مسيّرات المقاومة اللبنانية تحسم المواجهة.. جيش الاحتلال من الهجوم إلى الدفاع
اتسمت الوضعية العامة للجبهة اللبنانية خلال يوم أمس بوضوح في ميزان المبادرة الميدانية، حيث نجحت المقاومة الإسلامية في فرض إيقاعها العملياتي بشكل متصاعد، ما أدى عملياً إلى تعطيل مساعي جيش الاحتلال الإسرائيلي لتحقيق أي إنجاز يُذكر ضمن مرحلة وقف إطلاق النار، وهي المرحلة التي لم يلتزم بها العدو أساساً، إذ واصل اعتداءاته على القرى والمناطق المدنية، في حين استمرت المقاومة في الرد المباشر والمنهجي على هذه الخروقات، بما يعكس انتقالها من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل المنظم والمبادر.
في المقابل، بدت الحالة الإسرائيلية على المستويين العسكري والسياسي مأزومة بشكل واضح، حيث تصدرت وسائل الإعلام العبرية ومراكز القرار اعترافات صريحة بالفشل، وصلت إلى حد وصف العملية البرية في لبنان، التي حملت اسم “زئير الأسد”، بأنها فشل مطلق. ولم يقتصر الأمر على البعد الإعلامي، بل تجسد ميدانياً مع بدء انسحاب وحدات عسكرية أساسية، مثل الفرقة 162 ولواء الناحال ووحدات المظليين، تحت ضغط العمليات التي نفذتها المقاومة، وهو ما يعكس عجزاً عن تثبيت أي مكاسب ميدانية. وترافق هذا الواقع مع انهيار متسارع في ثقة مستوطني الشمال بمؤسساتهم، حيث سادت حالة من الشعور بالتخلي، وصلت إلى حد اعتبار أن الحرب باتت تدور داخل بيوتهم، ما دفع السلطات المحلية إلى إعلان الإضراب في قطاع التعليم، في مؤشر على تفكك الجبهة الداخلية وتآكل قدرتها على الصمود.
على المستوى العملياتي، برزت فعالية واضحة لعمليات المقاومة التي نفذت ست عمليات مركزة اتسمت بالدقة والتنسيق، واستهدفت بشكل مباشر نقاط الضعف في انتشار العدو. وقد شكّل سلاح الطائرات المسيّرة والمحلّقات الانقضاضية رأس الحربة في هذه العمليات، حيث تم تنفيذ أربع هجمات نوعية استهدفت جرافة عسكرية في بنت جبيل أثناء قيامها بأعمال الهدم، ودبابة ميركافا في بلدة القنطرة بهدف تعطيل تقدم القوات، إضافة إلى استهداف تجمعات لجنود الاحتلال في القنطرة والطيبة وموقع مستحدث يُعرف بـ”نمر الجمل”. وقد أسفرت هذه العمليات عن إصابات مؤكدة في صفوف العدو، إضافة إلى مقتل أحد مشغلي الآليات الهندسية وإصابة آخر، وفق ما اعترف به الإعلام الإسرائيلي.
وفي تطور نوعي، سجلت المقاومة إنجازاً لافتاً على مستوى الدفاع الجوي، تمثل في إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية من نوع “هرمز 900” فوق بلدة القنطرة باستخدام صاروخ أرض-جو، وهو ما يعكس تطوراً في قدرات المقاومة على تحييد التفوق الجوي التكتيكي الإسرائيلي، ويؤشر إلى انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث لم يعد المجال الجوي مفتوحاً بالكامل أمام العدو كما في السابق.
في المقابل، حاول جيش الاحتلال تعويض خسائره البرية عبر الاستمرار في سياسة الأرض المحروقة، فواصل عمليات هدم المنازل في القرى الأمامية، ونفذ غارات جوية استهدفت منازل فارغة في مناطق البقاع ومحيط نهر الليطاني، وفق ما نقلته وسائل إعلامه. إلا أن السلوك الأبرز تمثل في حالة الهستيريا الدفاعية التي ظهرت من خلال الإطلاق المكثف والعشوائي للصواريخ الاعتراضية في سماء مناطق متعددة، من بينها إصبع الجليل ومرجعيون ومسكفعام وكريات شمونة، في محاولة للتصدي للمسيّرات التي استهدفت قواته داخل الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا التحول انتقال منظومات الدفاع الجوي من حماية المستوطنات إلى حماية القوات العسكرية المنتشرة في الميدان، ما يعني عملياً فشل الهدف الأساسي للحرب، والمتمثل في تأمين الجبهة الداخلية.
وعند تحليل أداء الطرفين، يتضح أن المقاومة نجحت في تحقيق تفوق تكنولوجي لافت من خلال إدخال المحلّقات الموجهة بالألياف البصرية، وهي تقنية يصعب التشويش عليها، ما أدى إلى شل فعالية أنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية. كما اعتمدت المقاومة تكتيكاً هجومياً مرناً يقوم على ما يمكن تسميته “اللدغات القاتلة”، أي تنفيذ ضربات دقيقة وسريعة عبر أسراب المسيّرات وخلايا متحركة، ما يمنع العدو من تثبيت نقاط ارتكاز أو التمركز في مناطق الاشتباك. ولم يكن هذا الأداء منفصلاً عن البعد السياسي والإنساني، إذ حرصت المقاومة على ربط عملياتها بالرد على هدم المنازل والاعتداء على المدنيين، في محاولة لترسيخ معادلة حماية القرى اللبنانية ضمن إطار السيادة الوطنية.
في المقابل، أظهر جيش الاحتلال عجزاً تكتيكياً واضحاً في مواجهة هذا النمط من التهديدات، حيث اضطر الجنود إلى استخدام أسلحتهم الفردية في محاولة إسقاط المسيّرات، إضافة إلى اللجوء إلى حلول بدائية مثل وضع شبكات فوق المواقع العسكرية، ما يعكس فجوة تسليحية وتكنولوجية غير متوقعة. كما برز خلل استراتيجي في توزيع الموارد، حيث أقرّت القيادة العسكرية بأن العملية البرية نُفذت دون غطاء جوي كافٍ نتيجة الانشغال بجبهات أخرى، مثل إيران واليمن، إضافة إلى الاعتماد على دعم بحري محدود، وهو ما يشير إلى ضعف في التخطيط والتنسيق. ويكتمل هذا المشهد مع التحول في بروتوكولات الدفاع الجوي، حيث باتت الصواريخ الاعتراضية تُستخدم لحماية القوات داخل لبنان بدلاً من المستوطنات، في انقلاب واضح على العقيدة الدفاعية السابقة.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المقاومة نجحت في إعادة تشكيل ميزان الردع بشكل تدريجي، حيث أعادت الواقع الإسرائيلي إلى ما قبل السابع من تشرين الأول 2023، بل وفرضت واقعاً أكثر تعقيداً، تحولت فيه مستوطنات الشمال إلى منطقة شبه مهجورة، فيما وجد جيش الاحتلال نفسه في موقع دفاعي داخل الأراضي التي حاول التقدم إليها. كما أثبت سلاح المسيّرات، ولا سيما الموجهة بالألياف البصرية، أنه يشكل نقطة ضعف مركزية في المنظومة العسكرية الإسرائيلية، ومن المرجح أن يستمر في لعب دور محوري في المرحلة المقبلة، سواء في استنزاف القوات أو في تثبيت قواعد اشتباك جديدة.
أما على المستوى الداخلي الإسرائيلي، فإن الانسحاب التدريجي دون تحقيق الأمن سيؤدي إلى تعميق الأزمة بين الحكومة والمستوطنين، مع مؤشرات على تصاعد حالة التمرد المدني، كما يظهر في إضراب قطاع التعليم، ما يهدد بتآكل الجبهة الداخلية بشكل متسارع. وفي المحصلة، يبدو أن العدو يقف في موقع العجز العسكري، باحثاً عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه، سواء تحت عنوان الانتقال إلى مرحلة جديدة أو عبر الاستجابة للضغوط الأميركية، في حين تواصل المقاومة امتلاك زمام المبادرة، مستعدة لمواصلة الاستنزاف حتى فرض معادلات جديدة تمنع العدو من تحقيق أي إنجاز ميداني أو سياسي.
الخنادق