معركة كسر الهيمنة وتفكيك معادلة الاستباحة .. التحول الاستراتيجي لمحور الجهاد والمقاومة في إدارة الصراع

قراءة في كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حول آخر التطورات والمستجدات الخميس: 14/10/1447هـ

صادق البهكلي

في لحظة استثنائية من تاريخ المنطقة والعالم الإسلامي، تتجسد معركة الرد الإيراني على العدوان الأمريكي الصهيوني باعتبارها نقطة انعطاف لا تقل أهمية عن كبريات الثورات في التاريخ المعاصر، بعدما انتقل محور المقاومة من موقع الدفاع والاحتواء إلى موقع الفعل الدولي والتأثير الاستراتيجي. يبرز السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي صوتاً قرآنيًا وقياديًا يرسم ملامح الصراع ويكشف جوهر الموقف الحاسم، مستلهماً من الآيات البينات أن التمايز بين معسكر الحق والطغيان ليس مجرد مسألة عسكرية أو سياسية، بل هو معركة مصيرية تمس الهوية، والكرامة، ووحدة الأمة ومقدساتها.

أحداث هذه الجولة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لصراع طويل مع منظومة تغذيها الصهيونية العالمية وتحركها أدوات الهيمنة الأمريكية، لتستهدف الأمة الإسلامية بأسرها وخصوصاً العرب، وتفرض واقعاً من العدوان المتواصل على الأرض والمقدسات. وجاء الرد الإيراني، بإبداعه العسكري وحضوره الشعبي الثابت، ليكسر هذه المعادلة ويرسم حدوداً جديدة للردع والتوجيه على مستوى الإقليم، مانحاً محور المقاومة هوية جماعية متماسكة وقوة فعلية أفشلت رهانات العدو وعرقلت مخططاته الساعية لإخضاع المنطقة.

عندما يمتزج الفعل العسكري بعزم شعبي مستلهم من روح الجهاد والتكامل بين الجبهات، تظهر الأمة الإسلامية أمام اختبار تاريخي لصياغة مستقبلها، حيث تصبح فلسطين عنوانًا جامعًا للموقف، ويتحول الدفاع عن المقدسات إلى واجب لا يقبل المساومة. الصراع بات شاملاً، والمسؤولية لا تقتصر على أقطاب المقاومة، بل تستنهض كل أبناء الأمة للوعي والتصدي، انطلاقًا من القرآن الكريم وسنة المصطفى، لحماية الحاضر وفتح آفاق التحرر والثبات أمام المشروع الصهيوني الأمريكي.

فاعلية الرد الإيراني.. من الدفاع إلى التأثير

يفتتح السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي كلمته بالآية القرآنية الكريمة:  {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}[النساء:76]،   ليؤكد التمايز الجوهري بين قتال المؤمنين دفاعًا عن الحق والكرامة والمقدسات، وبين معسكر الطغيان الذي يجمع الأمريكي والإسرائيلي وأعوانهم ممن يقاتلون في سبيل المشروع الشيطاني الصهيوني.

مشيرا إلى أن الجمهورية الإسلامية في إيران، جسّدت بحرسها الثوري وجيشها الباسل، أرقى صور الثبات والفاعلية في التصدي للعدوان الإجرامي، حيث أظهرت العمليات المكثفة، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قدرة عالية على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، وإلحاق الخسائر الفادحة بقوات العدو ومعداته، وتحقيق نجاحات نوعية بإسقاط الطائرات المسيّرة وتدمير بنيته التحتية، في مشهد لم يسبق له مثيل باعتراف الأعداء أنفسهم. هذه الفاعلية ترافقت مع حضور شعبي واسع في المظاهرات والمسيرات والوقفات، والتفاف شعبي صلب حول القيادة، منددين بالعدوان ومؤيدين للنظام الإسلامي.

تتجلى هنا أهمية الثبات في الميدانين السياسي والشعبي، والسد المنيع الذي وقفته إيران في وجه الأجندة الصهيونية والتي كانت تراهن على إسقاطها لاجتياح بقية المنطقة وتنفيذ مرحلة حاسمة في مشروعها، وخاصة ضد البلدان العربية. من هنا، اكتسب تحرك المحور بكامله، في إطار وحدة الساحات، ثقلاً نوعيًا ومعنويًا أنقذ المنطقة من مخاطر جمّة. فقد كان المطلوب من الأمة ككل أن تحذو حذو المقاومة والجهاد، لأن الصراع مع العدو الصهيوني أصبح مكشوف الأهداف والمعالم، ولم يعد هناك مجال للتعمية أو التضليل.

يبيّن السيد القائد أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران جاء ضمن مخطط صهيوني معلن الأهداف، يهدف إلى محو قوة الردع الإسلامية، وتدمير استقلالية القرار السياسي والعسكري للمنطقة، والتمهيد لمراحل أكثر خطورة تتمثل في إخضاع أنظمة المنطقة وتفتيت نسيجها الداخلي، ليبسط العدو هيمنته بشكل مطلق. لكن نجاح إيران ومحور المقاومة في الثبات والانتصار يغيّر المعادلات ويفشل تلك المخططات جزئيًا على الأقل، لاسيّما أن النهج الاستسلامي الذي تتبناه بعض الأنظمة لا يعول عليه العدو في المواجهة، إذ هو طريق التدجين ثم السقوط.

إن النتائج المحققة في هذه الجولة ليست مجرد انتصار عسكري عابر، بل هي فوز استراتيجي للأمة، تحفظ كرامتها وتحصن وجودها وتجهض مرحلة خطيرة من مشروع العدو، وتعيد الاعتبار لخيار المقاومة. وما يحققه محور الجهاد والمقاومة هو مصلحة حقيقية شامخة للأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مانحًا شعوب المنطقة شعورًا بالفخر وأفقًا نحو التحرر وصيانة الهوية أمام المشروع الصهيوني العالمي.

طبيعة المعركة.. مواجهة مشروع لا حدث عابر

في خضم هذه التحولات العاصفة التي تجتاح المنطقة، يرسم السيد القائد مشهداً بالغ الدلالة حول طبيعة الصراع الدائر وأبعاده الخفية. إذ يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تتحركان ضمن إطار مخطط صهيوني عميق الجذور، تدفعه عصابته النافذة في مفاصل القرار الغربي، والتي كشف جزءاً من فسادها مؤخراً في فضائح الشخصيات المتورطة كجيفري أبستين، هذه العصابة الممتدة وراء الكواليس لم تكن تحرك عجلة الهيمنة ضد الأمة الإسلامية فحسب، بل تشكل خطراً محدقاً بالبشرية جمعاء، وإن بقي المسلمون في صدارة الاستهداف.

ويحلل السيد القائد أن العدو راهن في مخططه الأخير على الحسم السريع؛ خطط لاستهداف منظومات القيادة وتقويض الإرادة في الجمهورية الإسلامية، توقع انهياراً بلا مقاومة، فخابت رهاناته أمام صلابة الداخل الإيراني، وتماسك الصفوف سياسياً وعسكرياً وشعبياً. هذا الامتعاض الأمريكي الإسرائيلي من بطء النتائج حوّل الهجوم إلى مأزق استراتيجي واسع، فلم تعد الضربات الإيرانية – بقوتها التركيزية وصحتها الاستخبارية – مجرد رد فعل، بل أصابت العدو في مقتلها: القواعد، وغرف العمليات، والمنشآت الحيوية تعرضت لهجمات موجعة، ما أدى إلى تداعيات عالمية تتجاوز حدود الإقليم.

وهنا تكمن نقطة التحول: أظهر المحور برمته، من غزة إلى لبنان والعراق وإيران واليمن، قدرة مذهلة على الصمود وتوفير الإسناد المتبادل، لتبرز معادلة ردع جديدة تسقط مفهوم الاستباحة التاريخية الذي طالما نعمت به القوى المعتدية. يعيد هذا الواقع – من منظور السيد عبد الملك – إلى الأمة زمام المبادرة ويفرض ثمناً مؤلماً على كل مشروع استعلائي يهدد سيادة المنطقة أو كرامتها. ولئن كان طريق المواجهة محفوفًا بالتضحيات، إلا أنها تضحيات ذات أثر ثمين ووعد قرآني، فهي شرعية في معركة الحق ومعادلة العدل، وكل ألم يتحمله المجاهدين يقابله وجع يطال العدو.

وحدة الساحات.. تحوّل استراتيجي في إدارة الصراع

ولأهمية هذه المعركة، أشار السيد عبد الملك إلى أن محور الجهاد والمقاومة تحرَّك في مختلف الجبهات، في إطار موقفٍ موحَّد، في إطار عنوان: (وحدة الساحات)، هذا الموقف الموحَّد لمحور الجهاد والمقاومة، في التَّحَرُّك في كلِّ الجبهات ضِدَّ العدو، هو الموقف الذي كان ينبغي للأُمَّة الإسلامية جميعاً أن تتحرَّك فيه؛ لتواجه المخطط الصهيوني، الذي يستهدفها جميعاً وهي تعلم ذلك؛ لأنه مخطط معلن، وواضح، ومكشوف، منذ بدايته، وترتبط به كل الخطوات العدائية في مختلف المراحل الماضية، وهي في هذه المرحلة أكثر انكشافاً، ووضوحاً، وصراحةً عمَّا قبلها.

ولهذا فالمشهد الراقي في معركة اليوم، في وحدة الساحات في محور الجهاد والمقاومة، والتَّحَرُّك من كُلِّ جبهات الجهاد في المحور، هو مشهدٌ عظيم، منسجمٌ كل الانسجام مع القرآن الكريم، مع الحكمة، مع الحق والعدل، وفي نفس الوقت مع ما ينبغي أن تكون عليه كل الأُمَّة؛ ولذلك تتعاظم هذه الفاعلية في الموقف: التَّحَرُّك من مختلف الجبهات.

يسلط السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطابه الضوء على جوهر المرحلة التي تواجهها الأمة الإسلامية في لحظة فارقة من التاريخ، مستلهمًا مضامين القرآن الكريم ليعيد رسم أفق الصراع والمعادلة المطلوبة مؤكداً أن المعادلة القرآنية هي معادلة تُلْحِق الألم بالعدو، تنكِّل بالعدو، تردع العدو، وفي نفس الوقت تجعل الأُمَّة في موقع التَّصَدِّي للعدو، وليس في موقع الاستسلام، ولا الخنوع، ولا في حالة القبول بالاستباحة، والموقف المتقدِّم الذي يحظى من الله بالرعاية، والموعود من الله بالنصر، مشيرا إلى  أن التضحيات جزءٌ من الجهاد في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهي أمرٌ معتاد في إطار الجهاد في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في إطار التَّمسك بالقضايا العادلة، في إطار الموقف الحق، هناك تضحيات في سبيل الله، وتضحيات مثمرة، لها نتيجة، ولها ثمرة، ولكنها تأتي أيضاً كما في الآية المباركة: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النساء:104]

فبينما تتجلى قوة التحرك لبعض أبناء الأمة في محور الجهاد والمقاومة، يرتسم السؤال المركزي: كيف سيكون المشهد لو أن الأمة كلها نهضت في مواجهة العدو الواحد الذي يهددها جميعاً؟ إن التخاذل، كما يشير السيد القائد، هو الداء الحقيقي الذي ينخر جسد الأمة؛ أمة تملك كل المقومات للوقوف والصمود، لو تحركت وفق هدي الله وتعاليمه ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها الكبرى.

في هذه المرحلة الاستثنائية، تأخذ المواجهة مع العدو الإسرائيلي والأمريكي منحى غير مسبوق من التأثير والفاعلية، يظهر في قوة الموقف، وجرأة الاستهداف، وامتداد الضربات الإقليمية على قواعد ومصالح العدو. يرى السيد القائد أنه من الواجب على الأمة أن تستثمر قوة هذا النموذج المقاوم، وأن تتحرك صفًا واحدًا كما يحب الله سبحانه وتعالى:  {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}[الصف:4].  هذه الآية تحسم جدل المسار، وتثبّت معيارًا واضحًا لا لبس فيه: المواجهة المشروعة للظلم والطغيان هي السبيل إلى مرضاة الله، وهي ما ينبغي أن يكون عليه موقف الأمة أمام الخطر الداهم.

ويركز السيد عبد الملك، مستندًا إلى نصوص القرآن الكريم، على أن العدو الإسرائيلي والأمريكي يمارسان أعتى درجات الطغيان، وأن ارتكابهم للجرائم المتوالية لا يمكن أن يخضع لأي تبرير أو شبهة حق، فهم الذين يسوقون الأمة نحو الاستباحة، والواجب الشرعي والقرآني هو التصدي لهم بتكامل الرؤية والقوة. ويشير بوضوح إلى أن النموذج الموحّد للمحور – في المقاومة والجهاد – هو تجسيد للتوجيهات الإلهية، وهو موقف عظيم يستحق التأييد والاحتفاء بين أوساط الأمة، ليكون قضية فلسطين عنوانًا جامعًا لكل أبناء الأمة الإسلامية. ويؤكد السيد القائد على محورية الجهاد في سبيل الله، استنادا إلى قول الله:  {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}[النساء:84]،  مستعرضًا كيف أن الفعل الجماعي في سبيل الله هو طريق الحماية والردع، وهو السبيل لنيل التأييد الإلهي والمعية الربانية، كما تؤكد الآية المباركة:  {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء:84].

تبتعد الرؤية القرآنية عن وهم الاستسلام أو التدجين كمسار لإبعاد بأس الكافرين، فالآيات واضحة في رسم المنهج؛ ليس هناك لغة للانهزام أو الخضوع، بل دعوة للتحرك الجاد والوقوف البابلي في وجه الطغيان والعدوان. هكذا، يدعو السيد عبد الملك إلى أن تهتدي الأمة برسولها وقرآنها، وأن تؤمن بأن المعادلة الحقيقية للحماية والنصر تبدأ من الإرادة وتمر عبر صفوف الوحدة، لتصل إلى وعد الله بالنصر لمن سار على طريق الحق والجهاد في مواجهة أعداء الأمة.

الصراع الشامل ومسؤولية الأمة في التصدي لمنبع الشر

يعيد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في هذا الطرح رسم طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، بوصفه مصدر العدوان على الأمة الإسلامية كلها، وبالأخص العرب منذ الاحتلال الأول لفلسطين وحتى اليوم. فالعدو الإسرائيلي، ومعه شريكه الأمريكي، ليس مجرد خصم سياسي وعسكري، بل هو منبع شر وعدوان شامل، يستهدف الإسلام كدين والقرآن كمصدر للهدى، والمقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى، ويهدد مستقبل كل الشعوب والبلدان في المنطقة.

ويؤكد السيد عبد الملك أن العدو الصهيوني في حالة عدوان دائم ومتجدد على الأمة الإسلامية بأسرها، وفي طليعتها العرب منذ بدء احتلال فلسطين وحتى اليوم. فالعدو الإسرائيلي، ـ كما يشدد السيد القائد ـ ليس خصماً عسكرياً فحسب، بل هو عدو صريح للإسلام، ولمقدساته، ولرسالة القرآن، ولشعوب المنطقة كافة، يرافقه شريكه الأمريكي في المخطط والمعتقد والأهداف، وكذلك في كل أشكال التعاون والدعم والإجرام.

الشراكة الأمريكية مع العدو الصهيوني ليست مجرد تلاقي مصالح، بل هي تلاحم في المعتقدات والرؤية الاستراتيجية، ما يجعل المواجهة معه مسؤولية واضحة على عاتق كل أبناء الأمة. فالله سبحانه وتعالى يوضح طبيعة المواجهة في قوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}[فاطر:6]

ويؤكد القرآن الكريم:  {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ}[المائدة:82]   فالمواجهة بحاجة إلى أعلى درجات الوعي والشدة، لأن العداء الصهيوني يتغلغل في كل مستويات الهجوم على الأمة، من غزة ولبنان إلى سوريا ومصر، ومن استهداف الأرض إلى استباحة المقدسات.

يحذر السيد القائد من خطورة تجزئة المعركة، ومن محاولة العدو اختراق صفوف الأمة عبر تيارات التطبيع أو أنظمة ترتهن للولاء لإسرائيل وأمريكا، والتي تعمل على تضليل الشعوب وإغوائها والتشكيك في البديهيات والثوابت التي يثبتها القرآن والفطرة الإنسانية. ويؤكد أن العدو الصهيوني اليهودي هو منبع الشر، مستندًا على مخططاته المعلنة وأطماعه التي تتغذى على حالة الخذلان والتواكل التي تظهر في بعض أوساط الأمة، مما يدفعه لمراكمة الاعتداءات وتحقيق مكاسب على حساب الشعوب والمنطقة.

الموقف الصحيح، كما يرسمه القرآن، هو تعاون الأمة بكافة مكوناتها لمواجهة العدو المشترك، فيقول تعالى:  {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[التوبة:36]

ما يؤكد ضرورة توحيد الصفوف وعدم القبول بتجزئة المعركة أو ترك بلد يُستهدف بمفرده، فالهجمة على أي بلد مسلم هي هجمة على الكل. ويستدعي السيد القائد الوعي القرآني الذي يحرّم الولاء للعدو، ويرفض التضليل الإعلامي الذي يستهدف عزل المجاهدين والأحرار عن الدعم الشعبي، ويعيد التأكيد على أن الموقف الحق هو الموقف الذي ينطلق من القرآن، ويراعي مصالح الأمة، ويصون مقدساتها ويحصّنها من مؤامرات التطبيع ويختم بالآية:  {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[العنكبوت:6]

ليؤكد أن الجهاد والمواجهة ليست عبئاً يُثقل الأمة، بل هي فريضة تحفظ مصالحها وقيمها، إذ تعود بالأمن والكرامة، وتضمن أن تظل الأمة صاحبة الموقف الحق، مهما حاول العدو وشركاؤه تسويق الانحراف عن الطريق الواضح الذي رسمه الله للأمة في كتابه العظيم.

مركزية فلسطين.. القضية الجامعة للأمة

يشدد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن فلسطين وكل بلد إسلامي يعتدى عليه هو شأن يمس الأمة جمعاء، ويستند إلى الحديث النبوي جامع الدلالة: «من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم»، ليحدد بوضوح معيار الانتماء والواجب. فالعدو الذي يعادي الأمة، لا يمكن أن يكون خارج دائرة اهتمامها، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد معايير الانتماء والاهتمام في القرآن، وليس أبواق النفاق أو أدوات تدجين الأمة لصالح أعدائها.

تمثل حرية الأمة وكرامتها ودينها ومقدساتها، وفي قلبها فلسطين، أمورًا لا يجوز تجاهلها أو التفريط فيها، ولهذا فإن العداء للعدو الصهيوني والاستعداد لمواجهته واجب شرعي وضرورة وجودية، تعكس بديهيات الإسلام. فالعدو الصهيوني منذ البداية استهدف العرب واحتل أراضيهم، شعار «الموت للعرب» يعلنه بلا مواربة، ومخططه في «إسرائيل الكبرى» وتغيير الشرق الأوسط يقوم على استباحة الأرض العربية.

غير أن الحرب الدعائية المستعرة ضد كل تحرك صادق يتبنى قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، هي جزء من استراتيجية الاستهداف الشامل الذي يشترك فيه العدو الصهيوني وشريكه الأمريكي وأعوانهم. فمن يتبنى فلسطين بصدق يُستهدف عسكريًا واقتصاديًا، ويُواجه بحملات إعلامية متواصلة ومختلفة؛ ما يجسد التناقضات الكبيرة في منطق أبواق الصهيونية ونخبها المتحالفة وأدواتها من التكفّيريين والمنفاقين.

يشير السيد القائد إلى تاريخ طويل من التشكيك في حقيقة المواقف الصادقة: لطالما اتهموا إيران بعدم الجدية في دعم فلسطين، رغم أن الدعايات تعترف بجهة الموقف المناهض للصهيونية، ثم تتهم بعدم الصدق أو العمالة. حتى حزب الله، الذي يحمل رصيدًا فريدًا ومشرّفًا في مواجهة العدو، لم يسلم من حملات التشكيك والمزايدات، بل وصل الأمر إلى السخرية من شعارات اليمن والجهاد، ثم الانزلاق إلى الشماتة عند استشهاد القادة والانتقاد لأي انتصار لجبهة المقاومة.

لقد كشفت الأحداث الأخيرة وجه هؤلاء وكشفت الأمة عن الصادق والكاذب. المرحلة التاريخية التي تشهدها الساحة هي عملية غربلة وتمييز، كما يبسطها القرآن في قوله تعالى:  {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}[آل عمران:179]  وفي قوله:  {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت:3]  وكذلك:  {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}[آل عمران:120].

يغدو الإعلام والدعايات والخطاب العدائي وسائل لفضحهم وتشخيص حقيقتهم، فكل انتصار لجبهات المقاومة يغيظهم، وكل مصيبة أو ألم تفرحهم وتدفعهم إلى الشماتة، في استجابة واضحة لمعطيات سنّة الله في تمييز الناس وكشف المواقف. وفي رحاب هذا الوضوح، يثق السيد القائد أن الأمة قادرة على تمييز الصادق من الكاذب، وأن قضية فلسطين وقضايا الأمة ستظل اختبارًا أخلاقيًا وشرعيًا مستمرًا، تكشف حقيقة الانتماء وقيمة التضحية والمصداقية في الموقف.

وعي الأمة في مواجهة الاستهداف الشامل

يدعو السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الأمة الإسلامية إلى اتساع الوعي الجمعي، فالأحداث الراهنة وفرزها هما فرصة لتمييز الحقائق داخل الأمة وفضح حقيقة الأعداء، وفي طليعتهم الأمريكي والإسرائيلي. فمزاعم الدعايات الغربية المكررة حول استهدافهم “النظام” الإيراني فقط سقطت أمام فظائع العدوان المباشر، الذي طال الشعب الإيراني بجميع فئاته، ولم يوفر النساء ولا الأطفال، إذ استُهدفت الأحياء السكنية، والمنشآت الحيوية والخدمية، والجامعات والمدارس. استهداف يبرهن أن العدو يعادي الشعوب نفسها، ويشهر حربًا على كل مقومات الحياة والعلم والتقدم في البلاد الإسلامية.

هذا النموذج في الاستهداف لا يقتصر على إيران. فلبنان لم يسلم من العدوان رغم الاتفاقات وضمانات الوسطاء، واستمرت الاعتداءات، وازدادت شراسة عند اتساع فاعلية مقاتلي حزب الله، الذين أعادوا الاعتبار لعزة لبنان وكرامته بزخم عملياتهم ودقتها النارية والكمية. العراق كذلك ظل ساحة مفتوحة للعبث الأمريكي: قواعد عسكرية، نهب للعائدات النفطية، تدخلات سياسية مباشرة، محاولات مستمرة لإشعال الفتن والمؤامرات، وجرائم قتل متواصلة بحق الشعب العراقي. وعندما تنتفض فصائل المقاومة، تواجه بالتحريض والعقوبات والاغتيالات والضغوط.

 

اليمن يعيش نفس المعاناة، فقد كانت أمريكا وبريطانيا والعدو الإسرائيلي، المحركين الأساسيين وراء معاناة الشعب اليمني ومصائبه الأمنية والمعيشية، بدعم أدوات إقليمية ضمن مخطط يستهدف الأمة الإسلامية بأسرها. كل هذا الشر مستمر ما لم تستعيد الأمة حضورها الواعي، وتضع القضية الفلسطينية، الخندق الأول لحمايتها، على رأس أولوياتها.

ينبه السيد القائد إلى التطورات المتسارعة والخطيرة، وخاصة ما يرتبط بالمسجد الأقصى، من إغلاق تعسفي دام أكثر من شهر بعد رمضان، وهو منعٌ للصلاة وانتهاك وقح للمقدسات الإسلامية. يقرأ هذا الفعل الممنهج ضمن سياسة ترويض خبيثة تهدف في النهاية إلى تدمير الأقصى، مستشهداً بالآية العظيمة:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[البقرة:114]، مؤكداً أن هذه جريمة ليس بعدها جرم، وأن استمرار التغاضي عنها أو التباعد عن الاهتمام بها يُفقد الأمة المناعة والدور الذي أوجبه الله.

من هنا، يظهر الربط الجذري بين وعي الشعوب وواجب حماية القضايا المركزية للأمة: كل تصعيد ضد المقاومة لا يخدم سوى العدو، وكل تجاهل للقضية الفلسطينية أو غض الطرف عن جراح الأقصى هو في حقيقته استقالة من الواجب القرآني والتاريخي. إن إرادة المقاومة وحيوية الوعي هما الحصنان الباقيان في وجه منظومة الاستهداف الوجودي التي تطال الأمة في جذورها ودينها ومقدساتها.

الخاتمة:

بهذا تتجلى فاعلية الرد الإيراني كنقطة تحول في معادلة الصراع، حيث ينتقل محور المقاومة من حيز الدفاع إلى دائرة التأثير، راسماً حدوداً جديدة لصوت الأمة وامتداد قوتها. لقد أثبتت التجربة أن الثبات على الموقف الحق، والالتزام بالتوجيهات القرآنية، والتوحد حول القضايا الكبرى وفي طليعتها قضية فلسطين، هو السبيل الأوحد لردع العدوان وكسر المخططات الصهيونية والأمريكية، وأن على الأمة أن تصطف في مواجهة منبع الشر، وأن تستمد من القرآن الكريم روح الثبات ووحدة الصف حتى يتحقق النصر ويزول الطغيان.

قد يعجبك ايضا