الكيان الصهيوني بين أوهام التوسع وحتمية الزوال
صادق البهكلي
مثّل العام 2025 ذروة الجنون الصهيوني ولا يمكن قراءة هذا الجنون بوصفه مجرّد تصعيد عسكري عابر أو فائض قوة غير محسوب، بل كذروة تاريخية للإفراط في القتل والإجرام المنهجي، امتد من الإبادة المفتوحة في غزة، إلى العدوان المتكرر على لبنان، والتصعيد المباشر وغير المسبوق مع اليمن وإيران، وصولًا إلى احتلال أجزاء من الجغرافيا السورية، في مفارقة صارخة تكشف أن وجود حكومة سورية جديدة موالية للاحتلال، واعترافها العلني به، لم يكن كافيًا لإشباع شهية التوسع. يضاف إلى ذلك الاعتراف الصهيوني بما يُسمّى «أرض الصومال»، ومحاولات حثيثة لإشعال كامل الإقليم، في إطار سعي محموم لإعادة تشكيل المنطقة وفق ما يُروَّج له كمشروع «إسرائيل الكبرى».
غير أن هذا التوحش المتصاعد لا يعكس ثقةً بالنفس ولا استقرارًا استراتيجيًا، بقدر ما يفضح شعورًا صهيونيًا عميقًا بأن النهاية تقترب. فالتاريخ يُعلّمنا أن قوى الطغيان حين تستشعر أفولها لا تتجه إلى التعقل، بل إلى الجنون، وتستعيض عن فقدان الشرعية بالإفراط في العنف. هذا النمط يعيد إلى الذاكرة النموذج الفرعوني الكلاسيكي: حين واجه فرعون نبوءة موسى عليه السلام، لم يبحث عن حقيقة الخطر ولا عن جذور التهديد، بل لجأ إلى القتل والذبح الجماعي، متوهّمًا أن الدم قادر على إجهاض القدر، وأن استعراض القوة يمكن أن يوقف مسار التاريخ.
بهذا المعنى، تبدو سياسات الاحتلال في 2025 تعبيرًا عن ذهنية محاصَرة بالخوف الوجودي، تحاول تأجيل السقوط عبر توسيع رقعة النار، وإغراق المنطقة في الفوضى، وإقناع نفسها قبل غيرها بأنها ما تزال قادرة على التحكم بالمشهد. لكن الإفراط في الإجرام، حين يتحول إلى عقيدة سياسية، لا يكون علامة قوة، بل إعلانًا غير مباشر عن مأزق تاريخي عميق، وعن كيان بات يتصرف كمن يرى نهايته تقترب، فيحاول النجاة منها بالوسيلة ذاتها التي عجلت دائمًا بسقوط الطغاة: القتل، والبطش، وإنكار سنن التاريخ، وصدق الله القائل: {… فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (الإسراء:من الآية٧)
اليهود الصهاينة و الخوف الوجودي
في صميم المشروع الصهيوني، وتحت طبقات الخطاب السياسي والعسكري والأيديولوجي، يسكن هاجس عميق لا يفارق الوعي الإسرائيلي: هاجس الزوال والفناء. هذا القلق الوجودي ليس مجرد قلق عابر أو خوف آني من تهديد محدد، بل هو بنية نفسية وفكرية متجذرة تشكل المحرك الأساسي للسلوك السياسي والعسكري الإسرائيلي منذ نشأة الكيان وحتى اليوم.
يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) قبل أكثر من عشرين سنة: “ربما أن اليهود أيضاً – والله أعلم – قد يكون لديهم أشياء أخرى، أمارات أخرى في هذا الزمن بالذات… يتصرفون كتصرف فرعون، يحاولون أن يحولوا دون ما يريد الله أن ينفذ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}” هذا التوصيف العميق يلخص جوهر الظاهرة: سلوك يحركه الخوف من تحقق نبوءة، فيسارع صاحبه إلى الإفراط في العنف ظناً منه أنه بذلك يُفشل المشيئة الإلهية.
تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن هذا القلق الوجودي يشكل مكوناً أساسياً في الشخصية اليهودية، ففي دراسة بعنوان “إعادة الاعتبار للشخصية الوطنية: ملاحظات حول القلق الوجودي الإسرائيلي”، يشير الباحث الصهيوني جاد يائير إلى أن المجتمع والسياسة الإسرائيلية غالباً ما تُثيران استياء المراقبين الأجانب، الذين يرون أن الأفعال الإسرائيلية تبدو “عدوانية وغير عقلانية وعنيدة، وقد يصفها البعض بأنها صارخة ومُفرطة وحتى بارانويا”.
هذا الهاجس ليس مجرد ظاهرة نفسية فردية، بل هو عقيدة أمنية وسياسية تُترجم إلى ممارسات عسكرية وسياسية ملموسة: الإفراط في القوة، القتل الجماعي، الردع المفرط، سياسة الأرض المحروقة. إنه خوف يتحول إلى منظومة فكرية وعملية تحكم كل تصرفات الكيان الصهيوني.
الزوال في المخيال الديني والأدبي الصهيوني
الجذور الدينية لفكرة الزوال في النصوص اليهودية
تحتل فكرة “الزوال” و”النهاية” حيزاً واسعاً في الأدبيات الدينية اليهودية، وإن كانت معالجتها تختلف عن التصور الشائع للفناء المطلق. فالنصوص اليهودية الأخروية، كما تؤكد الدراسات الأكاديمية المتخصصة في الأدب الرؤيوي اليهودي في التلمود والمدراش وكتابات الحاخامات، تتحدث عن “نهاية الأزمنة” (Jewish end times) لكنها تربطها بمفهوم “الخلاص” و”المسيح المنتظر”.
تشير الدراسات الأكاديمية التي تتناول هذا البعد إلى وجود تراث أخروي في اليهودية يستكشف سيناريوهات “نهاية العالم” ومصير الشعب اليهودي. هذه النصوص تتضمن إشارات إلى حروب كارثية وفترات محن شديدة تسبق مجيء المسيح.
وفقاً للحاخام حاييم مينتز، فإن النصوص اليهودية لا تتنبأ بنهاية العالم المطلقة، بل بفترة تحوّل تُعرف بـ“آلام المخاض المسيحاني” (birth-pangs of Mashiach). يذكر التلمود (سنهدرين 98ب) أن هذه الفترة ستشهد “حرباً عظيمة – ملحمة جوج وماجوج – ستكون مخيفة جداً للشعب اليهودي”. بعض الحاخامات يعتقدون أن الحرب العالمية الثانية والهولوكوست حققت جوانب من هذه النبوءة، بينما يرى آخرون أن الأحداث الحالية هي استمرار لتحقيقها.
كما جاء في موقع Aish.com، فإن “نهاية الأيام” في المفهوم اليهودي ليست “النهاية النهائية للعالم، بل نهاية التاريخ كما نعرفه”، تليها حقبة من السلام العالمي. لكن قبل ذلك، تتنبأ النصوص (حزقيال 38-39، زكريا 21:2، 14:23، التلمود – سوكاه 52، سنهدرين 97، سوطاه 49) بحرب عالمية هائلة يقودها “الملك جوج من أرض ماجوج”، وهي معركة نهائية بين الخير والشر حيث تُباد الشرور.
التفسيرات المعاصرة وربطها بالأحداث الجارية
ما يثير الانتباه هو كيف يربط بعض الحاخامات المعاصرين هذه النبوءات القديمة بالأحداث الجيوسياسية الراهنة. فالحاخام كيرت شنايدر يربط التوترات الحالية بين إسرائيل وإيران بـ”تحقيق النبوءة”، مشيراً إلى أن “فارس الحديثة (إيران) تتآمر ضد إسرائيل تماماً كما تآمرت فارس القديمة ضد الشعب اليهودي”، في إشارة إلى سفر حزقيال 38 الذي يتحدث عن تحالف أمم (بما فيها فارس) ضد إسرائيل في آخر الزمان. ويتنبأ بأن هذا الصراع قد يشعل معاداة للسامية عالمية “حتى أسوأ مما كانت عليه في زمن ألمانيا النازية”.
هذا الربط بين النصوص الدينية القديمة والأحداث المعاصرة يكشف عن بُعد مهم: الإيمان بأن ما يحدث اليوم هو جزء من سيناريو أخروي محتوم، وأن إسرائيل تواجه تهديداً وجودياً منبئاً بمعركة نهائية. كما يشير الباحث إيثان تافت، فإن “الأخرويات في اليهودية الحاخامية الحديثة تشكل مفترق طرق مع دولة إسرائيل الحديثة، مما يشكل بنشاط هويتها وسياساتها ودورها على المسرح العالمي”.
من النبوءة إلى السياسة – كيف يُدار الخوف؟
تحول الهاجس الديني إلى عقيدة أمنية
الخطوة الأهم في فهم هذا الهاجس هي كيفية تحوله من مخاوف دينية أو نفسية إلى سياسات عملية وعقائد عسكرية صارمة. في السياق الإسرائيلي، كما تشير الأبحاث الأكاديمية، هناك ميل لـ“تحويل التهديدات الأمنية إلى تهديدات استراتيجية ثم إلى تهديدات وجودية”. ويُنظر إلى الأمن في معظم الحالات على أنه “مرادف للأمن العسكري”، وبالتالي يتم تأطير كل تهديد عسكرياً ويُستمد من الفكر العسكري.
تشير دراسة “من يحدد حقاً ما هو التهديد الوجودي؟ التجربة الإسرائيلية” إلى أن ما يسمى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تلعب دوراً كبيرا في تحديد طبيعة التهديدات. فـ”الروح الإسرائيلية” (Ethos) تتضمن إحساساً عميقاً بعدم الأمان، مما يؤدي إلى “تعايش فكري” بين المستويين السياسي والعسكري، وهو ما يفسر التأثير الكبير للمؤسسة العسكرية في تحديد التهديدات واتخاذ القرارات الحاسمة لشن الحروب.
عرّف ما يسمى وزير العدل الإسرائيلي السابق المجرم حاييم رامون “التهديد الوجودي” بقوله: “من يحاول إلحاق الضرر – بما يسميها – دولة إسرائيل ذات السيادة داخل حدود عام 1967، يريد تدمير دولة إسرائيل… وسوف يترجم ذلك في النهاية إلى تهديد وجودي”
هذا التعريف الفضفاض يسمح بتضخيم أي تهديد وتحويله إلى مسألة بقاء أو فناء.
محور المقاومة والخوف من الشيعة
من أبرز التجليات المعاصرة لهذا الهاجس هو الخوف الإسرائيلي المتصاعد من “محور المقاومة” وخاصة دور الشيعة فيه. يتناول الباحث عبد الوهاب المسيري في كتابه “البروتوكولات واليهودية والصهيونية” موضوع “الخوف الإسرائيلي من الشيعة ومحور المقاومة والأمن القومي الإسرائيلي”، مؤكداً أن هذا الخوف يشكل جزءاً أساسياً من المخيال الأمني الإسرائيلي.
كما أشار شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه: “قد يكون لديهم ملاحم، أو لديهم أخبار أو أشياء من هذه… هم من يعرفون ربما أن الأمة أصبحت في وضعية يمكن أن تشكل خطورة عليهم، وأن الشيعة هم من يشكلون خطورة بالغة عليهم”
هذا الإدراك الإسرائيلي لخطورة محور المقاومة ليس مجرد تقدير أمني، بل يرتبط بمخاوف أعمق ربما تستند إلى قراءات لنصوص دينية أو نبوءات يعتقدون أنها تشير إلى نهايتهم على يد هذا المحور.
كتاب «محور المقاومة: الردع غير المتكافئ وقواعد الاشتباك في صراعات الشرق الأوسط المعاصرة» ” للباحث الصهيوني دانيال سوبيلمان يقدم تحليلاً شاملاً لديناميكيات الردع غير المتماثل في سياق الشرق الأوسط، مما يلقي الضوء على كيفية إدراك العدو الإسرائيلي للتهديدات من محور المقاومة والاستجابة لها.
الإجرام الصهيوني المفرط كاستجابة وجودية (مقارنة فرعونية)
نموذج فرعون في القرآن: الخوف من النبوءة والإفراط في القتل
يقدم القرآن الكريم نموذجاً تحليلياً عميقاً لسلوك الطاغوت المستبد الذي يواجه نبوءة بزوال كيانه: نموذج فرعون. عندما سمع فرعون بنبوءة تقول إن مولوداً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، لجأ إلى سياسة القتل الجماعي المنهجي لأطفال بني إسرائيل الذكور. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً: فموسى عليه السلام، المقصود بالنبوءة، نشأ في قصر فرعون نفسه، وكان زوال فرعون على يديه كما قُدّر له.
يصف القرآن فرعون بأنه “طاغية” يدّعي الألوهية ويسعى لتحدي الإرادة الإلهية. أمر فرعون وزيره هامان ببناء صرح عالٍ ليصعد إلى “إله موسى” ويثبت كذب موسى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} (غافر: 36-37)
هذا السلوك يعكس هوساً بإفشال النبوءة عبر التحدي والعنف المفرط.
وقد أثبتت الدراسات الأثرية الحديثة دقة الرواية القرآنية، حيث أكدت وجود “هامان” كشخصية تاريخية حقيقية كان يشغل منصب “رئيس عمال المحاجر” في عهد رمسيس الثاني، وهو ما يتطابق مع دوره في بناء الصرح كما ذكره القرآن، بينما لم تذكر التوراة هذه التفاصيل. كما أن التفريق القرآني بين لقب “الملك” (في عهد يوسف) و”فرعون” (في عهد موسى) يتطابق مع التغيرات التاريخية في الألقاب المَلَكية المصرية القديمة.
الأهم من ذلك، أن القرآن يختم قصة فرعون بدرس مركزي: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21)
مهما بلغت قوة الطاغية ومهما أفرط في العنف، فإن مشيئة الله نافذة لا محالة.
التشابه البنيوي: الإفراط في القوة لإفشال “القدر”
عندما نضع سلوك العدو الإسرائيلي المعاصر في مقابل نموذج فرعون، نجد تشابهاً بنيوياً مذهلاً:
- الخوف من نبوءة أو “مصير محتوم”: كما كان فرعون يخشى نبوءة تقول إن زواله سيكون على يد مولود من بني إسرائيل، يبدو أن الوعي الصهيوني محكوم بمخاوف وجودية مستمدة من قراءات دينية ونبوءات أخروية تتحدث عن “نهايتهم”.
- اللجوء إلى العنف المفرط والقتل الجماعي: ردة فعل فرعون كانت القتل الممنهج للأطفال. والسلوك الإسرائيلي اليوم يتسم بالإفراط في القوة والقتل الجماعي، كما شاهدنا السلوك الصهيوني في غزة (إبادة ومسح آلاف الأسر من السجل المدني الفلسطيني و تدمير كلي غير مسبوق وقصف حتى المستشفيات وحواضن الرضع والاطفال الخدج)، ولبنان (حيث مسحت أحياء بأكملها)، واليمن وسوريا وإيران (من خلال الضربات الاستباقية والاغتيالات).
- الاعتقاد بأن القوة المفرطة تُفشل القدر: كلا الطرفين يعتقد أن بإمكانه بالقوة العسكرية والعنف المفرط أن يمنع تحقق ما قُدّر عليه. لكن التاريخ والقرآن يؤكدان عكس ذلك: الإفراط في القوة لا يؤجل الزوال، بل قد يعجّل به.
- “والله غالب على أمره”: الدرس القرآني الأعمق هو أن محاولة تحدي المشيئة الإلهية بالعنف والطغيان محكومة بالفشل. كما قال السيد حسين رضوان الله عليه : “يتصرفون كتصرف فرعون، يحاولون أن يحولوا دون ما يريد الله أن ينفذ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}”.
شواهد معاصرة من خطاب العدو الإسرائيلي
تصريحات قادته المجرمين حول تآكل الردع والمخاوف الوجودية
تكشف تصريحات قادة العدو الإسرائيلي عن قلق وجودي متصاعد، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 التي شكلت صدمة استراتيجية للكيان:
- المجرم بنيامين نتنياهو، صرح علناً بأن أحد أهداف حرب غزة 2014 كان “استعادة قوة الردع الإسرائيلية”، مما يعني اعترافاً ضمنياً بتراجعها، وفي حملته الانتخابية لعام 2020، ادعى نتنياهو أن وجوده في السلطة هو الضمان الوحيد لتجاوز إسرائيل لعقدها الثامن بسلام، مشيرا إلى أن التاريخ اليهودي لم يمنحهم مملكة يهودية استمرت طويلا، وأنه يسعى لكسر هذه اللعنة عبر القيادة القوية
- المجرم نفتالي بينيت حذر بدوره في رسالة مفتوحة للمغتصبين من أن ما يسمى “إسرائيل” تقف أمام اختبار وجودي، مشيرا إلى أن الانقسامات الداخلية هي التي أسقطت الممالك السابقة، وأن “إسرائيل الثالثة” تواجه خطر التفكك والزوال بسبب الاستقطاب السياسي الحاد الذي يمنع تشكيل إجماع قومي.
- المجرم أفيغدور ليبرمان، زعيم ما يسمى حزب “إسرائيل بيتنا”، اعتبر أن حرب غزة 2014 “سحقت” قوة الردع الإسرائيلية، وشدد على الحاجة لعمل عسكري حاسم.
- المجرم يائير لابيد، زعيم ما يسمى حزب “يوجد مستقبل”، أشار إلى تصاعد قوة المنظمات المعادية، وزيادة العمليات من الضفة الغربية، والإخفاقات في الملف النووي كمؤشرات على ضعف الردع الإسرائيلي.
تحولات العقيدة العسكرية: من الردع إلى الحرب الدائمة
بعد صدمة 7 أكتوبر 2023، شهدت العقيدة العسكرية الصهيونية تحولاً جذرياً. فقد أسس ديفيد بن غوريون العقيدة الأمنية على ثلاثة مبادئ: الردع، الإنذار المبكر، والحسم. لكن كما تشير دراسات حديثة من الجزيرة نت ومركز مدار، فإن هذه العقيدة تعرضت لإخفاقات متكررة (في أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023)، مما دفع المؤسسة الأمنية للانتقال من الاعتماد على “الردع” إلى تبني مفهوم “الحرب الدائمة” أو “الحسم الدائم”.
يحذر البروفيسور بواز أتزيلي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية بواشنطن، من المخاطر الكبيرة المرتبطة بهذا التحول الجذري في العقيدة العسكرية للعدو الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر. ويصف التخلي عن الردع التقليدي دون بصيرة استراتيجية مناسبة بأنه “تغيير حرج وخطير” على مستقبل إسرائيل.
سياسة الأرض المحروقة
من أبرز تجليات الإفراط في القوة ما يُعرف بـ“عقيدة الضاحية ”، التي صاغها ما يسمى رئيس الأركان الصهيوني الأسبق المجرم غادي آيزنكوت خلال حرب لبنان 2006. تدعو هذه العقيدة إلى:
- تدمير مناطق مدنية بأكملها رداً على أي ضرر يلحق بإسرائيل و هذا ما فعلوه في غزة و لبنان خلال طوفان الأقصى
- اعتبار أي منطقة تدعم أعداءها ساحة معركة مشروعة
- استخدام القوة القصوى لتدمير البنية التحتية
هذا نموذج صريح لـ”سياسة الأرض المحروقة” التي تهدف للردع عبر إلحاق تكاليف هائلة.
تُطبق هذه العقيدة اليوم في غزة على نطاق واسع، حيث يوثق كتاب “الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة” لعزمي بشارة حجم “جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية” التي ارتكبها العدو الإسرائيلي، ويكشف عن خلفيات ودوافع هذه الحرب وأسباب استمرارها.
فشل الردع أمام “المنطق الجهادي”
من الإشكاليات الكبرى التي تواجه العقيدة الأمنية الصهيونية، كما يحلل الباحث وليد حباس من مركز مدار، هو أن الردع التقليدي القائم على “حساب المكاسب والخسائر المادية” يفشل أمام خصوم يمتلكون “منطقاً دينياً – أخروياً” يقدّر الشهادة ويتجاوز الحسابات المادية التقليدية، مثل حركة حماس وحزب الله. هذا الفشل في فهم طبيعة الخصم أدى إلى “أزمة في فعالية الردع” وتحول نحو عقلية “إما نحن أو هم”.
نظرية “الجدار الحديدي” وإرث جابوتنسكي
يرتبط هاجس الزوال ارتباطاً وثيقاً بنظرية “الجدار الحديدي” التي طرحها المفكر اليهودي الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي. تقوم هذه النظرية على أن إسرائيل يجب أن تؤسس نفسها خلف جدار من القوة العسكرية والتحالفات السياسية. كما تدعو لإقامة مستوطنات يهودية في الدول العربية المحيطة لخلق منطقة عازلة للكيان الناشئ. هذه المنهجية تبناها مجرمو الحرب الصهاينة مثل بنيامين نتنياهو لبناء التحالفات وتأمين حدود آمنة وقابلة للدفاع.
الضربة الاستباقية والردع النووي
من أبرز تجليات هذا الهاجس في العقيدة الأمنية الصهيونية :
- الضربة الاستباقية: تقوم على نقل المعركة إلى أرض العدو وضمان التفوق العسكري على الدول المجاورة، سواء فرادى أو مجتمعة. هذا المبدأ طُبق في حرب 1967 وفي ضربات متكررة ضد سوريا والعراق وإيران.
- الردع النووي: أدخلت إسرائيل القدرات النووية في عقيدتها كعنصر ردع شامل، وتحافظ على سياسة “الغموض النووي”. يُعتقد أنها فكرت في استخدامها في حرب 1973.
- الردع المتراكم: سياسة طويلة المدى لإقناع الأطراف العربية بأن “إزالة إسرائيل مستحيلة”.
إعادة تعريف العدو والانتقال للحسم الشامل
بعد 7 أكتوبر 2023، أعادت ما يسمى المؤسسة الأمنية للعدو الإسرائيلي تعريف مفاهيمها، بما في ذلك العودة لاعتبار المجتمع الفلسطيني بأكمله خصماً، بهدف فرض هزيمة جماعية تمنع أي مطالب وطنية مستقبلية. كما تبنت استراتيجية “الدفاع من خلال الهجوم” وإقامة “أحزمة أمنية” في أراضي العدو، كما صرح المجرم إيال زامير، مما يعكس موقفاً استباقياً وليس دفاعياً.
تُظهر وحدة “محامي الشيطان” داخل الاستخبارات الإسرائيلية، المصممة لتحدي التقييمات السائدة بشكل نقدي، أنها أصدرت تحذيرات بشأن هجوم محتمل لحماس في سبتمبر 2023، لكن هذه التحذيرات لم تؤخذ على محمل الجد، مما يشير إلى منهجية بيروقراطية وشكلية قوضت فعاليتها.
هل الإفراط في القوة يؤجل الزوال أم يعجّل به؟
عندما ننظر إلى السلوك الإسرائيلي المحموم – الإفراط في القوة، القتل الجماعي، الردع المفرط، سياسة الأرض المحروقة – من خلال عدسة “هاجس الزوال”، ندرك أننا أمام كيان يسعى بكل قوته لإفشال ما يعتقد أنه “قدر محتوم”. إنه يتصرف كما تصرف فرعون بالضبط: يحاول أن يحول دون ما يريد الله أن ينفذ.
لكن التاريخ والقرآن يعلماننا أن هذا السلوك محكوم بالفشل. فكلما أفرط فرعون في القتل، اقترب أكثر من لحظة زواله. وكلما حاول منع تحقق النبوءة، ساهم بيده في تحقيقها. إذ نشأ موسى في قصره، وكان زواله على يديه.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل الإفراط في القوة التي تمارسها إسرائيل اليوم تؤجل زوالها أم يعجّل به؟ الأرجح، بناءً على القراءة التاريخية والتحليل الاستراتيجي، أن هذا الإفراط يُعجّل بالزوال بدلاً من تأجيله. فهو يخلق مزيداً من الأعداء، ويعمق الكراهية، ويوحد الخصوم، ويفقد إسرائيل شرعيتها الدولية، ويحول العالم ضدها.
من المفارقات العميقة أن الباحثين الصهاينة أنفسهم، مثل بواز أتزيلي، يحذرون من أن التحول الجذري في العقيدة العسكرية والتخلي عن الردع التقليدي دون بصيرة استراتيجية يشكل “تغييراً حرجاً وخطيراً” على مستقبل كيانهم. وكما يشير الباحث الفلسطيني غسان كنفاني في كتابه “في الأدب الصهيوني”، فإن “الخوف الإسرائيلي والشعور بالحصار” مترسخ في الوعي الصهيوني نفسه، وهذا الخوف قد يكون العامل الذي يقود المشروع لنهايته.
في النهاية، يبقى الدرس القرآني الخالد هو الأصدق: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
مهما بلغت قوة الطاغية، ومهما أفرط في العنف، ومهما حاول أن يمنع القدر، فإن أمر الله نافذ لا محالة. ما يخشاه الصهاينة سيحدث، رغم محاولاتهم المحمومة لمنعه, و ما علينا إلا كما قال شهيد القران: “يجب أن نثق بهذا أن الله الذي نريد أن نصدق معه بأن نجعله ولينا، وأن نتولاه، وأن نكون من أوليائه هو القوي العزيز، وهو الغالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.”
وكمال قال السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله: ” نحن واثقين بحتمية تحقّق الوعد الإلهي بزوال الكيان الصهيوني المؤقت، مهما بلغ عتوّه واستكباره وإجرامه، فهو إنما يقرِّبه من الزوال أكثر، وسيتجلّى لكل أمّتنا يومًا بعد يوم فشل كل الخيارات التي ترمي الى تدجين الأمة لذلك العدوّ، وأنَّ الخيار الصحيح والواقعي والحق هو التحرّك الواعي المسؤول في مواجهة ذلك العدوّ، والتصدّي لكل مؤامراته، وحمل راية الجهاد في سبيل الله تعالى، والثقة بوعده، إنَّ الله لا يخلف الميعاد، والعاقبة للمتقين.
إن هاجس الزوال في الوعي الصهيوني ليس مجرد خوف نفسي عابر، بل هو بنية عميقة تحرك السلوك السياسي والعسكري للكيان. وهذا الهاجس، المستمد من جذور دينية وتاريخية وممزوج بقراءات نبوئية، يتحول إلى عقائد أمنية صارمة وممارسات عنيفة مفرطة. لكن التاريخ يثبت أن الإفراط في القوة لا يمنع الزوال، بل قد يكون الطريق الأسرع إليه. والله غالب على أمره.
قائمة المراجع والمصادر
- Reimagining Apocalypticism: Apocalyptic Literature in the Dead Sea Scrolls – دراسة أكاديمية حول الأدب الأخروي في اليهودية
o Google Books: https://books.google.com/books?id=4HLMEAAAQBAJ
- Trajectories in Near Eastern
Apocalyptic: A Postrabbinic Jewish Apocalypse – دراسة حول الأدب الرؤيوي اليهودي ما بعد الرباني
o Google Books: https://books.google.com/books?id=TO6q6Je0r24C
- Rabbi Chaim Mintz – “End of Times in Jewish Thought” – TorahMates
o https://www.torahmates.org/jewish-resources/end-of-times/
- Aish.com – “End of Days: What Does Judaism Say?”
o https://aish.com/end-of-days/
- Rabbi Kirt Schneider – “Is This the War That Triggers the End Times? Rabbi Connects Israel Strike to Scripture” – My Charisma
o https://mycharisma.com/propheticrevival/is-this-the-war-that-triggers-the-end-times-rabbi-connects-israel-strike-to-scripture/
- Ethan Taft – “Judaism’s View of the End Times and the Modern State of Israel”
o https://ethantaft.substack.com/p/judaisms-view-of-the-end-times-and
دراسات أكاديمية:
- Gad Yair – “Bringing National Character Back in: Notes on Israeli Existential Anxiety”
o Academia.edu: https://www.academia.edu/download/31046801/Yair122.pdf
- Gad Yair – “Israeli Existential Anxiety: Cultural Trauma and the Constitution of National Character”
o Academia.edu: https://www.academia.edu/10738194/
- Assaf Siniver – “Israeli Identities and the Politics of Threat: A Constructivist Interpretation”
o Academia.edu: https://www.academia.edu/18144232/
- Kobi Michael – “Who Really Dictates What an Existential Threat Is? The Israeli Experience” – Journal of Strategic Studies
o Taylor & Francis: https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/01402390903189360
- Mohammad Bani Salameh – “Understanding Israel’s Foreign Policy from the Perspective of Identity and Security”
o Academia.edu: https://www.academia.edu/83854858/
- Daniel Sobelman – “Axis of Resistance: Asymmetric Deterrence and Rules of the Game in Contemporary Middle East Conflicts” (قيد النشر 2025)
o SUNY Press – Torrossa: https://www.torrossa.com/gs/resourceProxy?an=5976300
- Shmuel Bar – “God, Nations, and Deterrence: The Impact of Religion on
Deterrence”
o https://www.runi.ac.il/media/qujij341/bar_godnationsanddeterrence2012.pdf
دراسات عربية:
- عبد الوهاب المسيري – “البروتوكولات واليهودية والصهيونية” – دار الشروق
o Google Books: https://books.google.com/books?id=DhX5EAAAQBAJ
- عزمي بشارة – “الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة” – معهد الدوحة
o https://bookstore.dohainstitute.org/P-2708.aspx
- غسان كنفاني – “في الأدب الصهيوني”
o Google Books: https://books.google.com/books?id=9GgTEQAAQBAJ
تحليلات ومقالات صحفية:
- الجزيرة نت – “تحولات العقيدة العسكرية الإسرائيلية.. من الردع إلى الحرب الدائمة”
o https://www.aljazeera.net/politics/2025/7/26/
- مركز مدار – وليد حباس – “في الأسس الفلسفية لمفهوم الردع (الفاشل) في العقيدة الأمنية الإسرائيلية”
o https://www.madarcenter.org/
- إندبندنت عربية – “إسرائيل وعقيدة الضاحية… أرض محروقة وقتلى بالآلاف”
o https://www.independentarabia.com/node/606030/
- مركز القدس للدراسات – “العقيدة الأمنية الإسرائيلية ما بعد 7 أكتوبر ومحاولة استعادة الردع”
o https://alqudscenter.info/articles/
- الراي (الكويت) – “إسرائيل… من عقيدة الردع إلى التوسّع والمنطقة الدفاعية”
o https://www.alraimedia.com/article/1719442/
دراسات مقارنة:
- دراسات متعددة – “قصة موسى وفرعون بين القرآن والتوراة: دراسة مقارنة”
o المصادر: جامعة النجاح، الألوكة، موقع الفكر القرآني، أرشيف الإنترنت
- المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية (العراق) – “صرح فرعون: دراسة مقارنة”
o https://m.iicss.iq/?id=141&sid=310
- إسلام ويب – “بين قصص القرآن والتاريخ الفرعوني”
o https://islamweb.net/ar/fatwa/205051/
- طريق الإسلام – “بنو إسرائيل في القرآن الكريم”
o https://ar.islamway.net/spotlight/1693/
تاريخ الإعداد: ديسمبر 2025