مأزق المجرم نتانياهو
صادق البهكلي
المجرم الصهيوني المتطرف الذي اتّخذ من الحرب هويةً
لتاريخه السياسي المليء بالجرائم والتطرف، نادراً ما وجد نفسه في مأزق حرب استراتيجية اشعلها بنفسه سعيا وراء تحقيق مكاسب سياسية خاصة به و هروبا ملفات الفساد المثقل بها أمام الداخل الصهيوني.
المجرم بنيامين نتنياهو، المهندس الفعلي لحكومة اليمين المتطرف برفقة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يكاد يكون مثالاً حيّاً على هذه المفارقة. فبينما احتفل الرجل بمقتل قادة حزب الله، وبينما يحصي عدد الأطنان المُلقاة على غزة، يجد نفسه اليوم في مواجهة حصيلة لم يخطّط لها: كيان يُحاكَم دولياً، وصورة تتآكل في العواصم الغربية، ومقاومة أثبتت أنها تتجدد في كل مرة يُعلَن عن موتها.
معضلة حزب الله — عندما يتوهم المهزوم انه منتصر
ظنّ نتنياهو أن سلسلة الاغتيالات التي طالت القيادة العليا لحزب الله — من السيد حسن نصر الله إلى فؤاد شكر إلى عدد من قادة الميدان — كافيةٌ لتحويل الحزب إلى هيكل أجوف.
كان الحسابُ الإسرائيلي بسيطاً في ظاهره: اقتلع الرأس فيسقط الجسد. غير أن ما جرى بعد ذلك كشف عن خطأ منهجي في قراءة طبيعة هذا التنظيم.
فبدلاً من الانهيار، ردّ الحزب بأسلوب لم يكن في حسابات الاستخبارات الإسرائيلية: المسيّرات الانقضاضية. هذا السلاح الرخيص نسبياً، المُوجَّه بدقة، الصعب الاعتراض، بات يُشكّل معادلة رعب جديدة في العمق الإسرائيلي. المسيّرة التي كلّفت بضعة آلاف من الدولارات أربكت منظومات دفاعية تُقدَّر بمليارات. والرسالة كانت واضحة: قيادتنا تُغتال ولكنّ قدرتنا على الإيذاء لا تُغتال.
هنا تتجلّى المعضلة الحقيقية: نتنياهو لم يواجه تنظيماً هرمياً تقليدياً، بل واجه نموذجاً تنظيمياً متجدراً في بيئته الاجتماعية، قادراً على إعادة إنتاج نفسه حتى تحت القصف. وهذا لا يعني أن الحزب خرج من المعركة بلا خسائر — خسائره كانت جسيمة — لكنه لم يخرج منهزماً بالمعنى الوجودي الذي أراده نتنياهو.
جرّ ترامب إلى المستنقع .. الرهان الذي أخفق
بعد ما قدّمه كـ”إنجازاته” في لبنان وغزة، انتقل نتنياهو إلى فصل أكثر جرأةً وأشدّ خطورة: استخدام هذا الزخم لجرّ الإدارة الأمريكية إلى مواجهة مباشرة مع إيران. الحسابُ كان أن ضعف الوكلاء الإقليميين — حزب الله وحماس — سيُمثّل النافذة التاريخية لضرب النظام الإيراني واسقاطه و القضاء على المشروع النووي الإيراني، وتحقيق حلم ” إسرائيل الكبرى ” تحت مظلة الدعم العسكري الأمريكي مستغلا مأزق ترامب المثقل هو الآخر بملف جرائمه في جزيرة ابستين والذي وجد نفسه دمية بيد نتانياهو متجاوزا حسابات داخلية أمريكية صارمة: ناخبوه لا يريدون حرباً جديدة في الشرق الأوسط، والاقتصاد الأمريكي لا يحتمل صدمة نفطية إضافية، والمؤسسة العسكرية الأمريكية حذّرت مراراً من مغبة انزلاق إقليمي إضافة إلى أن الحرب تتعارص تماما مع تعهدات ترامب الانتخابية وشعاراته ” أمريكا أولا” ولكن ما حيلة المجرم الأمريكي أمام الابتزاز الصهيوني سوى إشعال حرب نيابة عن الصهاينة ووفق رغباتهم فكان العدوان على إيران، ولكن الرد الإيراني كان قويا ومفاجئا ولم يستطع الأمريكي تحقيق الحسم الذي طلبه نتنياهو فاستبدله بلغة الرسائل والتهديدات والتناقضات.
الأخطر من ذلك: أن الضربات الإيرانية المضادة كشفت عن هشاشة الغطاء الجوي الأمريكي الإسرائيلي ورغم القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الجوار الإيراني فقد عجزا عن تحقيق أي انجاز يذكر وبدلا من إسقاط النظام الإيراني بات أمل ترامب هو كيف يفتح مضيق هرمز ويخرج من المأزق الذي اغرقه فيه نتانياهو وهكذا بات المعتدون أمام معادلة مقلوبة: طلب نتانياهو توسيع الحرب، فوجد نفسه أكثر عزلةً مما كان.
الاتفاق الأمريكي–الإيراني الكابوس الاستراتيجي
منذ الأيام الأولى لمفاوضات فيينا، وعبر كل إدارة أمريكية تعاقبت، كان نتنياهو ظلاً لا يغيب عن قاعات التفاوض، يُخرّب ما يستطيع ويُضخّم ما لا يستطيع إفساده. اليوم، وفيما تتقاطع المصالح الأمريكية والإيرانية نحو تفاهم وقف الحرب على كل الجبهات بما فيها و هو الأهم جبهة لبنان و فتح المضيق، ورفع العقوبات واطلاق الأموال الإيرانية المجمدة يجد نتنياهو نفسه أمام معضلة وجودية.
لماذا يُعدّ الاتفاق كارثياً بالنسبة له؟
الجواب ليس في البنود التقنية للاتفاق — رغم أهميتها — بل في ما يعنيه سياسياً: اتفاق أمريكي-إيراني يعني ضمنياً الاعتراف بإيران كقوة إقليمية لها مصالح مشروعة. وهذا الاعتراف سينعكس حتماً على وضع حزب الله، الذي سيعيد بناء نفسه في ظلّ مظلة دبلوماسية بدلاً من أن يتهالك تحت وطأة الحصار. بمعنى آخر: الاتفاق هو رصاصة تقتل حربَ نتنياهو إلى الأبد.
ولهذا السبب تحديداً يُفجّر نتنياهو كل مسار تفاوضي كلما اقترب من النضج. إنه يُدرك أن الاستفراد بحزب الله واستغلال مرحلة الضعف التي يمر بها — قبل أن يتعافى تحت مظلة الاتفاق — هو الفرصة الأخيرة. لكن هذه الفرصة تضيق يوماً بعد يوم، وما تبقّى من نوافذ لا يكفي لإنجاز الهدف.
محكمة العدل الدولية شاهد لا يُرشى
في المحاكمات الشهيرة عبر التاريخ، كان المتّهمون يُواجَهون أحياناً بشاهد من صنع أيديهم. نتنياهو اليوم في هذا الموقف بالضبط.
غزة التي مسحها من الخريطة تركت أثراً لن تمحوه أي آلة دعائية: أرشيف قضائي في لاهاي. ليس بلاغاً مجهول المصدر، ولا ادعاء من حكومة معادية — بل حكمٌ أوليٌّ صادر عن أعلى محكمة في النظام الدولي يتهم نتانياهو و قادة الإبادة بتهم جرائم الحرب ويُلزم الكيان المحتل باتخاذ إجراءات لمنع جرائم الإبادة الجماعية. هذا الحكم لا يتقادم، ولا يُمحى بانتخابات، ولا يُسقطه تغيير في الإدارة الأمريكية.
المفارقة القاسية أن الرجل الذي استثمر طوال مسيرته في الادعاء بأن كيانه المحتل “دولة قانون في محيط فوضوي” أصبح هو نفسه المتّهم أمام أكبر مؤسسة قانونية دولية. ووثائق القضية ليست تقارير صحفية أو شهادات موتورة — بل صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الأمم المتحدة وإحصاءات وزارات صهيونية تسرّبت على الرغم منه، و هذا هو أحد المكاسب التي سيخرج بها المجرمون من هذه الحرب..
أسطول الحرية — المشهد الذي يتكرر
ثمة مشاهد تتجاوز التحليل لتدخل في وجدان الشعوب فالسلوك الإجرامي للمتطرفين الصهاينة وتحديهم لكل المواثيق و القرارات الدولية وتصريحاتهم العنصرية التي اظهرتهم و كأنهم فوق القانون و آخرها اعتراض سفينة “هانديلا” وأسطول الحرية الذي كان على متنه ناشطون من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا ودول غربية عدة، كان أحد هذه المشاهد.
لم يكن هؤلاء مقاتلين، ولا حاملي سلاح — بل أطباء ومعلمون وصحفيون وبرلمانيون سابقون جاؤوا بالدواء والغذاء. مشاهد اعتقالهم، ومصادرة أجهزتهم، وإعادتهم مُهانين إلى بلدانهم وُزِّعت على الشاشات الغربية بالتفصيل الذي لا يحتاج إلى تعليق.
كانت هذه الحادثة امتداداً لمنطق حكومي متطرف بنى سياسته على افتراض أن الغرب سيبتلع كل شيء ما دام اسم الأمن يُذكر. لكن إيتمار بن غفير — الوزير الذي يُعلّق صورة غولدشتاين قاتل المصلين في مكتبه — وكتلته الأيديولوجية قوّضت هذا الافتراض بسلوكها اليومي، حتى أصبح المسؤولون في برلين وباريس ولندن يجدون صعوبة متزايدة في تبرير موقفهم أمام ناخبيهم.
تآكل الصورة الصهيونية في الغرب
قبل عشر سنوات، كان المنتقد الغربي لإسرائيل يواجه تهمة اللاسامية في غضون دقائق من أي منبر. اليوم يقف أكاديميون يهود ومسؤولون سابقون وجنرالات متقاعدون في الغرب ليوصفوا ما يجري بكلمات لم يكن أحد يجرؤ على نطقها قبل سنوات.
هذا التحوّل لم يكن نتاج حملة دعاية محكمة — بل كان نتاج الصور نفسها. المستشفيات المقصوفة، المساجد المدمّرة، الأسواق المحوّلة إلى ركام، وفوق كل ذلك حكومة لا تتردد في الإعلان عن أهدافها بلغة لا تحتمل التأويل.
الجيل الغربي الجديد، الذي يتلقّى معلوماته من وسائل التواصل الاجتماعي لا من المؤسسات الإعلامية الكبرى، لا يرى إسرائيل بالعيون التي رآها بها آباؤه. وهذا التحوّل في الوعي الشعبي يسبق التحوّلات الرسمية بسنوات — وحين يلحق السياسيون بناخبيهم، ستكون الصورة قد تغيّرت بشكل لا رجعة فيه.
خاتمة: المجرم الخاسر
الاستراتيجيون القدامى كانوا يُميّزون بين انتصار المعركة وانتصار الحرب. نتنياهو يمكنه أن يُدرج في سجلّه العسكري قوائم بالقادة المُغتالين والمناطق المُدمَّرة والكيلومترات المسيطَر عليها. لكن الحصيلة الاستراتيجية تُصوَّر على وجه مختلف تماماً:
مقاومة تتجدد وتُفاجئ، ومحكمة دولية تُصنّفه مجرم حرب، واتفاق أمريكي إيراني يُلغي مبرّر كل حروبه قادم لا محالة، وصورة إقليمية ودولية في أدنى مستوياتها منذ قيام الكيان، وغرب بدأ يُراجع حساباته بضغط شعبي لا يستطيع تجاهله.
الرجل الذي راهن على الحرب لإنقاذ حكمه وإنقاذ الكيان وجد نفسه في نهاية المسار بلا حكم مستقر وبكيان تآكلت شرعيته الدولية. وهذا، في لغة الاستراتيجيين، لا يُسمّى انتصاراً.