من “عاصفة الحزم” إلى “عاصفة التلاوم”: الرياض تُحمل أبوظبي وزر المجازر في اليمن
تبادل “أقنعة” الجريمة: السعودية تحاول غسل يدها من دماء اليمنيين بـ “شيطنة” الإمارات
السعودية والإمارات.. حين يختلف “الحلفاء” على تقسيم الجثة ورمي تهمة الجريمة
الحقيقة ـ جميل الحاج
في مشهدٍ يعكس ذروة “التلاوم” بين شركاء العدوان على اليمن، انتقلت المعركة بين الرياض وأبو ظبي من الميدان السري والمنافسة الاقتصادية إلى العلن، ولكن هذه المرة فوق جثث الضحايا المدنيين في اليمن.
فبعد سنوات من تحالف العدوان على اليمن الذي لم يحصد منه اليمنيون سوى الموت والدمار، بدأت الماكينة الإعلامية السعودية حملة مُمذنه تهدف لرمي تركة “جرائم الحرب” كاملةً في سلة الإمارات، في محاولة مكشوفة لتصوير المملكة كـ “قائد مخدوع” أو “حليف حريص”، بينما الحقيقة تؤكد أن الرياض كانت ولا تزال رأس الحربة والمسؤول الأول قانونياً وأخلاقياً عن كل قطرة دم سُفكت منذ إعلان الحرب من واشنطن عام 2015.
فجرت منصة “أخبار السعودية” الرسمية مفاجأة من العيار الثقيل حين بدأت بسرد قائمة طويلة من “الكوارث” التي تسببت بها الإمارات في اليمن.
الاتهام السعودي لم يكن عابراً، بل زعم أن أبوظبي سلكت مساراً مغايراً للمملكة، وعمدت إلى استغلال “الضربات الخاطئة” لتأليب الشعب اليمني ضد الرياض، وتحويل الغارات الجوية إلى أداة ضغط سياسي بدلاً من الأهداف العسكرية.
اللافت في هذا الهجوم الإعلامي هو استعراض المنصة السعودية لغارات استهدفت مرافق مدنية بحتة، بعيدة كل البعد عن الجبهات، وهي جرائم كانت الرياض تبررها لسنوات تحت مسمى “أخطاء تقنية” أو “معلومات استخباراتية غير دقيقة”.
اليوم، وبقدرة قادر، تحولت هذه الجرائم في الإعلام السعودي إلى “فعل إماراتي متعمد” لضرب سمعة المملكة السعودية.
تحاول الرياض التبرؤ من قائمة سوداء من الاستهدافات، رصدتها المنظمات الدولية ونسبتها لـ “التحالف بقيادة السعودية”:
مجزرة كهرباء المخا (يوليو 2015): استهدفت مجمعاً سكنياً لعمال المحطة وعائلاتهم، وراح ضحيتها 65 مدنياً بينهم 10 أطفال.
ورغم وصف “هيومن رايتس ووتش” لها كجريمة حرب ارتكبها تحالف العدوان السعودي الأمريكي الإماراتي، تحاول السعودية اليوم حصرها في التوجيه الإماراتي.
محرقة “القاعة الكبرى” بصنعاء (أكتوبر 2016): الجريمة التي هزت الضمير العالمي باستهداف مراسم عزاء، مما أدى لمقتل 140 شخصاً وجرح المئات. المنصة السعودية تروج الآن بأن الطيران الإماراتي هو من نفذ الغارة، متناسية أن غرفة العمليات المشتركة في الرياض هي من تعطي الضوء الأخضر لكل طلعة جوية.
مجزرة حافلة ضحيان بصعدة (2018): التي راح ضحيتها عشرات الأطفال، واعتبرتها الأمم المتحدة وصمة عار، تعود اليوم لتكون مادة للابتزاز السياسي بين الحليفين اللدودين.
لم تقف أبوظبي صامتة أمام محاولة الرياض غسل يدها من دماء اليمنيين ففي خطوة جريئة، دفعت الإمارات برجالها فيما يسمي بـ (المجلس الانتقالي) للمواجهة من “عرين الأسد”.
ومن داخل العاصمة السعودية الرياض، ظهر القيادي “أحمد بن طهيف” في مقطع فيديو يتهم فيه المملكة مباشرة بارتكاب جرائم حرب في شرق اليمن (حضرموت والمهرة) وصولاً إلى عدن، ملوحاً بالتوجه لمقاضاة السعودية دولياً.
هذا الانفجار الإعلامي المتبادل يكشف أن الطرفين يمتلكان “أدلة إدانة” ضد بعضهما البعض، وأنهما يستخدمان دماء اليمنيين كأوراق ضغط في صراع النفوذ الاستراتيجي بين “رؤية 2030” السعودية وطموحات الهيمنة الإقليمية الإماراتية.
رغم محاولة السعودية التنصل، تظل الحقائق الميدانية ثابتة:
القيادة والسيطرة: الرياض هي قائدة تحالف العدوان قانونياً، وغرفة العمليات المشتركة في الرياض هي المسؤول عن “قائمة الأهداف”.
الشرعية الدولية: كل البيانات الصادرة منذ 2015 كانت تُذيل باسم “قيادة قوات التحالف لدعم الشرعية”، والتي تترأسها السعودية، مما يجعلها المسؤول القانوني الأول أمام المحاكم الدولية.
التغطية السياسية: السعودية هي من وفرت الغطاء الدبلوماسي لكل التحركات العسكرية، بما فيها تلك التي نفذتها الإمارات.
يرى محللون، بناءً على تقارير دولية مثل ما نشرته “فورين أفيرز”، أن السعودية تحاول تحسين صورتها الدولية تماشياً مع “رؤية 2030” التي تتطلب استقراراً وجذباً للاستثمارات. هذا التحسين يتطلب “كبش فداء” لجرائم الحرب في اليمن، ولم تجد الرياض أفضل من شريكتها الإمارات لتلبيسها ثوب الجريمة كاملاً.
لكن الواقع اليمني يقول إن محاولة “غسل اليد” السعودية لن تنجح؛ فدماء اليمنيين في “المخا”، “العبر”، “عبس”، “ضحيان”، و”الصالة الكبرى” وغيرها من الجرائم، لا تسقط بالتقادم، ولن يمحوها تقرير إخباري يحاول تحويل “رأس الحربة” إلى “ضحية لحليف مخادع”.
ختاما: إن ما يحدث اليوم هو صراع “لصوص” اختلفوا على الغنيمة فبدأوا بتبادل التهم، لكن اليمنيين يدركون جيداً أن الطائرات التي قصفت مدنهم كانت تنطلق بأوامر موحدة، وأن المسؤولية عن جرائم الحرب هي مسؤولية تضامنية، تقع الرياض في قلبها وبقية الحلفاء في أطرافها.