“15 ثانية فصلت الطيارين عن الموت المحقق: مجلة القوات الجوية الأمريكية تكشف تفاصيل مواجهة مروعة لمقاتلتين إف-16 فوق اليمن”
نشرت مجلة “مجلة القوات الجوية والفضائية الأمريكية” تقريراً موسعاً كشفت فيه تفاصيل اقتراب مقاتلتين أمريكيتين من طراز (إف-16) من التعرض لإصابة مباشرة بصواريخ دفاع جوي أطلقتها قوات صنعاء، خلال الحملة العسكرية التي نفذتها إدارة ترامب ضد اليمن العام الماضي. ونقلت المجلة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن القوات الأمريكية لم تتمكن من فهم الطبيعة الكاملة لمنظومة الدفاع الجوي التي واجهتها.
ووفق التقرير، الذي نُشر مساء الأحد، فإن نحو 15 ثانية فقط فصلت بين الحياة والموت لطياري المقاتلتين الأمريكيتين، عندما اقتربتا من الإصابة بصواريخ أرض–جو في الأجواء اليمنية أواخر مارس الماضي.
بداية المهمة وتحول مفاجئ
أوضحت المجلة أن الطائرتين كانتا ضمن مهمة لقصف أهداف داخل اليمن في 27 مارس 2025، قبل أن تتحولا فجأة إلى هدف لصواريخ أرض–جو يمنية، في مشهد وصفته المجلة بعبارة “أصبح الصياد فريسة”.
وأشار التقرير إلى أن الطيارين “باركس” و”بليا” ينتميان إلى السرب المقاتل 480 المتمركز في قاعدة سبانغدالم الجوية بألمانيا، وقد وصلا إلى الشرق الأوسط في أكتوبر 2024، واستمرت مهمتهما حتى يوليو 2025. وتُعرف هذه الوحدة بتخصصها في استهداف أنظمة الدفاع الجوي المعادية.
وبيّن أن مهمة 27 مارس كانت أول عملية ليلية للطيار باركس ضمن الحملة، وبصفته قائد المهمة تلك الليلة، بدأ التحضير لها قبل يومين، داعياً زملاءه إلى إعادة توجيه تركيزهم نحو مهمة “قمع الدفاعات الجوية في اليمن”.
تفاصيل العملية الجوية
لفت التقرير إلى أن الجيش الأمريكي رفض الكشف عن القاعدة الرئيسية التي انطلقت منها مقاتلات إف-16 المشاركة في المهمة، موضحاً أنها حلّقت فوق البحر الأحمر أثناء دخولها وخروجها من المجال الجوي اليمني.
وفي تلك الليلة، رافق الطيارين طائرتان إضافيتان من طراز إف-16 من السرب نفسه، وتمثلت المهمة في قمع الدفاعات الجوية للعدو بهدف إلحاق الضرر بمنظومات الدفاع الجوي اليمنية أو تدميرها، إضافة إلى تشتيت الانتباه عن الجزء الآخر من عملية الهجوم.
وأضاف التقرير أنه مع انطلاق المهمة ظهرت مؤشرات على أن القوات اليمنية كانت على علم بالعملية، إذ رُصدت إشارات تدل على تعقب الطائرات، وخلص بعض المسؤولين لاحقاً إلى أن الدفاعات الجوية كانت تتبادل الإشارات.
وقال باركس: “لقد علموا بوجودنا، وكنا بحاجة إلى أن ينتبهوا إلينا. كان علينا اتخاذ قرار شخصي ومقصود بالاقتراب أكثر من منطقة الخطر. لم يكن قراراً مريحاً، لكنه كان ضرورياً”.
إطلاق الصواريخ والهدوء المؤقت
بحسب التقرير، وصل الطياران إلى هدفهما قرب العاصمة صنعاء، وأطلق كل منهما صاروخاً من طراز (إيه جي إم-88 هارم)، ضمن نحو 50 صاروخاً من النوع نفسه أُطلقت خلال الحملة في حوالي 24 اشتباكاً ضد مواقع صواريخ أرض–جو ومدفعية مضادة للطائرات.
وقال باركس إن الضربة الرئيسية نُفذت بسرعة، أعقبها هدوء تام، حيث بدأت القاذفات تنفيذ هجومها دون نيران مضادة للطائرات، وتوقفت الأنظمة التي كانوا يرصدونها عن العمل، ما دفعهم للاستعداد للعودة.
الكمين الصاروخي
غير أن التقرير أوضح أن الطائرات كانت خاضعة للمراقبة أثناء انسحابها نحو البحر الأحمر، وأن القوات اليمنية لم تشغّل راداراتها إلا بعد تجهيز صاروخ أرض–جو للإطلاق، فيما وصف بـ“كمين صاروخي”.
وأوضح باركس أنهم لم يتلقوا سوى تحذير قصير لا يتجاوز 15 إلى 20 ثانية، مرجحاً اعتماد القوات اليمنية على المراقبة البصرية وأجهزة الاستشعار الكهروضوئية والأشعة تحت الحمراء.
وأضاف: “رأيت وميضاً أبيض ساطعاً وشاهدت الصاروخ في لحظة إطلاقه الأولى، وكان أسفل موقعنا مباشرة. مر أسفل جناحي الأيسر بمسافة قريبة جداً لدرجة أنني سمعت صوته، وهو مشهد لا يزال عالقاً في ذهني”.
أما الطيار الآخر فأكد أنه شاهد الصاروخ واتخذ فوراً إجراءات المناورة وفقاً للتدريب، مشيراً إلى أن الصاروخ مر على بعد أقدام قليلة من مقدمة طائرته، مضيفاً: “كانت لدي فرصة واحدة فقط لإبعاده”.
وخلال نحو 15 دقيقة، أُطلقت ستة صواريخ إضافية باتجاه الطائرتين، ما استدعى تنسيقاً مستمراً بينهما لضمان المناورة في الاتجاهات الآمنة ومواصلة الدفاع عن نفسيهما.
تحدي الوقود والتدخل العاجل
أوضح التقرير أن المناورات عالية التسارع أدت إلى استهلاك كبير للوقود، ما وضع الطيارين أمام خطر نفاده، وهو ما كان سيضطرهما إلى القفز بالمظلة فوق أراضٍ معادية أو في البحر الأحمر. كما أشار إلى أن فقدان الوقود قد يؤدي إلى انطفاء المحرك، ورغم إمكانية إبقاء الطائرة محلقة لبضع دقائق باستخدام وحدة الطاقة الاحتياطية، فإن فقدان نظام التحكم الإلكتروني يجعلها غير قابلة للسيطرة.
وقال باركس: “لم أرغب في الانسحاب بسبب نفاد الوقود. كنا نستهلك كمية أعلى بكثير، والمناورات لمدة 10 دقائق تسببت بانخفاض حاد في مستوى الوقود”.
وبيّن التقرير أن مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للقوات الجوية المركزية تحرك فوراً بإرسال ناقلة وقود إلى موقع أقرب رغم المخاطر، ما أتاح للطائرتين التزود بالوقود والعودة بسلام.
وقال الطيار الآخر: “سأظل ممتناً إلى الأبد لأطقم ناقلات الوقود في تلك الليلة”، مضيفاً أنه بعد الهبوط فقط سمح لنفسه باستيعاب ما حدث.
أرقام الحملة وتقييم لاحق
ونقل التقرير عن القوات الأمريكية أن السرب 480 نفذ حملة عالية المخاطر ضد القوات اليمنية، مستخدماً أكثر من 134 قنبلة و47 صاروخاً من طراز (إيه جي إم-88)، خلال 9,000 ساعة طيران في نحو 1,400 طلعة جوية، وتعرض لـ22 اشتباكاً بصواريخ أرض–جو ومدفعية دفاع جوي.
كما نقل عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين أن القوات الأمريكية لم تستوعب بشكل كامل نطاق منظومة الدفاع الجوي التي اعتمدتها القوات اليمنية، والتي جمعت – وفق تحليلات لاحقة – بين صواريخ موجهة بالرادار ومراقبين بصريين وأجهزة استشعار كهروضوئية وأشعة تحت الحمراء، وهي وسائل لم تتمكن أنظمة الاستشعار الأمريكية من كشفها بالكامل.
وختم التقرير بتصريح لمسؤول دفاعي أمريكي رفيع قال فيه: “حاولنا فهم ما كان يحدث بدقة، وبذلنا جهداً كبيراً لتحليل كل المعلومات المتاحة، لكن لا أعتقد أننا توصلنا إلى فهم كامل بنسبة 100% لما جرى”.