أمريكا تبيع نفطها للخارج وتستنزف مخزون الداخل

تجاوزت أزمة الطاقة في الولايات المتحدة مسألة أسعار النفط التي ترتفع أو تنخفض، فأمريكا التي كانت تخشى لعقود من الارتهان لنفط الخارج، أصبحت اليوم تبيع نفطها للعالم بوتيرة قياسية، بينما يتآكل مخزونها الداخلي تدريجيًا تحت ضغط الطلب العالمي والحرب في المنطقة.

والمفارقة أن واشنطن التي قدّمت نفسها باعتبارها “منقذ سوق الطاقة العالمي” بعد اضطراب الإمدادات الخليجية، بدأت تدفع ثمن هذا الدور من الداخل الأميركي نفسه، حيث ارتفعت أسعار الوقود وازداد الضغط على المصافي والمخزونات الاستراتيجية بشكل كبير، فيما يقترب السوق الأمريكي من نقطة حساسة قد تنقلب فيها المعادلة بالكامل.

فمع تراجع قدرة الأسواق العالمية على الاعتماد الكامل على نفط الشرق الأوسط نتيجة للتصعيد والحرب، اندفع المشترون الأجانب نحو النفط الأمريكي باعتباره البديل الأسرع والأكثر أمانًا. ما أدى إلى طفرة غير مسبوقة في صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والديزل والبنزين، حتى وصلت الصادرات إلى نحو 14.2 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل برميلًا من كل سبعة براميل تُستهلك عالميًا. لكن خلف هذه الأرقام القياسية، ظهرت أزمة حقيقية داخل الولايات المتحدة.

فالمنتجون الأمريكيون لا يرفعون الإنتاج بالسرعة الكافية، في حين تعمل المصافي الأمريكية بأقصى طاقتها تقريبًا لتلبية الطلب الخارجي، ما أدى إلى استنزاف سريع للمخزون المحلي. ومع استمرار خروج كميات ضخمة من الوقود نحو أوروبا وآسيا وأستراليا، بدأ الأمريكي العادي يشعر بأن بلاده تصدّر أمنه الطاقوي إلى الخارج.

اللافت أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالنفط الخام فقط، بل امتدت إلى المشتقات النفطية الأساسية، خصوصًا الديزل. فقد ارتفعت صادرات الديزل الأمريكي إلى مستويات تاريخية، بينما تراجعت المخزونات على الساحل الأمريكي للخليج بنسبة تقارب 19% مقارنة بفترة ما قبل الحرب. كما بدأت الولايات المتحدة بتصدير الوقود إلى دول لم تكن تعتمد عليها سابقًا، مثل أستراليا التي فقدت جزءًا من وصولها إلى نفط الشرق الأوسط.

هذا الواقع خلق ضغطًا داخليًا كبيرًا على الأسعار. ففي بعض الولايات الأمريكية، قفزت أسعار الديزل والبنزين بشكل حاد، وارتفع متوسط سعر غالون الديزل في كاليفورنيا إلى أكثر من 7 دولارات، بعدما كان يقارب 5 دولارات قبل الحرب. ومع اقتراب موسم السفر الصيفي في الولايات المتحدة، تخشى الإدارة الأمريكية من تحوّل أسعار الوقود إلى أزمة سياسية داخلية تضرب شعبية ترامب وتنعكس على الاقتصاد الأمريكي بأكمله. الأخطر من ذلك أن واشنطن تجد نفسها عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ. فإذا استمرت في تصدير النفط بهذا الزخم، فإن المخزونات الأمريكية ستتراجع أكثر، وقد تصل إلى مستويات تهدد استقرار السوق المحلي وترفع الأسعار بشكل أكبر. أما إذا قررت تقييد الصادرات لحماية الداخل الأمريكي، فإنها ستخسر دورها “كقوة طاقة عالمية”.

ولهذا السبب، تحاول إدارة ترامب تخفيف الضغط عبر إجراءات مؤقتة، مثل السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وتخفيف بعض القيود التجارية، وحتى طرح فكرة تعليق الضريبة الفيدرالية على البنزين. لكن هذه الحلول تبدو أقرب إلى “شراء الوقت” أكثر من كونها معالجة جذرية للأزمة.

المشكلة الأعمق تكمن في أن الولايات المتحدة بنت خلال السنوات الماضية نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا على أساس تصدير الطاقة إلى العالم. فواشنطن تعتبر أن النفط والغاز أصبحا جزءًا من قوتها الجيوسياسية، تمامًا كالدولار والسلاح والعقوبات. لذلك، فإن وقف التصدير أو تقليصه لا يُنظر إليه فقط كقرار اقتصادي، بل كتراجع استراتيجي يضعف النفوذ الأمريكي عالميًا. لكن الواقع الحالي يكشف أن هذا النفوذ يأتي بكلفة داخلية متزايدة.

ومن هنا، بدأت تظهر تحذيرات داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية من أن السوق الأمريكية قد تصل إلى مرحلة تضطر فيها الأسعار المحلية إلى الارتفاع بشكل كبير لمنع استمرار خروج النفط إلى الخارج. أي أن الحل الطبيعي للسوق سيكون جعل النفط الأمريكي أغلى من النفط العالمي حتى تتراجع شهية المشترين الأجانب.

وبينما تتباهى أمريكا بأرقام التصدير القياسية، تتزايد المخاوف داخلها من العبء الاقتصادي، حيث يكتشف الأمريكيون تدريجيًا أن بلادهم تبيع نفطها للعالم… على حساب الداخل الأمريكي نفسه.

الكاتب: زهراء نعيم

قد يعجبك ايضا