أمين عام حزب الله مهنئاً بالنصر: كسرنا مشروع إسرائيل الكبرى وسحقنا الطغيان الأمريكي.. المقاومة ثابتة في الميدان، لا مناطق تجريبية للاحتلال، وسلاحنا فوق التفاوض والتسويات
في إطلالة سياسية وميدانية مفصلية تؤسس لمرحلة ما بعد الاتفاق، رسم الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في كلمته خلال المجلس العاشورائي المركزي في مرقد سيد شهداء الأمة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله معالم المشهد الإقليمي والمحلي الجديد، معلناً انتصار إرادة الصمود الممتدة من طهران إلى بيروت في وجه أعنف خطة تدميرية وتوسعية شهدتها المنطقة. وفي تقييم شامل للمواجهة، شدد الشيخ قاسم على أن الاتفاق الأخير يمثل محطة لتكريس السيادة الوطنية وطرد الاحتلال، جازماً بأن المقاومة التي حطمت أوهام “إسرائيل الكبرى” ستبقى الحارس الأمين لتراب لبنان، وأن سلاحها ليس مجرد أداة عسكرية بل هو وجود ينبض في أرض الجنوب، ولن يمر أي مشروع يهدف لنزعه أو تجيير نتائج الميدان لصالح مكاسب سياسية للاحتلال ورعاته الدوليين.
تبريكات النصر والإشادة بالدور الإيراني الاستراتيجي
في مستهل قراءته لمخرجات المواجهة، توجه الأمين العام لحزب الله بالتهنئة الخالصة إلى الشعب الإيراني، والمقاومة الباسلة، ودول وشعوب المنطقة بمناسبة تحقق هذا “النصر الكبير”. وأعرب الشيخ قاسم عن عميق شكره للجمهورية الإسلامية الإيرانية قيادة وشعباً، مثمناً دورها المحوري في ربط ساحة لبنان –بمقاومتها وشعبها– بقوة الاستعداد للتضحية، وهو الترابط الوجودي الذي أسهم مباشرة في إرغام الكيان الإسرائيلي على وقف عدوانه الغاشم.
سقوط الأهداف الاستعمارية وانكسار الجبروت الأمريكي
وتطرق الشيخ قاسم إلى الخلفيات الجيوسياسية للحرب، موضحاً أن الأهداف الحقيقية التي حركت هذا العدوان كانت تتركز حول “إسقاط النظام وإعدام الحياة العزيزة في إيران الثورة”. وأكد جازماً أن هذا الهدف التدميري قد “سقَط وتغير الاتجاه” بالكامل؛ حيث انكسر جبروت الطغيان الأمريكي وفشل مشروعه الاستعماري الذي كان يستهدف إيران، وذلك ببركة التضحيات الجسيمة والدماء الطاهرة التي قُدمت في هذا السبيل.
القيادة الإيرانية وموازين القوى الجديدة في المنطقة والعالم
وفي لفتة تقديرية لحجم العطاء، أشار الأمين العام إلى أن إيران قدمت تضحيات كبرى تجلت على رأسها مواقف وعطاءات الولي الإمام الشهيد السيد خامنئي، إلى جانب كل القادة والمسؤولين وأبناء الشعب الإيراني. وأكد الشيخ قاسم أن هذه التضحيات نقلت الجمهورية الإسلامية لتصبح “قوة معتبرة لها كلمتها الوازنة في المنطقة والعالم”، مشدداً على أن موازين القوى الدولية والإقليمية باتت اليوم في طور التغير الإيجابي باتجاه الأفضل، وبما يخدم المصالح العليا لشعوب المنطقة ككل.
كشف الخلفيات التاريخية والمشروع التوسعي للاحتلال
انتقل الشيخ قاسم لتفكيك أبعاد العدوان الصهيوني، مؤكداً أن المقاومة الإسلامية في لبنان تقف في خط الدفاع الأول لمواجهة أطماع تاريخية، حيث يسعى الكيان الإسرائيلي منذ عام 1948 إلى إبقاء لبنان في حالة عجز دائم تسهل عملية احتلاله وابتلاعه. وأشار إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أعلنها صراحة وبلا مواربة أنه يريد تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”. وأوضح قاسم أن الوقائع الميدانية على الأرض تفضح هذا التمدد، قائلاً بوضوح: “لا نتحدث عن نوايا توسعية بل عن توسع، ولا نتحدث عن نوايا عدوانية بل نتحدث عن عدوان، ولا نتحدث عن هدف إجرامي بل نتحدث عن إجرام” مشهود وموثق.
تفكيك خطة الإبادة المجتمعية وكسر مشروع “إسرائيل الكبرى”
وفي توصيفه لطبيعة المعركة، بيّن الأمين العام لحزب الله أن مشروع الاحتلال كان يهدف بشكل بنيوي إلى “إنهاء حزب الله عسكرياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً”، وهو ما يعني بالضرورة السعي نحو “إبادة وإعدام شريحة كبيرة ومكون أساسي من مكونات المجتمع اللبناني”. وأضاف أن هذه الخطة الإجرامية وضعت لتسهيل “ابتلاع لبنان بالكامل”، كاشفاً أن الأطماع الصهيونية لا تقتصر على من يقاتلها في الميدان فحسب، بل تمتد لتستعبد المنطقة برمتها.
وأمام هذا “الخطر الوجودي”، شدد الشيخ قاسم على أن المقاومة لا تخوض حرباً من أجل رقعة جغرافية محدودة، بل “تدافع عن وجود وحياة وأرض ومستقبل وخط ومسار”، معلناً بكل فخر: “كسرنا مشروع إسرائيل ولم نمكّنها من أن تقتلنا وأن تسيطر على أرضنا وتستقر فيها وأن تحقق مشروع إسرائيل الكبرى”، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه شعب المقاومة في مواجهة أخطر مؤامرة حيكت ضد الوطن.
“المقاومة الأسطورية”.. ملحمة الصمود الإيماني وأرقام الميدان
ووصف الشيخ قاسم الثبات الميداني والاضطلاع بالمسؤولية التاريخية بأنه “ملحمة أسطورية”، معتبراً أنه “لو لم نقف لما بقي لبنان بعد سنوات، ولو لم تثبت المقاومة وشعبها لما أمكن إنقاذ لبنان”، مطالباً الرأي العام بعدم الالتفات إلى أصوات “المهزومين”. ودعا إلى استثمار هذه المحطة المفصلية لترسيخ معادلة طرد الاحتلال.
وعزا الشيخ قاسم عناصر القوة والانتصار إلى ثلاثية “الإيمان والإرادة والقدرة”، مؤكداً أن الصمود كان إيمانياً وعقائدياً بالدرجة الأولى، ومستشهداً ببطولات المجاهدين الذين كانوا يعودون إلى خطوط المواجهة الأمامية فوراً رغم إصابتهم لمرات متعددة. واستعرض لغة الأرقام التي توثق حجم الإنجاز العسكري في معركة “العصف المأكول”، مبيناً أن المقاومة نفذت:
3185 عملية عسكرية بمعدل استهدافي بلغ 30 عملية يومياً.
استهداف 518 آلية عسكرية تابعة لقوات الاحتلال.
استهداف 85 طائرة ومسيرة (إسقاط 12 مسيّرة، و12 محلّقة، وإصابة مروحية).
إيقاع 1347 إصابة مؤكدة في صفوف جنود العدو، معقباً بالقول: “الجريح عندهم مثل القتيل لأنه يأتي غصباً عنه إلى الحرب”.
المقاومة سلاح قاطع لا يقبل المساومة وثنائية “الأمن المتبادل”
وفي أبعاد الهوية والسيادة، صاغ الشيخ قاسم معادلة تعريفية للمقاومة باعتبارها “هي الأرض والتراب والشجر والهواء والدم القاني، وهي السلاح القاطع والبأس في الميدان”، مجسدة شعباً جُبل جسده بأرض الجنوب وروحه بخالق الأرض والسماء، وأبناؤه بالشهداء، واصفاً إياها بأنها قوة “تَقتلع ولا تُقتلع”، ومؤكداً ثقتها الكاملة بالانتصار المؤزر لتحصيل السيادة التامة وطرد المحتل.
وعلى الصعيد التفاوضي، حدد السقف السياسي بوضوح جازم، معلناً أن قاعدة المفاوضات هي “الأمن المتبادل”، وأن “أي مشروع تحت عنوان نزع السلاح لن يمر” على الإطلاق، ومستنكراً بحدة الطروحات التي تحاول تقديم تنازلات سياسية قائلًا: “هل نذهب لنفاوض حتى نعطي الإسرائيلي ما يريده وما لم يأخذه بالحرب يريد أخذه بالسياسة”؟
مفاعيل اتفاق 27 تشرين الثاني وانتشار الجيش اللبناني جنوباً
دعا الشيخ نعيم قاسم إلى الاستفادة القصوى والعملية من بنود “اتفاق 27 تشرين الثاني لوقف العدوان جواً وبراً وبحراً”، والذي يقضي بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة الأسرى، وعودة الأهالي النازحين إلى قراهم وديارهم. وجدد التأكيد على أن الجيش اللبناني ينتشر في منطقة جنوب الليطاني حصراً وفقاً لما نص عليه الاتفاق، مشدداً بصيغة حاسمة على أنه “لا يوجد مناطق تجريبية ولا مناطق آمنة لإسرائيل، ولا صفراء ولا حمراء ولا خضراء، وعلى إسرائيل أن ترحل وسترحل”.
التنسيق الداخلي، حماية السردية السيادية، ورفض الإملاءات المذلة
وفي الشأن الداخلي اللبناني، حث الشيخ قاسم السلطة اللبنانية وكافة المكونات والمعنيين على ضرورة تثبيت سردية المطالب الوطنية اللبنانية في وجه العدو، وفصلها تماماً عن أي ملفات أو قضايا داخلية، مؤكداً أن ترتيب الوضع الداخلي يجب أن يظل خارج أروقة المفاوضات، لأن “استعادة سيادة لبنان” هي المطلب الأساس كون “إسرائيل جهة معتدية ولا علاقة لها بترتيب سيادتنا الوطنية”.
ودعا رئيس الجمهورية والسلطة السياسية إلى أخذ زمام المبادرة وتحمل المسؤولية في جمع الكلمة وإطلاق حوار ومناقشة هادئة تفضي إلى اتفاق وطني بين اللبنانيين، معلناً جهوزية المقاومة التامة للتعاون، ومشيراً إلى أنها قد سهلت بالفعل عمل الجيش اللبناني في الانتشار جنوباً، وكانت “الأعلى انضباطاً على مدى 15 شهراً”.
وفي ختام تقريره، جدد الشيخ قاسم الرفض القاطع لخيار المفاوضات المباشرة مع العدو، واصفاً إياها بأنها محاولة لفرض “إملاءات مذلة تحت النار لا طائل منها”، وتنازلات يصيغها ويتواطأ فيها الأمريكي والإسرائيلي ضد لبنان، داعياً الجميع إلى تشكيل يد واحدة في هذه المحطة المفصلية لوقف الاعتداءات، والعمل المشترك لتحرير الأرض وضمان مستقبل الأجيال القادمة.