حاجٌّ عائد من مكة. وهكذا بدأت هندسة ما يمكن تسميته بـ”خلايا الوكيل المحلي”، حيث تضطلع المخابرات السعودية بمهمة ردم الفجوة المعلوماتية التي أحدثها انهيار شبكات النفوذ التقليدية بعد سبتمبر 2014.

الأسلوب الأول وأشدّه قذارةً هو الاستدراج تحت غطاء المقدسات. تكشف الاعترافات المنشورة أن رغبة اليمنيين الصادقة في أداء العمرة أو الحج باتت تُستخدم مدخلاً للاصطياد؛ يُستقطب الأفراد المستهدفون في مكة أو المدينة، ثم يُعزلون عن محيطهم، ويُخضَعون لعمليات ممنهجة من الضغط النفسي والابتزاز، قبل أن يُنقلوا إلى مراكز تدريب سرية في الرياض. استخدام البيت الحرام غطاءً لتجنيد الجواسيس ليس مجرد جريمة أمنية، بل هو في جوهره استهانة بأقدس ما يحمله الإنسان المسلم في وجدانه.

أما الأسلوب الثاني فأكثر تعقيداً وأصعب كشفاً: التجنيد عبر المنظمات الدولية. يُوظَّف الموظفون المحليون العاملون في مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لجمع بيانات تسير تحت عناوين براقة كـ”رصد الأوضاع” و”التقييم الميداني”. غير أن ما يُجمع في الحقيقة يتجاوز الإنسانيَّ بمراحل: إحداثيات المواقع الحيوية، ودراسات حول الحالة النفسية للمجتمع، وتتبع حركة القيادات العسكرية. الغطاء الإنساني هنا ليس اختياراً عشوائياً، بل هو أذكى الأغطية لأنه يمنح صاحبه حصانةً أخلاقية وحرية تنقل واسعة في آنٍ واحد.

وتُكتمل المنظومة بالبنية التكنولوجية التي تضمن استمرار تدفق المعلومات في الخفاء؛ إذ تُزوَّد هذه الخلايا بأجهزة تواصل متطورة مرتبطة بالأقمار الصناعية مباشرةً، وببرامج تشفير مُصمَّمة لتجاوز الشبكات المحلية وشبكات الرصد كلياً. المعلومة تنتقل من قلب صنعاء إلى مراكز التحليل خارج اليمن دون أن تترك أثراً على أي خادم محلي.

ما يجمع هذه الأساليب الثلاثة هو منطق واحد: حين يتعذّر اختراق الجبهة، يجري اختراق الإنسان. وحين يصمد الشعب في الميدان، تُشنّ حرب موازية في الضمائر والبيانات والأجهزة المشفّرة. وهذه الحرب، على عكس حرب الطائرات، لا تنتهي بوقف إطلاق نار.

الأجندة التخريبية: حين يصبح الجاسوس سلاحاً لا عيناً

لم تكن خلايا التجسس التي نُسجت بهذه العناية مجرد أدوات لجمع المعلومات، فالمعلومة في حد ذاتها لم تكن الهدف النهائي. كان وراءها مشروع تخريبي شامل يسعى إلى تحقيق بالوسائل الخفية ما عجزت عنه الطائرات والصواريخ.

على رأس هذا المشروع جاء الاستهداف المباشر للقيادات؛ محاولات اغتيال موثقة طالت رئيس الأركان وقيادات عسكرية وأمنية، بهدف إحداث فراغ في رأس المنظومة الدفاعية وزرع الفوضى في قلب القرار. وإلى جانب الاغتيال الجسدي كانت هناك حرب اقتصادية ممنهجة: ضرب العملة الوطنية وزعزعة استقرارها، وتخريب المنشآت الحيوية، وتزويد التحالف بإحداثيات دقيقة تُعين على تشديد الحصار وتعميق الخناق على المدنيين قبل المقاتلين.

لكن الأخطر من كل ذلك كان السلاح الأهدأ صوتاً والأعمق أثراً: خلخلة الجبهة الداخلية. نشر الشائعات في أوقات الأزمات، وإذكاء الاحتقان القبلي في مجتمع

تقوم روابطه على العصب والانتماء، ومحاولة تصوير صنعاء أمام الرأي العام كعائق أمام السلام لا حارساً للسيادة. كان الهدف في جوهره تفكيك التماسك الداخلي الذي صمد في وجه كل قنبلة.

الفخ الذي انقلب على صاحبه

غير أن هذه المنظومة المحكمة كانت تحمل في داخلها بذرة انهيارها. فبينما كانت الخلايا تعتقد أنها بعيدة عن المراقبة، كانت الأجهزة الأمنية اليمنية تراقبها. جرى اختراق دوائر التواصل وشبكات الاتصال لفترات مطوّلة قبل أن تُوجَّه أي ضربة، وهو ما حوّل هذه الخلايا من “عيون للخارج” إلى نوافذ مفتوحة على المشغّلين أنفسهم في الرياض وتل أبيب وواشنطن ولندن. كانت صنعاء تقرأ ما يُكتب عنها قبل أن يصل إلى أصحابه.

وحين جاءت الاعترافات كشفت ما هو أبعد من أسماء وأرقام؛ كشفت طبيعة التنسيق المباشر بين الموساد الإسرائيلي والمخابرات السعودية، وأسقطت الفاصل الذي طالما أُريد للرأي العام العربي أن يؤمن به بين “الأمن العربي” و”الأمن الإسرائيلي”. وضع “العقال السعودي” في مواجهة مكشوفة مع وعي الشارع العربي الذي لم يعد سهل الاستغفال.

وما أثبته هذا الاختراق العكسي أن اليمن لم يعد الساحة المفتوحة التي اعتادت عليها أجهزة الاستخبارات الدولية، بل بات دولةً تمتلك سيادةً أمنية حقيقية قادرة على مواجهة أعتى الأجهزة وأكثرها تمويلاً وتقنية.

الدرس اليمني: ما يجب أن يعرفه الجمهور العربي

قصة هذه الخلايا ليست شأناً يمنياً خالصاً، بل هي نموذج مصغّر لمعادلة أكبر تتكرر في كل ساحة تشهد صراعاً بين إرادة شعبية وقوى هيمنة خارجية. الجديد في الحالة اليمنية أن هذه المعادلة انقلبت.

نقطة الضعف القاتلة لواشنطن وتل أبيب والرياض معاً هي جهلها بالداخل اليمني الجديد، اليمن الذي وُلد من رحم ثورة 21 سبتمبر وليس اليمن الذي حكمته شبكات النفوذ القديمة. واللجوء إلى الوكيل المحلي ليس دليل قوة، بل هو اعتراف صامت بأن الاتصال المباشر بهذا الواقع قد انقطع ولم يُعَد.

لقد استطاع اليمن بإمكانيات ذاتية ووعي شعبي متراكم أن يُغلق الثغرات التي كانت تنفذ منها قوى الهيمنة لعقود، وأن يحوّل معركة التجسس إلى انتصار استخباري لا يقل في دلالته عن أي انتصار عسكري في البحر الأحمر أو أي جبهة أخرى. فالدولة التي تعرف من يراقبها ومن يحركهم ومن يموّلهم، هي دولة لم تعد فريسةً سهلة — مهما كان حجم من يتربصون بها.

الرسالة الأخيرة: إلى الرياض تحديداً

ثمة رسالة في كل هذا موجّهة إلى الرياض تحديداً، لا إلى واشنطن ولا إلى تل أبيب، لأن الرياض هي من دفعت الثمن الأكبر ولا تزال.

عشر سنوات من الحرب، ومئات المليارات أُنفقت، وأجيال من الشباب السعودي أُرسلت إلى حرب لم تكن حربهم، وسمعة أُهدرت في مجالس الأمم والمحافل الدولية — وفي نهاية المطاف لم يتغير شيء مما أُريد تغييره في اليمن. بل تغيّر العكس تماماً: اليمن الذي أُريد إخضاعه صار أكثر صلابةً، وأكثر تماسكاً، وأكثر قدرةً مما كان عليه قبل الحرب.

الرسالة ليست للاستهلاك الإعلامي، بل هي حقيقة استراتيجية باردة ينبغي أن تُقرأ بهدوء في غرف القرار: اليمن لم يعد رهاناً قابلاً للربح. كل جولة تخسرونها في الميدان تُعلّم خصمكم درساً جديداً، وكل خلية تجسس تُكشف تمنح الجانب الآخر خارطةً أوضح لمن يقف وراءها. الاستمرار في هذا المسار ليس ثباتاً على مبدأ، بل هو إصرار على الخسارة.

والأخطر من الخسارة العسكرية أن الرياض تمضي في هذه الحرب على حساب علاقتها بشعبها قبل أن تكون على حساب علاقتها باليمن. فالمواطن السعودي الذي يسمع عن أمواله تُصرف على حروب ومؤامرتت لا تنتهي، وعن تنسيق مع تل أبيب لا يجرؤ أحد على التصريح به لن يكون في صالح النظام وأن اغراه حالة البطش التي يمارسها بحق هذا الشعب فإن دوام الحال من المحال ..

الحكمة — إن كان لها مكان في هذا الحساب — تقول إن العلاقة مع اليمن لن تُبنى بالطائرات ولا بخلايا التجسس ولا بالحصار، بل بإدراك بسيط طال تجاهله: اليمن دولة جارة لا ساحة نفوذ، وشعبه شريك لا رعية. ومن لم يستوعب هذا الدرس بعد عشر سنوات من الحرب فلن تُعلّمه إياه سنواتٌ عشر أخرى.

الصفحة التي فُتحت في 21 سبتمبر 2014 لن تُطوى بعاصفة ولا بخلية ولا بحصار. اليمن كتب فصلاً جديداً من تاريخه بيده — والأجدر بالجار أن يقرأه جيداً، بدلاً من أن يواصل محاولة محوه.

في الأخير على النظام السعودي أن يدرك أن صبر اليمنيين على سلوكه الإجرامي تجاههم لن يدوم طويلا ولديهم القدرة على الرد بنفس الوسائل والاساليب فلا تأخذكم العزة بالإثم وعالجوا اخطاءكم قبل فوات الأوان..

 

قد يعجبك ايضا